تاريخ الاحتلال(13): العرب يودّعون لنجة

بقلم: د.سالم حميد

في عام 1888 رفعت إيران وتيرة دورياتها البحرية حول الجزر الإماراتية المحتلة وميناء لنجة بغرض جباية الضرائب والرسوم الجمركية على السفن في استفزاز واضح ضد إمارات الساحل، وقامت الدولة الإيرانية بإرسال الخطابات إلى السلطة البريطانية مدعية تبعية الجزر ولنجة إلى بلاد الفرس، وهذا ما رفضته إمارة الشارقة.

وارتفع منسوب التوتر والقلق من دون دخول الأطراف المختلفة في حرب جديدة، ولكن الدولة الفارسية استطاعت تطوير أساطيلها البحرية وعظمتها بالسلاح الحديث من روسيا وأبرمت معها معاهدة صداقة ودفاع مشترك من أجل التخلص من السيطرة البريطانية على منطقة الخليج.

وشهد ذلك العام أيضاً وفاة سلطان عُمان السيد تركي بن سعيد، فآلت السلطة إلى نجله فيصل بن تركي بن سعيد.

من جهة أخرى، كانت الحرب بين إمارة أبوظبي وإمارة قطر على أشدها، وكانت تركيا كانت تدعم قطر بشكل كبير وتمدها بالعتاد والعدة، ولكن إمارة قطر لم تجن من مغامرة الدخول في حرب مع الشيخ زايد الكبير سوى تدمير عاصمتها الدوحة، بعد أن قامت قوات أبوظبي في 14 يونيو/حزيران 1888 بعملية إنزال بحري نوعية عليها.

وكان الشيخ زايد الكبير طالب تركيا بدفع تعويضات بسبب دعمها الاعتداءات القطرية على بعض أقاليم أبوظبي، وعندما امتنعت تركيا عن دفع التعويضات قام الشيخ زايد الكبير بحملته ضد قطر.

في عام 1889 طلبت قطر من السعودية مساعدتها في حربها ضد أبوظبي، فاستجابت بإرسال جيش، واستطاع التحالف القطري السعودي أن يحقق انتصارات في صحراء الظفرة الظبيانية، حينها وجه زايد الكبير رسائل إلى بقية حكام إمارات الساحل يطلب مساعدتهم ضد الدخلاء على إمارات الساحل، وخسرت أبوظبي نحو 70 مقاتلاً من المعارك الدائرة في الظفرة.

وتم تشكيل تحالف ثلاثي بين إمارتي أبوظبي ودبي وسلطنة عُمان للهجوم على قطر وإعداد جيش قوامه 8 آلاف مقاتل. من جهتها، أعلنت الدولة التركية أنها ستحارب أبوظبي إذا ما قامت بمهاجمة قطر، فيما وضعت الدولة السعودية نحو 5 آلاف مقاتل سعودي تحسباً لأي هجوم ظبياني ضد قطر.

كانت الحملة الظبيانية بقيادة الشيخ زايد الكبير نفسه وكذلك حاكم دبي الشيخ راشد بن مكتوم، وفي ابريل/نيسان من عام 1889 اندلعت المعارك في مختلف الأراضي القطرية وأجزاء من الاحساء في السعودية، وبلغ عدد قتلى الجيش القطري في البداية أكثر من 300 قتيل، وكادت إمارة قطر أن تتعرض للدمار الكبير، لولا مسارعة الحاكم التركي في منطقة الاحساء عاكف باشا إلى مراسلة الشيخ زايد الكبير يرجوه باسم الدين الإسلامي أن يوقف الحرب.

رق قلب الشيخ زايد للرسالة وتأثر كثيراً بها، فأمر بسحب قواته وإنهاء حالة الحرب مع قطر، ولكن قطر لم تقدّر ولم تحترم مبادرة الشيخ زايد الإنسانية واستمرت في مضايقاتها ومناوشاتها وتوغلاتها في المناطق الحدودية التابعة لأبوظبي.

