بيت السرد التونسي يناقش الإشراقات الإبداعية
تونس ـ في موعده الشهري انعقد بيت السرد بدار الثقافة ببن عروس السبت 27 أكتوبر/تشرين الأول تحت إشراف القاصة والناقدة هيام الفرشيشي التي تناولت تيمة "الإشراقات الإبداعية" منطلقة من علم النفس الإبداعي ومن التراث الفلسفي والشعري والصوفي، ومن أعمال سردية وشعرية وهي رواية "شنقرارا" لراضية الشهايبي والمجموعة القصصية "لم ير وقع خطاه" لأحمد بن ابراهيم، والديوان الشعري "هزائم الريح" لمحمد الطاهر السعيدي.
وقد بينت الفرشيشي أن الشخصية الروائية في رواية "شنقرارا" التي تعيش الجنون المزدوج المرضي والإبداعي ليست مجرد شخصية مرضية استمدتها الساردة من بيئة القيروان التي يكثر فيها المجانين بل هي مشبعة بالإشراقات الصوفية وتحمل تجربة فلسفية وروحية رائية، إذ أن الإشراقات التي تحفز على الإبداع بالنسبة إلى شنقرارا دينية تستمد إلهامها من الله، ولكن القوة التي تحرك تلك التخيلات الجمالية تحاكي نور الإلاه في الخلق وتشكيل الكون والبشر والكائنات وفق هندسة محكمة وقوانين مضبوطة.
وأكدت الفرشيشي أن القاص أحمد بن إبراهيم تناول من خلال مجموعته القصصية "لم ير وقع خطاه" الإشراقات المزيفة التي يعيشها المبدع عن طريق الخمرة التي تحولها السلطة وأسواق براميل النفط إلى وعي مزيف، وإلى تخدير للوعي، ولسان حال السارد يتساءل من خلال شخصياته: لماذا تتحول أمعاء الشعراء إلى تعويض للحظات نشوة الشعر؟! أي إحساس غائب يجعلهم يستنشقون لحظات الإحساس بالجمال؟ وهل كان مفعول الخمرة يحاكي ما ضيعته الروح أو تعويض الشعلة التي أخمدها المجتمع؟
في حين كان ديوان محمد الطاهر السعيدي "هزائم الريح" مشبعا بالصراع مع الأفكار القديمة، تلتمع فيه دهشة الإشراقات ترمم الروح، يكتشف رجع الصدى من خلال انبراء صور قديمة من الذاكرة، تتكرر وتنسج قصة التخيل ورموزها، إنها صور بعيدة مغلفة بخبرات حسية جمالية تشرق في لحظات خاصة تعيد التمظهر في نسيج جديد، في عالم متنام خلاق يرنو نحو رؤية جديدة. إنها تعبير عن خبرات ذاتية عن حالات انتشاء تتحول فيها الذات إلى مرآة للاوعي الخلاق المتشكل بالصورة المستبطنة لنورها الحدسي وسؤالها الأبدي.
ومن الضيوف الذين أثروا النقاش الروائية آمال مختار التي رأت "شنقرارا" رواية متفردة لشاعرة تنسج عوالم تجربتها الصوفية في مدينة القيروان، تنكشف فيها الشخصية بالتدريج من المرور من باطنها، فما كتبته شخصيات الرواية عنها لا يعكس ذاتها بقدر ما يعكس صورتها الخارجية التي انكشفت في الجزء الثاني من الرواية.
وعلى الرغم من أن صاحبة "شنقرارا" أرادت أن تتهرب في ردها على القراءات على الإشراقات الباطنية لبطلتها المجنونة، فإن الفرشيشي ردت عليها من خلال الرواية ومن خلال المحمول الصوفي الذي تستبطنه روح البطلة الرائية في مكاشفاتها.
أما تركيز الشهايبي على البعد الواقعي والمادي لشخصيتها الروائية المستمدة من شخصية مجنونة فلم يشفع لها أمام قراء الرواية تلك الإشراقات الصوفية العميقة على حد تعبير هيام الفرشيشي بل أكدت الروائية آمال مختار أن الإبداع هو الإشراقة الحدسية التي تجعل الشخصيات تنفلت عن تفكير المؤلف الواقعي كما حصل مع أبطال رواياتها، وتحدثت الشاعرة والروائية الثريا الرمضان عن أهمية مرحلة الإشراقة الإبداعية أما التعديل أو العقل الواعي فيأتي في مرحلة لاحقة معتبرة أن الإشراقة تحضن صور الواقع والذاكرة مؤيدة الفرشيشي في عودتها لعلم النفسي الإبداعي.
من جهة أخرى حاولت الشهايبي أن تربط رؤيتها مع السينمائي علي العبيدي الذي تحدث عن البعد الواقعي وعن الصور البصرية في مداخلته، وعن المونتاج وعن الجانب الصناعي في الفن، فإن الفرشيشي حدثته عن العين الصوفية لكاتب العمل والمخرج . حصة انتصرت فيها الفرشيشي في بيتها السردي لعمق الصور الباطنية والحالات المشرقة التي تبعث حياة جديدة ومتفردة في الأعمال الإبداعية التي تخلق ولا تصنع شكلها ذهب معه أغلب الضيوف مثل القاص أحمد بن إبراهيم، والروائي بليغ التركي، وآمال مختار والثريا رمضان.
وعلى وقع الإشراقات الحدسية التي تلهم المبدع والعالم والفيلسوف أقفل باب الحوار ليفتح من جديد مع تيمة جديدة وضيوف جدد لبيت السرد الذي استقبل أسماء نقدية مهمة على غرار عمر دغرير الذي قدم مداخلتين نقديتين الأولى عن "شنقرارا" وشخصيتها الإشكالية، والثانية حول المجموعة القصصية لأحمد بن إبراهيم تحدث فيها عن اقتحام الكاتب للدهاليز المظلمة لشخصياته القصصية متوسلا بالخمرة والنساء والفقر، كما حضرت أسماء ابداعية شابة على غرار القاصة أسماء محمد وأحلام قدر التي أصدرت روايتها البكر "في غياهب الحب"، وقرأت منها بعض الإشراقات تلك الرواية التي أخذت نسخها الاولى من دار النشر وقدمت بها الى بيت السرد، إلى جانب نخبة من الضيوف والمتابعين.