تارانتينو... رهان سينمائي على الدهشة

جاكي براون يعيد ثيمة سينما السبعينات: شرطة وسود ومخدرات وقتل

يراهن كوينتن تارانتينو "تينيسي، 1963" رهاناً صعباً في فيلم "قتل بيل، 2004"، فيقترب من وجه بيل "ديفيد كاراداين" في لقطات كبيرة جداً، وهو يعلم أن هوليوود لم تجرؤ منذ رحيل جون وين وسيرجي ليوني على الاقتراب بهذا القدر من وجه رجل.

وينجح رهانه نجاحاً مضاعفاً، كأنه راهن على الصفر في لعبة الروليت، فيُعيد المُشاهد بضربة واحدة لزمن الويسترن، ولوجوه رعاة البقر بقسوة تضاريسها الذكورية، بخطوطها الحادة، بغضونها، بثنياتها وتجعيداتها، بجفافها التعبيري الصحراوي.

وحالة الحنين للويسترن، تكون في الحقيقة حالة حنين مُفرّغة من عاطفيتها، حنين عقلي محكوم ومضبوط الانفعالات، لا يصل أبداً إلى حد العاطفية، فتارانتينو قد ضاعف من مجازفته بقيامه مسبقاً ببناء حائط عال -كما يفعل عندما يكون في أفضل حالاته- يمنع الوصول للعاطفية.

واللغم البارد الذي زرعه تارانتينو لتجريد حالة الحنين هذه من عاطفيته، هو إدراك المُشاهد وهو يتأمل تضاريس وجه بيل- للمفارقة من أن بيل لا يعيش في الصحراء، ولا في زمن الويسترن، بل في المدينة، المابعد حداثية، وأنه ليس كجون وين في فيلم جون فورد "الباحثون، 1956" يحاول في رحلته الطويلة لملمة شمل أسرة، بل على العكس، فبيل في الحقيقة يحاول تحطيم شمل أسرة، أسرته هو شخصياً.

ولا تتوقف رهانات تارانتينو السينمائية، إنه مقامر دائم للنخاع، يحقق أحياناً مكاسباً خيالية، لكنه يخسر من حين لآخر أيضاً، ككل المقامرين؛ يخسر مَشاهداً: كخسارته في مشهد النهاية السَويّة لفيلم "قتل بيل"، أو مشهد اغتصاب مارسيليس والاس في "حكايات مثيرة"، أو يخسر أفلاماً بكاملها: كفيلم "أوغاد مغمورون"، لكنه كالمقامرين الكبار، لا يشبع أبداً ظمأه للمجازفة، ولا يكف أبداً عن استفزاز حظه مع المُشاهد واعياً أو بالفطرة.

ويدرك المقامر جيداً أن القمار هو أعلى أشكال المخاطرة، لأنه يضعه في وضع التهديد المستمر، ومن هنا تكون الإثارة في كمال أوجها، ولا كذلك الأمر بالنسبة لصياد الأسود مثلاً؛ الذي يفقد الإثارة بعد الأسد الثالث، فالاعتياد، والممارسة، والتأمين، تجعل من النتيجة شبه مضمونة، وتجعل من الصياد يتقدم في حرفته يوماً بعد آخر، مراكماً خبرة تلو الأخرى، فتخفت إثارة ترقب النتيجة، وإن ظلت هناك إثارة ما، فهي تنبع من مراقبة الصياد لخبرته الشخصية في عملها، من مراقبته لدرجة إتقانه للصيد.

أما في القمار فعلى العكس، ليس هناك أي وضع مضمون، وكل لحظة زمنية تحمل تهديداً بالخسارة كما تحمل آمالاً في الربح؛ إنها مبارزة عارية بين المقامر وبين القدر، والمقامر يستمر في اللعب في ظل التهديد المستمر بالخسارة، فلا وجود في هذه المبارزة لفكرة "الرشد"، ولا يمكنه في أي وقت -مهما طالت المدة الزمنية لممارسته- الادعاء بإتقانه اللعب، لأن فكرة "الإتقان" -الضامن للتقدم- لا سبيل إليها في القمار، في الحقيقة، لا وجود هنا لفكرة "التقدم" بالمعنى الغربي، بل إن قيماً سلبية في العقل الحديث بشكل عام، هي السائدة عند المقامر، قيم مثل تجاهل الخبرة، المجازفة، البدايات الجديدة، التكرار، تجاهل الوعي، نفاد الصبر، الإدمان.

