تاريخ الاحتلال(11): أبوظبي تنقذ قطر والبحرين من الاحتلال

بقلم: د.سالم حميد
زايد الكبير

بمجرد أن استلم الشيخ سعيد بن طحنون مقاليد الحكم في أبوظبي أظهر عداءه لبقية إمارات الساحل المستقلة، وتميزت علاقته بالفتور مع الإمارات الصغيرة، واندلعت الحرب الأهلية مجدداً بين إمارات الساحل عام 1846.

من جهة أخرى، نجحت بريطانيا عام 1847 في فرض معاهدة منع تجارة العبيد على جميع إمارات الساحل وكذلك جزيرة البحرين كانت من الدول التي وقعت المعاهدة، ووعد شيوخ إمارات الساحل بريطانيا بالالتزام بتلك الاتفاقية المجحفة في حقهم.

ورغم العداء الذي أظهره الشيخ سعيد بن طحنون حاكم أبوظبي لبقية إمارات الساحل، إلا أن يُحسب لابن طحنون دهاؤه العسكري والانتصارات التاريخية التي حققها ضد القوات الوهابية.

فالمعارك اندلعت بدءاً من عام 1848 بين قوات بني ياس والقوات الوهابية واستمرت على مدى الأعوام التالية، ومن اشهر المعارك الدامية بينهما معركة "العانكة"، وهي موقع بئر للمياه في صحراء الظفرة، حيث أطبقت قوات أبوظبي على الجيش السعودي ومزقته ارباً ولم تُبق منهم سوى ثلة قليلة استطاعت الهرب بأعجوبة من المذبحة.

وكذلك بقيت الأوضاع السياسية متأزمة في سلطنة عُمان التي كانت تعاني من الحرب الأهلية، بالإضافة إلى هجمات إمارة القواسم المستمرة ضد عُمان، واستطاعت قوات الشارقة احتلال مدينة شناص العُمانية وإعادتها إلى ممتلكات إمارة القواسم من جديد عام 1850، وبهذا عاد ساحل الشميلية (الفجيرة اليوم) إلى ملك الشارقة ـ العاصمة الجديدة لإمارة القواسم ـ بعد احتلال عُماني طويل لها.

ولكن سلطان عُمان سعيد بن سلطان سرعان ما جمع قواته وشكل كتائب عسكرية كثيرة وهاجم القوات القاسمية بكثافة شديدة، واستطاع طرد القوات القاسمية من شناص، ولكن فرحته لم تستمر، إذ قام حاكم دبي الشيخ مكتوم بن بطي بمهاجمة مدينة شناص بقيادة ابنه الشيخ حشر الذي احتلها بعد أن عجزت الدفاعات العُمانية عن صد هجمات جيش دبي.

وبعد هذا الانتصار لم يكن الشيخ مكتوم راغباً في الاحتفاظ بالمدينة، فقام بتسليمها إلى الثوار العُمانيين الثائرين على سعيد بن سلطان حاكم عُمان.

من جهة أخرى، تمكن الشيخ سعيد بن طحنون حاكم أبوظبي من طرد القوات السعودية من مدينة البريمي، وغادروها عام 1850، ولكن الحملات الوهابية بقيت مستمرة ولم تتوقف.

وإثر الانهزام السعودي أمام القوات الظبيانية، وجهتّ السعودية عام 1851 حملاتها نحو قطر والبحرين، ودافعت قطر دفاعاً مستميتاً ضد الوهابيين لكنها خسرت المعارك لعدم تكافؤ القوتين.

وأدركت البحرين أنها ستستباح بكل سهولة أمام الوهابيين، فكتب أهلها رسالة استغاثة إلى الشيخ سعيد بن طحنون، فجهّز ابن طحنون حملة بحرية ضخمة تحت قيادته، وقام بمحاصرة جزيرة البحرين استعداداً للقيام بعملية إنزال عسكري في الجزيرة.

ولكن الشيخ سعيد بن طحنون فوجئ بوفد سعودي رفيع المستوى جاء إلى سفينته يطلب الصلح، فوافق الشيخ سعيد على الصلح شريطة خروج القوات السعودية من قطر والبحرين، وهذا ما تم وانسحبت القوات الظبيانية من دون إطلاق رصاصة واحدة، وبذلك يعود الفضل لإمارة أبوظبي في حماية قطر والبحرين ومنع تبعيتهما إلى السعودية.

شهد عام 1852 وفاة حاكم دبي الشيخ مكتوم بن بطي، ولكن قبل وفاته شعر هذا الحاكم الداهية الشديد الذكاء أنه على وشك الرحيل، ولم يكن راغباً في الإبقاء على حالة عداء مع موطنه الأصلي أبوظبي، فقام بمصالحة حاكمها الشيخ سعيد بن طحنون واتفقا على نبذ الخلاف الذي كان بينهما، وذلك في مدينة مسقط العُمانية في اجتماع صلح جمع بعض حكام إمارات الساحل وسلطان عُمان والمقيم السياسي البريطاني صامويل هينيل.

