بيروت.. حين تصبح الرحمة ثقافة
ليست كل الدروس تُقرأ في الكتب، فبعضها ينتظرنا على رصيف شارع، أو عند زاوية متجر، أو أمام باب منزل.
خلال زيارتي الأخيرة إلى بيروت، استوقفني مشهد تكرر أمامي في أكثر من حي وشارع: أوعية ماء نظيفة، ووجبات صغيرة موزعة بعناية للقطط، تُستبدل باستمرار، وليست مجرد بقايا تُرمى على الأرصفة. اعتدت رؤية هذه المشاهد في زياراتي المتكررة إلى بيروت، لكنها هذه المرة استوقفتني أكثر، ودفعتني إلى التساؤل عن الثقافة التي تقف خلفها.
في البداية، اعتقدت أن الأمر يعود إلى جمعيات أو منظمات تُعنى برعاية الحيوانات، لكن الإجابات التي سمعتها من سكان المدينة حملت معنى مختلفًا، فمعظم هذه المبادرات يقوم بها مواطنون عاديون، يضعون الماء والطعام بشكل يومي، دون انتظار مقابل أو إشادة. والأكثر لفتًا للانتباه أن بعض المتاجر تبيع أكياسًا صغيرة مخصصة لإطعام القطط، كُتب عليها: "احتفظ بها معك، لعلّك تصادف قطًا جائعًا في طريقك".
هذه العبارة تختصر فلسفة مجتمع أكثر مما تروّج لمنتج؛ فهي تزرع في الإنسان شعورًا بالمسؤولية تجاه كائن قد لا يعرفه، ولا يستطيع أن يطلب المساعدة. إنها دعوة إلى أن تكون الرحمة جزءًا من السلوك اليومي، لا مناسبة موسمية، ولا شعارًا يُرفع في المناسبات.
ولعل ما يستحق التأمل أن مثل هذه المبادرات لا تحتاج إلى ميزانيات كبيرة أو قرارات حكومية، وإنما تحتاج إلى وعي مجتمعي يرى أن احترام الحياة قيمة واحدة لا تتجزأ. فطريقة تعامل المجتمعات مع الحيوانات، والبيئة، والأماكن العامة، تعكس جانبًا مهمًا من ثقافتها المدنية، لأن الرحمة لا تتوقف عند حدود الإنسان، وإنما تمتد إلى كل ما يحيط به.
وليس المقصود هنا مقارنة مدينة بأخرى، أو مجتمع بآخر، فلكل بلد ظروفه وتحدياته، لكن التجارب الإيجابية تستحق أن تُروى، لأنها تقدم نموذجًا يمكن الاستفادة منه، فكم من مبادرة بسيطة استطاعت أن تصنع أثرًا كبيرًا، وكم من سلوك يومي أسهم في ترسيخ قيم الاحترام، والتكافل، والمسؤولية.
وأنا أغادر تلك الشوارع، لم يبقَ في ذاكرتي مشهد القطط بقدر ما بقيت الفكرة التي تقف خلفها، فالأمم لا تُقاس بما تشيده من أبراج وطرقات فقط، وإنما بما تغرسه في نفوس أبنائها من قيم. وقد يبدأ بناء هذه القيم من وعاء ماء وُضع في زاوية شارع، أو من يدٍ اختارت أن تطعم مخلوقًا ضعيفًا، دون أن تنتظر شكرًا من أحد، فالتفاصيل الصغيرة كثيرًا ما تكشف عن المعاني الكبيرة، والرحمة، حين تتحول إلى ثقافة، تصبح وجهًا من وجوه الحضارة.