بوصلة إماراتية ثابتة لدعم غزة.. المساعدات لا تتوقف رغم الحرب

سفينة حمدان الإنسانية التاسعة تبحر من ميناء خليفة متوجهة نحو ميناء العريش المصري، ضمن مبادرة 'الفارس الشهم 3'.

غزة - في وقت تتصاعد فيه حدة الحرب في قطاع غزة وتزداد فيه المأساة الإنسانية قتامة بفعل الحصار الإسرائيلي المستمر، تواصل دولة الإمارات العربية المتحدة تقديم الدعم الإنساني العاجل لسكان القطاع، مجسدة بذلك إصرارها الثابت على الوقوف إلى جانب الشعب الفلسطيني رغم تعقيدات الأوضاع الميدانية والضغوط السياسية المصاحبة للصراع.
ويوم السبت، أبحرت من ميناء خليفة في العاصمة الإماراتية أبوظبي سفينة "حمدان الإنسانية التاسعة"، متوجهة نحو ميناء العريش المصري، ضمن مبادرة "الفارس الشهم 3"، التي أُطلقت في نوفمبر/تشرين الثاني 2023 بأمر من قبل الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، لتوفير المساعدات الغذائية والطبية للمناطق الأكثر تضرراً في قطاع غزة.
وبحسب وكالة أنباء الإمارات "وام"، فإن حمولة السفينة التي تبلغ نحو 7 آلاف طن تتضمن 5 آلاف طن من الطرود الغذائية، و1900 طن من المواد الغذائية الخاصة بدعم المطابخ الشعبية، إلى جانب 100 طن من الخيام الطبية وخمس سيارات إسعاف لدعم القطاع الصحي المنهك. وتُعد هذه الحمولة واحدة من أكبر الشحنات التي ترسلها الإمارات منذ بدء العدوان الإسرائيلي على غزة في أكتوبر/تشرين الاول 2023.

ورغم التحديات الميدانية والقيود المفروضة على دخول المساعدات إلى غزة، خصوصاً بعد سيطرة الاحتلال الإسرائيلي على معبر رفح البري من الجانب الفلسطيني في مايو 2024، لم تتراجع الإمارات عن التزامها الإنساني، بل واصلت تعزيز عمليات الدعم الإغاثي عبر البحر والجو، وبالتعاون مع هيئة الهلال الأحمر الإماراتي والشركاء الإقليميين والدوليين.
وقبل أسبوع، أعلنت الوكالة أن قافلة طبية إماراتية وصلت إلى قطاع غزة المحاصر، شملت "كميات من الأدوية والمستلزمات الطبية المتنوعة، بهدف التخفيف من معاناة الأشقاء الفلسطينيين وتعزيز صمود القطاع الصحي في ظل الظروف الصعبة" جراء الإبادة الإسرائيلية.
ورغم تكدس شاحنات المساعدات على الجانب المصري من معبر رفح البري، لا تسمح إسرائيل إلا بإدخال كميات شحيحة جدا لا تغطي احتياجات القطاع، حيث سيطرت على الجانب الفلسطيني من المعبر منذ مايو/أيار 2024.
وتأتي هذه الجهود في وقت حذّر فيه تقرير صادر عن "مؤشر التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي" في 22 أغسطس/اب الجاري من تفشي المجاعة بشكل كارثي في شمال قطاع غزة، مؤكداً أن الوضع يزداد سوءاً بفعل الحصار الإسرائيلي والتجويع الممنهج. وتشير الأرقام إلى وفاة 322 فلسطينياً جراء المجاعة، بينهم 121 طفلاً، وهو ما يفاقم الحاجة إلى التحرك الإنساني العاجل.
في غزة، لاقت المبادرات الإماراتية ترحيباً واسعاً من السكان الذين يعانون من ويلات الحرب المستمرة والنقص الحاد في الغذاء والماء والدواء. ويقول أحد المواطنين من شمال غزة: "المساعدات الإماراتية تمثل شريان حياة للكثير من العائلات هنا. نشعر أن هناك من يساندنا رغم كل ما نمر به".
ويعكس هذا الموقف الشعبي عمق العلاقة التاريخية التي تربط الشعبين الإماراتي والفلسطيني، حيث لطالما كانت الإمارات في طليعة الدول الداعمة للقضية الفلسطينية، ليس فقط سياسياً، بل عبر مبادرات إنسانية وتنموية متواصلة.
ولا يقتصر الدور الإماراتي في غزة على تقديم المساعدات الإغاثية العاجلة فحسب، بل يندرج ضمن رؤية إنسانية شاملة تهدف إلى بناء القدرات وتعزيز صمود الفلسطينيين في وجه الأزمات. وتتنوع مجالات هذا الدعم لتشمل القطاع الطبي، عبر توفير سيارات إسعاف وأدوية ومستلزمات طبية، والتعليم، والإسكان، فضلاً عن المساعدات الغذائية التي تستهدف الفئات الأشد تضرراً.
ويشير محللون إلى أن الإصرار الإماراتي على مواصلة المساعدات، رغم الظروف السياسية المعقدة، يعكس التزاماً إنسانياً مستقلاً عن الحسابات الضيقة، ويؤكد أن البعد الأخلاقي والإنساني لا يزال يحتل موقعاً مركزياً في السياسة الخارجية الإماراتية.
وفي ظل إصرار إسرائيل على مواصلة عدوانها، ورفضها الانصياع للنداءات الدولية وأوامر محكمة العدل الدولية بوقف الإبادة، تشكل المبادرات الإماراتية رسالة أمل لسكان غزة الذين يعيشون تحت وطأة القصف والتجويع. فهي تذكرهم بأن هناك من لا يزال يمد لهم يد العون، ويقف معهم في محنتهم.
وفي الوقت الذي تخذل فيه السياسات الدولية المدنيين في غزة، تبقى المبادرات الإنسانية النابعة من مواقف صادقة ومستمرة، كما هو الحال في الإمارات، أملاً حقيقياً في تخفيف المعاناة وإبقاء شعلة الحياة مضاءة في وجه الظلام الدامس.