ووافقت إمارة القواسم على إنهاء حالة الحرب مع سلطنة عُمان مقابل اعتراف السلطنة بتبعية ساحل الشميلية (الفجيرة) إلى الشارقة، وهذا ما تم الاتفاق عليه، وأثناء رحيل الشيخ مكتوم في سفينته أدركه مرض الجدري وتوفي في سفينته، ثم تم دفنه في مدينة شناص العُمانية.

في عام 1853 قامت القوات الإيرانية بمهاجهة مدينة بندر عباس ـ التابعة لسلطنة عُمان ـ الأمر الذي دفع بحاكم الشارقة الشيخ سلطان بن صقر بالتوجه إلى مدينة لنجة استعداداً لأية مواجهة عسكرية مرتقبة بين القوات القاسمية والإيرانية.

وكان حاكم لنجة القاسمي العجوز الشيخ سعيد بن قضيب القاسمي في غاية التعب والارهاق من الحملات الفارسية التي انهكته على مدى السنوات السابقة، وتوفي في العام نفسه ليخلفه ابنه خليفة حكم مدينة لنجة.

ثم ما لبثت القوات الفارسية وأن قهرت القوات العُمانية في بندر عباس ودفعتها للهرب من ميناء المدينة عام 1854، وكان الفرس يقطعون رؤوس القتلى من الجنود العُمانيين ويعلقونها على الرماح في استعراض عسكري يعكس مدى وحشيتهم.

من جهته، أمر سلطان عُمان سعيد بن سلطان بتجهيز حملة بحرية لمحاربة الفرس، واستطاعت الحملة العُمانية تدمير الحاميات العسكرية الفارسية وإبادتها عن بكرة أبيها، واستعادت مدينة بندر عباس من جديد من الفرس، مع العلم أن الشيخ سعيد بن طحنون جهّز هو الآخر حملة بحرية عسكرية لمهاجمة بلاد الفرس بحجة المجازر التي ارتكبتها الدولة الإيرانية بحق العرب في البر الفارسي ولكن بريطانيا تدخلت ومنعت ابن طحنون من التدخل في شأن يخص إمارة القواسم وسلطنة عُمان وبلاد الفرس وحدهم، ولا شأن لابن طحنون في الأمر، حسب ما تقول بريطانيا.

استطاع حاكم أبوظبي الشيخ سعيد بن طحنون أن يثبت كفاءته ونجاحه الكبير في قهر جيوش خصومه على مدى 10 سنوات من استلامه لحكم إمارة بني ياس اعتباراً من عام 1845، لكن سلامته العقلية اختلت عام 1855، فحدث هرج ومرج في مدينة أبوظبي وشعر الحاكم أنه في تحدٍ أمام أهالي أبوظبي، الأمر الذي دفع بالأسرة الحاكمة إلى تسليم سدة الحكم إلى ابن عم الحاكم الشيخ زايد بن خليفة بن شخبوط الفلاحي، المعروف بزايد الكبير وزايد الأول، وهو جد المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان.

وغادر الشيخ سعيد بن طحنون أبوظبي وتوجه إلى جزيرة قيس القريبة من البر الفارسي، والتي هي في الأصل من ملحقات إمارة أبوظبي.

من جهة أخرى، كانت إمارة القواسم تعاني بشدة من الحركات الانفصالية الراغبة في الانفصال من الحكم القاسمي، بينما الحاكم العجوز سلطان بن صقر عاجزاً عن درء كل هذه الصراعات التي انهكته، خاصة وأن اثنين من ابنائه توفيا في الحروب وهم صقر عام 1846 ثم عبدالله عام 1855، ثم تعرض لنكسة أخرى، تمثلت في المحاولة الانفصالية لولاية مسندم القاسمية الواقعة على رأس مضيق هرمز، حيث قام أهاليها بثورة ضد الحكم القاسمي، مع العلم أن منطقة رأس مسندم هي في الأصل تابعة لإمارة القواسم قبل أن تستولي عليها الدولة العُمانية.

في عام 1856 تعرضت الدولة العُمانية لنكسة عظيمة بوفاة السلطان العُماني السيد سعيد بن سلطان بن أحمد بن سعيد آل بوسعيدي عندما كان في طريقه من مسقط إلى جزيرة زنجبار، وتم دفنه في زنجبار.

وشهدت مدينة مسقط حالة من العزاء لا مثيل لها في التاريخ العُماني، وقام أعداد من الملوك والشيوخ من مختلف دول المنطقة بالحضور إلى مسقط للقيام بواجب العزاء، وعلى رأسهم حاكم إمارة بني ياس الشيخ زايد بن خليفة (زايد الكبير)، كما شهد هذا العام أيضاً مقتل الشيخ سعيد بن طحنون الحاكم السابق لأبوظبي برصاص أهالي أبوظبي عندما حاول ابن طحنون القيام بمحاولة انقلابية على الشيخ زايد بن خليفة، ولكن حاكم دبي الشيخ سعيد بن بطي ساعد حاكم أبوظبي وجهز له حملة عسكرية لمواجهة الحاكم السابق.

