تأملات في عالم الروبنسونات

بقلم: محمد جهاد إسماعيل
الأصالة والعراقة

المصطلح:

الروبنسونات هي مصطلح يطلق على جنس أو نوع أدبي أصيل, استمد أصالته منذ البدايات الأولى لحركة النثر والرواية العالمية, ولا يزال يواكب الحداثة والتطور حتى يومنا هذا.

بالطبع "الروبنسونات" ليست كلمة عربية, بل تم نقلها عن الآداب الأوروبية, وهي مشتقه أصلاُ من اسم رواية دانيل ديفو الشهيرة "روبنسون كروزو".

ظهر هذا المصطلح لأول مرة في كتابات الأديب والمفكر الألماني "يوهان جوتفريد شنابل". أما أنا فيعود لي الفضل في تعريب هذا المصطلح الغربي من "Robinsonade" إلى الصيغة العربية "روبنسونات".

لا يبدو هذا التعريب شاذاً أو غريباً, بل يبدو واقعياً ومنطقياً ومنطلقاً من أسس سليمةً خصوصاً إذا ما نظرنا إلى الكلمة الغربية "Robot" وصيغتها العربية "روبوت" وكذلك صيغتها الجمعية "روبوتات". أظنه تشابهاً دقيقاً ذلك الذي يجمع "روبوتات" و"روبنسونات".

التعريف بالروبنسونات:

الروبنسونات هي تلك الأعمال الأدبية التي جاءت على نسق رواية دانيل ديفو الشهيرة "روبنسون كروزو". كافة الأعمال الأدبية التي تندرج تحت مسمى "روبنسونات" يوجد بينها وبين رواية دانيل ديفو ثمة تشابه وتماثل. وهناك من عرف الروبنسونات على أنها تلك الأعمال الأدبية التي جاءت كتقليد لرواية ديفو الشهيرة. "روبنسون كروزو" لم تكن رواية تقليدية, بل كانت رواية خالدة, وتحفة أدبية من الطراز الرفيع. كانت ولا تزال بمثابة المركز أو النواة بالنسبة لمجرة "الروبنسونات". تتشابه وتتداخل مع بقية أعمال جنسها وبقوة, ليس في الأسلوب فحسب, بل أيضاً في الأفكار والصور.

الأفكار الرئيسية التي تدور حولها رواية روبنسون كروزو والتي صدرتها لبقية أعمال جنسها هي بكل بساطة أفكار المغامرة والتشرد والضياع والعزلة. إذاً الأبطال في جميع الروبنسونات يجب أن يكونوا مغامرين أو مستكشفين أو مسافرين كما ويجب أن يمروا بتجارب التشرد والضياع والعزلة.

البطل في رواية "روبنسون كروزو" يحمل نفس الاسم الذي تحمله الرواية. فكما كانت الرواية مركزاً تنويرياً لبقية كواكب مجرتها, كانت الشخصية أيضاً نموذجاً يحتذى. "روبنسون كروزو" البطل، وليست الرواية، كان مصدر إلهام لمؤلفي بقية الروبنسونات, فكان بمثابة النهر العظيم الذي اشتقت منه الروافد والجداول. وكانت النسخة الأصلية والفريدة التي اشتقت منها بقية النماذج والنسخ.

روبنسون كروزو كان مغامراً شجاعاً عندما ركب البحر وشق طريقه في أعالي البحار, سقط في براثن الأسر والعبودية, حرر نفسه من جديد, أصر على إكمال المغامرة التي بدأها, أبحر من جديد, فكان على موعد مع العاصفة, مات كل من كان على ظهر السفينة لكنه بقي الناجي الوحيد, تلقفته الأمواج من أتون الغرق وقذفت به إلى شاطئ جزيرة نائية, في تلك الجزيرة ظل منبوذاً وحيداً معزولاً عن العالم لسنين طويلة, يصارع الخوف والوحدة, وتتربص به رماح المتوحشين آكلي لحوم البشر.

إذاً الصورة النمطية السائدة والشائعة في جميع الروبنسونات هي صورة البطل المغامر الذي ينتهي به المطاف إلى شواطئ أحد الجزر النائية, وهناك تبدأ فصول المعاناة المتمثلة في العزلة وافتقار الأنيس وشح الموارد وعوز الماء والطعام وخطر آكلي لحوم البشر والحيوانات المفترسة والمخلوقات الغريبة.