إن الأمل في الانتصار، في إلحاق هزيمة بالقدر، هي حمى لا تستطيع إيقافها صدمات الخسارة المتتالية، فهذه الحمى منفصلة عن الخبرة التاريخية ومستقلة عنها، والمقامر وإن ربح مرة بعد خسارات متتالية، فإن ربحه هذا ليس نتيجة تراكم الخبرة التي تحثه باستمرار -إن هو استجاب لصوتها- على الانسحاب، ولكنه في الحقيقة نتيجة لتجاهل صوت الخبرة.

"قتل بيل"، وقتل معه جيل كامل من السينما الخاملة

يترتب على غياب دور "الخبرة" في القمار؛ غياب فكرة "المشروع" لدى المقامر؛ ليس هناك إلا مشروع الاستمرار على الطاولة، الاستمرار في المبارزة، الاستمرار في ظل التهديدات الدائمة، فما يتم ربحه قد يضيع في أول لعبة تالية، مهدداً بسقوط مهين، فالمقامر يدرك جيداً أنه ما من لعبة من ألعابه تعتمد على اللعبة السابقة، فليس للقمار ماضٍ، ولا ذاكرة، وبالتأكيد ليس هناك تراكماً في القمار.

تجربة طازجة مليئة بالمفاجآت

وأفلام تارانتينو، بالمثل، لا تمثل "مشروعاً" سينمائياً، ولا تمثل تراكماً فنياً يعلو فيه اللاحق على السابق ويستفيد منه، فليس هناك من "اعتمادية" لأحدها على الآخر، فيمكننا التوقع بسهولة أن فيلم تارانتينو الجديد لن يكون له "ماض"، ولا "ذاكرة"، بل سيكون تجربة طازجة مليئة بالمفاجآت، والصدمات للمُشاهد، وكأنه يطبق القول الشهير لدي المقامرين: لا ينبغي أن يجرب المقامر حظه مرتين على نفس الطاولة!.

حتى وإن أمكننا القول بأن أفلام تارانتنينو، وبصفة عامة حتى الآن، تنتمي لتقاليد أفلام الجريمة، لكننا سنلاحظ أنه على الدوام لا يكف عن محاولة تعطيل سير التقاليد الكلاسيكية لهذا القالب بألغام درامية، غير متوقعة، وفي كل مكان، وسنلاحظ أيضاً أن أفلامه تظل دائماً في علاقة جدلية مستمرة مع السينما التي يحبها، ومع علاقته هو بهذه السينما، التي يقبع على قمة تفضيلاتها -حسب تصريحاته-: "الطيب والشرس والقبيح"، "ريو برافو"، "سائق التاكسي"، "كلهم يضحكون"، "الهروب الكبير"، "كاري"، "الأصابع الخمسة للموت"، "المعركة الملكية"، بالإضافة إلى أفلام المعارك اليابانية، والأكشن الفليبيني.

"كلاب المستودع، 1992" كان أول أفلامه التجارية، وهو فيلم جيد الصنع من أفلام الإنتاج المنخفض، ينتمي لثيمة العصابة التي تجتمع للقيام بمهمة صعبة "كغابة الأسفلت، و ريفي في، وغيرهما"، لكنه يبدأ من حيث تنتهي بقية أفلام نفس القالب، يبدأ بعد أن تفشل مهمة السرقة نتيجة خيانة أحد أفراد العصابة، مع الاعتماد جوهرياً على استخدام تقنية "الفلاش باك" في سرد ملابسات القصة والعلاقات بين الشخصيات.

وقفز بعده قفزة مختلفة تماماً بفيلم "حكايات مثيرة، 1994"، وهو فيلم معقد البناء، يبدو فيه أن كل شيء يسير على النحو الخطأ، فيلم مليء بشخصيات سيكوباتية، وحشية دموية، مغلفة بتحضر زائف من ثقافة مابعد الحداثة، ومركز الثقل في الفيلم -إلى جانب البناء الشائك الذي صُمم لتكون كل نقلة فيه بمثابة "مفاجأة"- هو الحوار الذي تمت كتابته لتكون كل جملة فيه بمثابة "حدث"، والفيلم بصفة عامة غير قابل للتكرار، فهو كالدومينو الذي تم غلقه بلعبة أخيرة، ومن هنا كانت خطيئة من تأثروا به من السينمائيين الشبان في أنحاء العالم، فحاولوا تقليده في نسخ ردئية، ويُحسب لتارانتينو أنه لم يقع في فخ تكراره، بل أنه قد أجهض -وبسرعة- مشروع صناعة جزء ثان له بعد النجاح النقدي والجماهيري الكبير الذي حظي به الفيلم.