في الحقيقة، كان حاكم إمارة القواسم الشيخ سلطان بن صقر هو من وقف مع ابن طحنون وموله وجهز له حملة بحرية لاقتحام أبوظبي، وعندما اكتشفت السلطة البريطانية مؤامرة ابن صقر فرضت عليه غرامة مقدارها 25 ألف روبية هندية يدفعها لحاكم أبوظبي.

بعد وفاة سلطان عُمان الشهير سعيد بن سلطان انقسمت الدولة العُمانية إلى دولتين وهما سلطنة عُمان وجزيرة زنجبار، حيث كان السيد ماجد بن سعيد يحكم زنجبار بينما السيد ثويني بن سعيد يحكم عُمان، وهذا الأمر ساهم في انشقاق الدولة العُمانية، حيث كانت إمارة القواسم لا تزال في حالة حرب مع الدولة العُمانية.

في عام 1859 توفي حاكم دبي الشيخ سعيد بن بطي بسبب تفشي مرض الجدري في المنطقة، وبعد وفاته بويع ابن أخيه الشيخ حشر بن مكتوم بن بطي الفلاسي ليكون الحاكم الجديد على إمارة دبي.

من جهة أخرى، كان حاكم إمارة القواسم سلطان بن صقر عاجزاً عن إنهاء حالة العداء التي انتابت ابناءه واحفاده وتصارعهم على الحكم في ظل كبر سنه ومرضه، مع العلم أن سلطان بن صقر قد اصيب بالعمى في السنوات الأخيرة من حياته.

من جهة ثانية، كانت الصراعات الداخلية مستمرة في الدولة العُمانية بين ابناء واحفاد سلطان عُمان السابق سعيد بن سلطان، وشهدت مجازر وحروباً أهلية على مدى السنوات اللاحقة.

وفي عام 1866 توفي الاسطورة القاسمية الأمير سلطان بن صقر القاسمي عن عمر يناهز 103 سنوات، بعد حياة حافلة بالمغامرات والحروب والنكسات، ولكنه في نهاية المطاف يعتبر أعظم حاكم من حكام إمارة القواسم حتى يومنا هذا.

بعد وفاة أمير القواسم انفصلت الشارقة عن رأس الخيمة لأن نجل الحاكم السابق الشيخ خالد استأثر بالحكم لنفسه في الشارقة، بينما رفض أخوه ابراهيم في رأس الخيمة الاعتراف به حاكماً على إمارة القواسم، فانفصل برأس الخيمة عن الشارقة.

ثم سرعان ما قامت قبيلة الشرقيين في الفجيرة القيام بحركة عصيان ضد القواسم مطالبين بالانفصال من السلطة القاسمية.

وعلى العموم تعرضت الإمارة القاسمية للكثير من النزاعات والحروب الداخلية بسبب الصراع على الحكم بين أبناء وأحفاد الحاكم السابق سلطان بن صقر، ولكن الغلبة في النهاية ذهبت لصالح الشيخ خالد بن سلطان بن صقر.

ولكن الشيخ خالد القاسمي لم يهنأ بالحكم كثيراً، حيث أعلن حاكم أبوظبي الشيخ زايد بن خليفة الحرب عليه، وقام بتجهيز حملة برية بحرية كبيرة ضد الشارقة، فكانت معركة رهيبة للغاية في مدينة الشارقة بين الجيشين القاسمي والظبياني، وكان الحاكم القاسمي يقاتل بكل ما أوتي من قوة بسيفه وبندقيته، وفي أرض المعركة تقاتل كلاً من حاكم الشارقة وأبوظبي معاً وجهاً لوجه.

وحاول الشيخ خالد أن يطلق من بندقيته رصاصة تجاه الفارس الشيخ زايد بن خليفة ولكن الرصاصة أخطأت وأصابت الحصان، وسقط الشيخ زايد من فرسه، واستجمع قوته وحمل سيفه ووقف وجها لوجه أمام الشيخ خالد بن سلطان بن صقر، وتبادلا الضرب بالسيوف، فكان الشيخ زايد أكثر قوة وتمكن من ضرب الشيخ خالد الذي أصيب بجرح غائر، ثم انسحب من أرض المعركة وبقي طريح الفراش لأيام عدة متأثراً بضربة سيف الشيخ زايد بن خليفة حتى توفي متأثراً بجراحه، وذلك في عام 1868، فأصبح أخوه الشيخ ابراهيم بن سلطان حاكماً لإمارة القواسم، وهذا ما لم يعجب أطراف كثيرة في الاسرة القاسمية، وسرعان ما دبت الفوضى بين أفراد الاسرة والحروب والنزاعات بينما العدو الفارسي على أحر من الجمر للقيام بأعمال عسكرية ضد الأراضي القاسمية في البر الفارسي.

نلاحظ هنا أن الصراعات الداخلية والحروب الأهلية في إمارات الساحل وسلطنة عُمان هي المتسبب الأكبر في انهزامها لاحقاً أمام العدو الفارسي.

وقد تكون بعض الحقائق التاريخية مؤلمة بالنسبة للمواطن الإماراتي، ولكننا اليوم ابناء اليوم وتلك الأحداث كانت في الماضي ولن تؤثر على وحدتنا الأبدية ولا على ولائنا لوطننا الغالي.

د.سالم حميد