بمجرد وصول البطل أرض الجزيرة واستكشافه لها وتحققه من كونه وحيداً فيها, يبدأ في البحث عن الحلول, فيعمل كل حواسه ويستنفر كافة قواه العقلية من أجل التغلب على المصاعب وذلك من خلال انجاز المعادلة الصعبة المتمثلة في تسخير الموارد الشحيحة وأدوات التمدن النادرة الوجود على أرض الجزيرة من أجل النجاح في البقاء والوصول إلى حياة بمواصفات أفضل على أرض الجزيرة.

يظل البطل يحاول الاتصال بالعالم الخارجي وطلب النجدة, من خلال إطلاق الإشارات, ومحاولة لفت انتباه السفن التي تمر بجوار الجزيرة أو الطائرات التي تحلق من فوقها. يظل البطل يطلق المحاولات حتى تنفك عزلته المميتة ويأتي من يحمله إلى أرض الوطن.

سماتها:

تتميز الروبنسونات بالأصالة والعراقة, لأن رواية "روبنسون كروزو" والتي تعد عماد هذا الجنس الأدبي يعتبرها الكثيرون جازمين الرواية الأولى في تاريخ الأدب الإنجليزي بشتى عصوره. القول بأصالة الروبنسونات يبدو أمراً منطقياً إذا ما نظرنا إلى حجم الاقتباس الرهيب الذي أخذته بقية الروبنسونات عن رواية "روبنسون كروزو" والتي ظهرت قديماً في العام 1719.

أحد العوامل الأساسية التي أسهمت في ظهور الروبنسونات في المشهد الأدبي العالمي كانت الكشوف الجغرافية العظمى وظهور قطع جديدة من اليابسة المنسية, وكذلك الرغبة التواقة عند الكثير من الأوروبيين في استكشاف هذه الأراضي الجديدة والهجرة إليها واستيطانها. ربما أصابهم حينها الشغف الملتهب وهوس البحث والاستكشاف, وبالطبع في ذلك الميدان كان يتنافس الأوروبيون.

ظن الكثيرون أن الجغرافيا علم جامد غير متجدد ولا يأتي بجديد, لكن بعد الكشوف الجغرافية عادت للجغرافيا مكانتها وصارت في تلك الفترة أم المعارف, لتصبح مصدر الهام للعديد من المؤلفين والأدباء ولتحضهم على كتابة المزيد من الروبنسونات.

الحركة الاستعمارية وتقدم وسائل المواصلات والعولمة كانت فيما بعد بمثابة عوامل إضافية أسهمت بفاعلية في إثراء كتابة الروبنسونات. الفاحص والمتأمل ملياً في شؤون الروبنسونات يصل وبكل سهولة إلى حقيقة لها نصيب كبير من الحقيقة وهي أن الروبنسونات تظهر بشكل أساسي في الأعمال النثرية أكثر منها في الأعمال الشعرية. وتظهر في الروايات الطويلة أكثر منها في القصص القصيرة.

توجد الإنسانيات داخل الروبنسونات بشكل كبير ويبدو لها نفوذ واضح. فعلم النفس يتمثل في الحالة النفسية السيئة التي يحياها البطل لحظة انكساره مع انكسار الأمواج على شاطئ الجزيرة النائية. حينها تنتاب البطل حاله من الإرباك والخوف والقلق مما وصل إليه ومن المستقبل الغامض, وكذلك ينتابه القنوط واليأس والندم كلما تراكمت سنين وحدته وعزلته على أرض الجزيرة. أما الخوف فينتاب البطل حينما تواجهه هواجس الأشباح ومخاطر المتوحشين البدائيين والحيوانات المفترسة.

مع مرور الوقت يفقد البطل ثقته بنفسه, ويكون السؤال الذي يراوده على الدوام: هل يأتي أحد إلى هنا وينقذني, هل أعود إلى حياة الناس مرة أخرى؟ يصبح البطل في معزل عن المجتمع البشري بمجرد أن تطأ قدماه أرض الجزيرة. يجد نفسه في مجتمع من النباتات والتضاريس الجامدة, وربما في أحسن الأحوال يجد بجواره قطيعاً من الحيوانات أو سرباً من الطيور.