ما يلفت النظر -ضمن ما يلفت- في "حكايات مثيرة"، أن تارانتينو يكتب نصاً من العهد القديم هو غير موجود في الكتاب المقدس، النص الذي جاء على لسان صامويل جاكسون وادعى أنه من سفر حزقيال "أصحاح 25- آية 17"، بل أنه يعيد أوما ثورمان إلى الحياة بعد أن تموت، وكأنه هو الرب، أو كأنه يستمتع بلعب دور الرب، وهو ما سيعود إلى فعله في فيلم "أوغاد مغمورون" حين يقتل هتلر في نهاية الفيلم منهياً الحرب العالمية الثانية بهذه الطريقة.

لا شيء مقدس لدى هذا المقامر، إنه يُطبق تعريف جون ترافولتا للمعجزة في "حكايات مثيرة" بأنها "حين يجعل الرب ما هو مستحيل ممكناً"، لكنه يطبقه وكأن السينمائي هو الرب الذي يجعل المستحيل ممكناً في أفلامه.

ويغير المقامر الطاولة التي يلعب عليها فيُخرج فيلم "جاكي براون، 1997" -هو الفيلم الوحيد لتارانتينو المُعد عن أصل روائي لإيلمور ليونارد-، وهو عن محاولة الإيقاع بتاجر مخدرات وسلاح أسود، من قبل واحدة من أفراد عصابته، تخدعه وتخدع رجال الشرطة الذين اتفقوا معها في نفس الوقت، والانطباع العام النهائي الذي تخرج به من الفيلم، هو تذكر القول الشهير لنيتشه "الضعيف يهزم القوي"، والفيلم عموماً أكثر أعمال تارانتينو "كلاسيكية" من حيث البناء، أو من حيث التقاليد الدرامية لهذا القالب، وتفوح منه بشدة رائحة سبعينيات القرن الماضي-خصوصاً في الإيقاع-، ويبدو وكأنه فيلم لـ سبايك لي أو أحد المدافعين عن حقوق السود في أمريكا، وتشعر معه وكأن تارانتينو كان يطمح من وراءه إلى لقب "الأسود الفخري"!.

ذهن سينمائي متوقد
أما فيلمه ذو الجزئين "قتل بيل، 2003، 2004"، ورغم أنه عن الثيمة الشهيرة: "الانتقام"؛ انتقام الكونت ديمونت كريستو -في صورة انتقام امرأة "أوما ثورمان" هذه المرة- إلا أنه في الحقيقة تجميع لرؤية وهضم تارانتينو لتاريخ السينما التي يفضلها "أفلام الويسترن، والويسترن سباجيتي، والسامواري، والمعارك اليابانية، والأكشن الفلبيني"، إنه فيلم الأفلام، وهو فيلم عما يحبه، وعما يحب أن يشاركه معنا كمُشاهدين من سينماه المفضلة، وأبطاله يتقربون لنا لا بمشاعرهم ولا بأفكارهم المشتركة معنا، بل بعلاقاتهم وتفضيلاتهم كمستهلكين لمنتجات ثقافة البوب، الثقافة مابعد الحداثية -مثلما هو الحال في فيلمه اللاحق "ضد الموت" أيضاً-، وهو ما يجعل تلك المخلوقات في منتصف المسافة بين السينما والإعلان، كما لو أنهم أيقونات ميثولوجية فانتازية.