في تلك الظروف الاجتماعية الصعبة يجد البطل نفسه معزولاً عن الجنس البشري مما يؤدي إلى تفاقم وضعه النفسي السلبي, ويجد نفسه أيضاً مفتقداُ لإمكانية التفاعل مع الناس فيجد نفسه محروماً من رؤية الأهل, والتزاوج, والتسوق, وصناعة الأصدقاء, وحضور القداس, وأشياء أخرى.

لم يتوقف التداخل بين الروبنسونات وصنوف المعارف عند علمي النفس والاجتماع, بل تجاوز هذا التداخل إلى علوم ومعارف أخرى كالأنثروبولوجيا والايكولوجيا والسياسة والفلسفة.

تتقاطع الروبنسونات مع أجناس أدبية أخرى تتشابه معها في الاختصاص والاهتمامات المشتركة كأدب المغامرة, وأدب الرحلات, وأدب البحر, والبيكاريسك. ولعل وجه الشبه هنا يكمن في الأعمال الأدبية كرواية "روبنسون كروزو" التي تصلح نموذجاً لجميع ما سبق ذكره من أجناس. فرواية "روبنسون كروزو" تصنف على أنها أدب مغامرة, وأدب رحلات, وأدب بحر, وتصنف أيضاً على أنها بيكاريسك.

الروبنسونات كنصوص أدبية تأخذ في معظمها نمطاً واقعياً, فتبدو قصصاً مأخوذة عن وقائع وحقائق, ففي الغالب يكون البطل الحقيقي أو الكاتب بحاراً مغامراً أو مستكشف على ظهر سفينة. وخير برهان هنا هو الأصول الواقعية والحقيقية لرواية روبنسون كروزو والتي نقلها كاتب الرواية "دانيل ديفو" عن بطل الأحداث الحقيقي "ألكسندر سيلكرك" الذي مر بتجربة المغامرة والعزلة لسنين عديدة في أحد الجزر النائية في جنوب المحيط الهادي.

القول بالجدية والحقيقية المطلقة للروبنسونات يبدو أمراً غير دقيق. فالكثير من كتاب الروبنسونات أضافوا لأعمالهم بعضاُ من مواطن الخيال والمبالغة. وذلك لإثراء النص وإضفاء بعضاً من التشويق والإثارة. ذلك الأمر حدث تماماً حينما أضاف ديفو إلى روايته بعض مواطن الخيال.

الأمر يختلف في الأفلام والمواد السينمائية الخاصة بالروبنسونات عنه في الأعمال الأدبية المكتوبة. الكثير من الأفلام والمواد السينمائية الخاصة بالروبنسونات تظهر أحداثها أقرب ما يكون إلى الخيال المطلق فيما يمكن وصفه بأفلام مغامرات الخيال أو الخيال العلمي, ولعل أبرز الأمثلة هنا فيلمي "روبنسون كروزو على المريخ"، و"قراصنة الكاريبي".

أحد سمات الروبنسونات الواضحة هي تلك الصور النمطية التي تتكرر في كل الأعمال وتتواجد في سائر الأحداث تقريباً كالجزيرة, والمحيط, والسفينة, والقارب, والطبيعة الخلابة, والمغامر الغربي, والقوم البدائيون.

كتاب الروبنسونات:

أسماء ليست تقليدية, بل أسماء براقة وعملاقة هي التي شاركت في كتابة الروبنسونات. بالإضافة إلى الكاتب الإنجليزي الرائع "دانيل ديفو" مؤلف رواية "روبنسون كروزو" هناك العديد من رواد الكتابة في هذا الجنس الأدبي البديع. في مقدمة هؤلاء الرواد يأتي الكاتب الفرنسي "جولس فيرن", والإيطالي "رفائيل ساباتيني", والأميركيان "هيرمان ميلفل" و"جاك لندن", بالإضافة إلى البولندي "جوزف كونراد", والاسكتلنديان "روبرت بالنتين" و"روبرت لويس ستيفنسون".

أبرز النماذج:

من أبرز الروايات التي تندرج تحت مسمى "روبنسونات" وتأخذ هكذا تصنيف, نجد:1) الرواية الأم "روبنسون كروزو" للكاتب "دانيل ديفو". 2) رواية "جزيرة الكنز" للكاتب "روبرت لويس ستيفنسون" .3) رواية "الكأس الذهبية" للكاتب "جون شتاينباك". 4) رواية " جزيرة المرجان" للكاتب "روبرت بالنتين". 5) رواية "أمير الذباب" للكاتب "وليام جولدينج". 6) رواية "عشرون ألف فرسخ تحت البحر" للكاتب "جولس فيرن". 7) رواية "كابتن بلود" للكاتب "رفائيل ساباتيني". 8) رواية "جزيرة الدلافين الزرقاء" للكاتب "سكوت أوديل". 9) رواية "أومو" للكاتب "هيرمان ميلفل". 10) رواية "الجزيرة الغامضة" للكاتب "جولس فيرن". 11) رواية "حكاية البحر الجنوبي" للكاتب "جاك لندن". 12) رواية "عائلة روبنسون السويسرية" للكاتب "يوهان ديفد وياس". 13) رواية "غروب الشمس البعيد" للكاتب "إدموند كوبر".

الروبنسونات في السينما:

منذ بداية النصف الثاني للقرن العشرين بدأت الروبنسونات في الظهور على شكل أفلام ومواد سينمائية أخرى. حققت هذه الأعمال السينمائية نجاحات سريعة, حيث أعجبت المشاهدين وأبهرت النقاد.

تصنف الروبنسونات السينمائية تحت مسميات عديدة "كأفلام المغامرة" أو "أفلام الخيال العلمي" أو "أفلام الإثارة". انبرى كبار المخرجين السينمائيين لصناعة هكذا أعمال كما وشارك كبار ممثلي ونجوم "هوليوود" في ذات الصناعة، حققت غالبيتها عائدات مرتفعة كفيلم "قراصنة الكاريبي" الذي ظهر في أربعة أجزاء كاملة وحقق شهرة منقطعة النظير.

بفعل أفلام الروبنسونات تصبح شاشة التلفاز ساطعة متلألئة باهرة الألوان فلون ماء المحيط اللازوردي, ولون الجزيرة الأخضر, ولون السفينة البني, ولون رمال الشاطئ الذهبية جميعها تتداخل في مشهد بديع, يريح النفس ويسر الأنظار. هذه الأفلام لا تأتي للمشاهد بالإكتظاظات البشرية, ولا آلات المصانع العملاقة, ولا مرافق المدن وهياكلها الإسمنتية, بل تأخذ المشاهد في رحلة إلى أعماق الطبيعة العذراء والغامضة, ليتولى المشاهد بنفسه مهمة المغامرة والاستكشاف.

معظم أفلام الروبنسونات والمواد السينمائية الخاصة بها تم اقتباسها عن الرواية الأم "روبنسون كروزو", وبعضها تم اقتباسها عن روايات أخرى من عائلة الروبنسونات كروايتي "جزيرة الكنز" و"أمير الذباب".

أهم الأعمال السينمائية التي تم إقتباسها عن الروبنسونات: 1) فيلم "روبنسون كروزو" للمخرجين "رودي هاردي" و"جورج ميلر". 2) فيلم "كاست أوي" للمخرج "روبرت زيمكس". 3) فيلم "قراصنة الكاريبي" للمخرج "غوري فيربنسكي". 4) فيلم "أمير الذباب" للمخرج "هاري هوك". 5) فيلم "جزيرة الكنز" للمخرج "بايرون هاسكن". 6) فيلم "ستة ليالي وسبعة أيام" للمخرج "إيفان رتمان". 7) فيلم "روبنسون كروزو على المريخ" للمخرج "بايرون هاسكن". 8) فيلم "جحيم في المحيط الهادي" للمخرج "جون بورمان". 9) فيلم "رحلة طيران مفقودة" للمخرج " ليونارد هورن". 10) مسلسل "المفقود" للمخرجين "جاك بيندر" و"ستيفن وليامز". 11) مسلسل سقوط الرحلة 29" للمخرج "دونالد ماكهال". 12) مسلسل "مفقود في الفضاء" للمخرج "إروين الين". 13) مسلسل كرتوني "سر المياه الزرقاء" للمخرج "هيدياكي انو".