البطولة الانتقام

كتب وأخرج بعده "ضد الموت 2007"، وهي قصة بسيطة الحبكة، بسيطة البناء -كأنها نقيض "حكايات مثيرة"-، لكن القصة تتكرر مرتين، بنتيجة مختلفة كل مرة؛ عن مهووس بمطاردة الفتيات وقتلهن، ينجح في قتل مجموعة من الفتيات في القصة الأولى، في حين تنجح فتيات أخريات في قتله في القصة الثانية، وكأن المجموعة الثانية من الفتيات ينتقمن للمجموعة الأولى، ولاحظ أيضاً أن تارانتينو يربط دائماً في أفلامه بين مفهوم البطولة وبين الانتقام بالقتل، والفيلم رغم بساطة حبكته وبناءه، إلا أنه فيلم ممتع، يحمل بصمات أسلوب تارانتينو في الحوار، ورسم الشخصيات، وكيفية بناء المشهد، والموضوعات التي يفضل الحديث عنها، وأسلوبه البصري، وطريقة صنعه لشريط الصوت.

بلب فيكشن، أو "خيال مثير" يوقع المتفرج في فخ تعبيري

ومن المدهش أن يلجأ هذا المقامر في تترات النهاية للفيلم، إلى عرض صور فوتوغرافية شخصية لفتيات وسيدات ألتقطت في الخمسينات والستينات من القرن الماضي، وهي صور يمكن القول أنها غير قابلة للاستخدام إلا كصور شخصية للذكرى لصاحبها فقط، وكأنه بهذا الاستخدام يدين الوسيلة وهو يستخدمها، وكأنه يقول أن مجتمع السوق الحالي قد أدخل إلى مجاله كل ما كان في السابق غير قابل للاستخدام، كل ما كان شخصياً.

أو كأنه يقدم الحقبة التي تمت فيها هذه الصور كمُثل عليا، كحنين لتجاوز عيوب المجتمع الاستهلاكي مابعد الحداثي، كأنه طموح لإحداث قطيعة مع الحقبة الحالية، وحلم بأن تحل الحقبة السابقة محل التالية، فرغم تفاهة هذه الصور -من الوجهة الفنية-، إلا أن استحضارها من رحم الزمن قد أكسبها "هالة"، قد أكسبها سحراً، ربما للبعد الكبير بيننا كمُشاهدين وبين استعادة الحقبة التي صُورت فيها، وهو ما يضفي عليها طابعاً احتفالياً -فعدم القابلية للاقتراب من الشيء هي الخاصية المميزة للصور الاحتفالية-، للدرجة التي ننزعج فيها من محاولته تقليد هذه الصور مرة أو مرتين باستخدام ممثلات وإكسسوارات الحاضر، وكأنه من جديد ينفي إمكانية استنساخ هذه الحقبة، وأن النتيجة ستكون تشويهاً أكثر فجاجة.

وصنع بعد ذلك "أوغاد مغمورون، 2009"، وهو مشروعه ما قبل الأخير، وهو فيلم عن مجموعة من الجنود الأمريكيين اليهود، يتم تقديمهم بوصفهم مجرمي حرب في غاية العنف والسادية والذين يُكونون، بالاستعانة ببعض الممثلين والعاملين في السينما، فرقة لتصفية الضباط النازيين في فرنسا المحتلة من قبل النازي في الحرب العالمية الثانية، ويشرعون في تنفيذ خطة لاغتيال الوزير جوبلر، بل وهتلر شخصياً، وباستثناء المشهد الافتتاحي الطويل، الذي يحمل بصمات أسلوب تارانتينو في الحوار وبناء المشهد، فإن بقيته تعد أضعف ما صنع تارانتينو على الإطلاق، رغم محاولته لصنع "ويسترن سباجتي" في إطار فيلم ينتمي للحرب العالمية الثانية.

والضعف الفني للفيلم يرجع إلى مقامرة تارانتينو باستخدام ثيمة "الكونت ديمونت كريستو" في غير محلها، فمن ينفذون الانتقام في الواقع هما: ممثل سينمائي وصاحبة دار عرض سينمائي في فرنسا، لا مجموعة من دوبليرات المشاهد الخطرة في السينما كفيلم "ضد الموت"، ولا قاتلة محترفة كما في"قتل بيل"، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى العبث بالصورة السينتيمنتالية التي رسمتها هوليوود من قبل لتلك الحقبة على أنها حقبة التضحيات، والبطولات العظيمة الخالدة، والتفوق الأخلاقي لأحد الطرفين على الآخر، وهو ما حاول تارانتينو هدمه بتقديم فرقة الانتقام الأمريكية-اليهودية على نحو عنيف وسادي يقتلون خصومهم ويسلخون فروات رؤوسهم، بل وتقديم ذلك على نحو يبعث الضحك، وهو ما حدث بالفعل في صالات السينما عند عرض الفيلم، وكأن العنف والقسوة يصلحان هما أيضاً مادة لصنع للكوميديا والترفيه.

والملاحظة الأخيرة تنطبق على كل أفلام تارانتينو حتى الآن، فهو دائماً ما يربط في أفلامه -منذ أول فيلم حتى آخر فيلم- بين العنف المفرط والكوميديا، ولنتذكر على سبيل المثال: قطع أذن المخبر في "كلاب المستودع"، إطلاق النار على وجه مارفن خطأ "حكايات مثيرة"، قتل روبرت دينيرو لبريجت فوندا لثرثرتها في "جاكي براون"، الإصابات التي تلحق بالمهووس في الجزء الثاني من "ضد الموت"، مشاهد التعذيب وسلخ فروة الرأس في "أوغاد مغمورون".

ومن الغريب في هذا الفيلم، أن تارانتينو يزيف التاريخ عن قصد وعمد، بأن يجعل فرقة الانتقام تنجح في اغتيال جوبلر وهتلر وبالتالي إنهاء الحرب العالمية الثانية بهذه الطريقة، وكأن التاريخ لا يعنيه، ولا الحقيقة الموضوعية تعنيه، بل ما يعنيه فقط هو أن يؤكد على قوة السينما التي قضت على هتلر، السينما مُمثلة في السينمائيين أعضاء فرقة القتل، بل وفي الإحالات التي لا تنتهي للأفلام وللشخصيات السينمائية على لسان فرقة مجرمي الحرب الأمريكيين.

عموماً، وأثناء مشاهدة عمل ما لتارانتينو، يُنصح المشاهد بأن يأخذ أجازة من التاريخ، ومن الحقائق الموضوعية، ومن الأخلاقيات أيضاً.

لكن، ورغم تنوع هذه الأفلام، وتباين مستوياتها الفنية تبايناً غير كرونولوجي -فالفيلم الأول مثلاً أفضل من الثالث، والثالث أفضل كثيراً من السادس-، إلا أن غياب فكرة "التراكم" هذه، لا تنفي أن هناك عاملاً مشتركاً بين جميع أفلام تارانتينو؛ ألا وهو "الأسلوب"، فأفلامه تظل دائماً، على تنوع قوالبها وطريقة بناءها، أفلاماً شخصية بامتياز، أفلاماً يضمها جميعاً خيط الأسلوب، وكأن المقامر يغير من الطاولة التي يقامر عليها، ومن المكان الذي يقامر فيه، بل ومن نوع اللعبة التي يلعبها، لكنه يحتفظ طوال الوقت بأسلوبه في المقامرة لا يبدله، لأنه لا يستطيع أن يبدله.

هدف درامي

ومن المثير ملاحظة أن من أهم العوامل المشتركة في أسلوب تارانتينو السينمائي، هو أن شخصيات أفلامه ليست شخصيات درامية نمطية، فحياتها لا يقودها هدف درامي -باستثناء "قتل بيل"-، ولا هي شخصيات كاملة الاستدارة، ولا ثلاثية الأبعاد، هي كشخصيات الدمى الكرتونية، حتى في علاقاتها بالعالم وبغيرها من الشخصيات، فمخلوقاته هي سلالات لا تعنيها كثيراً الأفعال بقدر ما تحرص حرصاً شديداً على "شكل" التنفيذ، وأوضاع الجسد، والإشارات، والإيماءات أثناء تنفيذ الفعل؛ الشكل دائماً عند شخصيات تارانتينو هو البطل، وكل شيء آخر فالأفعال، الأقوال، العلاقات، القيم لا تفعل في الحقيقة سوى أن تكون إكسسوارات للشكل-الموضة.

"أوغاد مغمورون" أو كيف تقدم الحرب العالمية الثانية بقالب سباغيتي ساخر

إنها مخلوقات لا يميزها إلا خصيصة إنسانية واحدة: وعي عال، وعميق، وحاد بالذات، بالأنا، نرجسية مفرطة، إنهم لا يوجدون لكي يفعلوا، بل لكي يمارسوا ظهورهم، إنهم ممثلون للنخاع -وكل شيء في أفلام تارانتينو هو عن حب الظهور-، لكنهم ممثلون على السطح فقط، فلا شيء ينفذ للأعماق، فالكلمات لا تخرج من أفواه مخلوقات تارانتينو للتعبير عن شيء ما، بقدر ما أن هذه المخلوقات تحيا لكي تستهلك هذه الكلمات، كالممثل الذي يؤدي دوراً، ولكن لا أثر لكائن إنساني حقيقي خلف هذا الممثل.

ومن هنا مثلاً يمكن تقدير "القفزة الإيمانية" لصامويل جاكسون في "حكايات مثيرة" تقديراً كبيراً لأن شيئاً ما قد نفذ للأعماق، أو على العكس، تزعجنا -كمُشاهدين معتادين على أسلوب تارانتينو- اللمحة العاطفية لجوليا جانجل في "ضد الموت" عندما تتبادل رسائل SMS مع حبيبها الذي لا نراه.

إن عالم تارانتينو هو عالم أحادي الصوت -على عكس مثلاً بوليفونية شخصيات دوستويفسكي المتعددة الأصوات-، لكن رغم هذا "الإيجاز" الدرامي في رسم الشخصيات، الذي يشبه زيف الرسومات الكرتونية، إلا أن المفارقة أن هذا الزيف أقرب كثيراً للصدق من كل المحاولات "الواقعية" للتعبير عن الحقبة التي يعيشها الإنسان في مجتمع مابعد الحداثة الاستهلاكي.

المُشاهد المتابع لأعمال تارانتينو يعرف أن كل شخصياته تتكلم بلسانه هو، إنه هو الممثل-المؤدي الحقيقي لكل أدوار شخصياته الكرتونية، ولكن لا يصح الاستنتاج بأنها كلها تعبير عنه هو شخصياً، بقدر ما يمكن القول بأنه يستمتع بالتعبير بطريقته الشخصية عن هذه الشخصيات، إنه مؤدي "كاروكي"، إنه يستمتع بلعب دور الخارج عن القانون، رجل العصابات، راعي البقر الذي يدخل في مبارزات فردية مع خصومه، إنه مقامر يتطلع إلى لفت نظر بقية الحضور في صالة القمار بلعب دور المقامر الذي يصارع الحظ، يصارع القدر.

ومن هنا فإنه يصمم كل جزء في أفلامه كما في ألعاب الـ virtual reality، بحيث يلعب هو في كل منها (كمؤلف) دور البطولة، ومن هنا تأتي شهيته العارمة بتفعيل أداة "المفاجأة" باستمرار، التي تتيح للمؤلف أن يلعب دور البطولة، فالمصير والتغيرات في يده هو وحده، وهو المسؤول عن خلق الصدمات المتتابعة في نفس المُشاهد، إن تارانتينو يحيا سينمائياً على إيقاع الصدمات، وخلق الارتباك والتوترات التي تستتبعها.

ينتج عن ذلك حقيقة أنك بمشاهدة أفلام تارانتينو، فإن أفلامه لا تتغلغل داخلك -ربما نتيجة اعتمادها على "الصدمات" المتتالية التي تجهض محاولات التسلل إلى داخل النفس-، بقدر ما تتغلغل أنت كمشاهد داخلها، مثل مؤدي الكاروكي أيضاً الذي يؤدي الأغنية المسجلة مسبقاً على خلفية مصورة مسبقاً، والذي يكون انتباهه وتركيزه منصب على النجاح في التزامن بصوته مع أغنية الخلفية، فلا يتسلل في النهاية شيء حقيقي من الأغنية لداخله.

ولذلك لا يتمتع المشاهد بأي حرية في التملص من هذا العالم، ولا بأي مساحة للاختلاف في الرأي أو التفسير، في عالم مابعد حداثي يزخر بالشطارة الخاوية من المعنى، هذا هو عالم تارانتينو، الذي لا يقدم أفلامه للمُشاهد لكي يحرره من الوعي الزائف، بل على العكس، لكي يضفي عليه مزيداً من الأثقال والقيود الذهنية المعبأة في شكل صدمات متلاحقة لا فكاك منها، وكأن المُشاهد لدى تارانتينو هو العدو.