من ناحية أخرى، وفي عام 1894 توفي حاكم دبي الشيخ راشد بن مكتوم، وتسلم السلطة من بعده في دبي ابن اخيه الشيخ مكتوم بن حشر بن مكتوم.

وفي البر الفارسي، استطاع قائد القوات البحرية الإيرانية أحمد خان السيطرة على الموانئ القاسمية، مع بقاء الشيخ محمد بن خليفة القاسمي حاكماً على لنجة، وعندما شعر ابن خليفة بمدى طغيان الفرس، وتوقف إمارتي الشارقة ورأس الخيمة عن مواجهة إيران، قرر حشد أتباعه في لنجة وضواحيها والجزر العربية واستعادة السيطرة على المناطق العربية في البر الفارسي، واستطاعوا تدمير الحاميات الإيرانية وقتل اعداد من الجنود الفرس واسر الباقين، وإعلان الشيخ محمد بن خليفة عن نفسه حاكماً على لنجة، وعودة تبعيتها إلى إمارة الشارقة، الأمر الذي دفع الدولة الإيرانية للانتقام بإرسال أساطيلها البحرية بقيادة أحمد خان.

كان الفرس يدركون أن في عام 1899 فرصة ذهبية لاسقاط الحكم القاسمي في الساحل الفارسي بسبب الصراعات والمشاكل الداخلية في مشيخات الإمارات، وكذلك الدعم البريطاني الكبير لإيران ضد الإمارات.

وقبل الغزوة الإيرانية فاوض قائد أسطولها أحمد خان حاكم لنجة محمد بن خليفة القاسمي وعرض عليه مبلغ 12 ألف تومان إيراني مقابل تسليم لنجة بدون حرب، على أن يعود الحاكم إلى بلاده في الساحل الإماراتي بحكم أن لنجة ـ حسب زعم الفرس ـ أرض إيرانية قام القواسم باحتلالها منذ القرن السادس عشر، رغم اعتراف السلطات الفارسية بملكية بعض مشيخات الإمارات للعديد من المقاطعات المقابلة للساحل الإماراتي عام 1631.

ولكن ابن خليفة أبى أن يطأطئ رأسه للفرس، أو أن يبيع أرضه وأرض أجداده، على أمل أن تأتيه النجدات من الساحل الإماراتي.

لكن البريطانيين مهدوا الطريق أمام الأساطيل الإيرانية لغزو لنجة، حيث فرضت بريطانيا حصاراً على جميع مشيخات الإمارات وطوّقت سفنها ومنعتها من الاقتراب من السواحل الإيرانية.

يذكر أن بريطانيا فرضت معاهدة على مشيخات الإمارات عام 1820 بموجبها منعت الإمارات من بناء السفن والفرقاطات الحربية، بينما سمحت لإيران بتعظيم أساطيلها، وقامت القوات الإيرانية بحشد أكثر من 7 آلاف مقاتل لغزو لنجة بينما كان عدد المقاتلين العرب القاسميين أقل من ألفي مقاتل في لنجة.

ورغم قلة العدد والعدة في لنجة إلا أن المقاتلين العرب كانوا على أهبة الاستعداد، وسهلت بساطة دفاعاتهم البحرية على البحرية الإيرانية سحقها قبل إنزال جحافلها المكونة من آلاف المقاتلين، وبادرت القوات القاسمية على الفور بفتح نيران مدافعها على قطعان الفرس الذين كانت بحريتهم ترد بكثافة شديدة لم ترحم فيها أحداً.

كان على المقاتل القاسمي الواحد أن يقاتل أربعة مقاتلين إيرانيين، فكانت الكفة غير متعادلة لكن المقاتلين القاسميين حاربوا على صيحات "الله أكبر" بكافة ما توفر من سلاح خاصة السيوف التي جزوا بها أعناق الإيرانيين.

ولم تتجرأ السفن الإيرانية على الرسو إلا على بعد 7 أميال من شواطئ لنجة خشية مدافعها التي قد تغرق سفن الفرس والتي كانت مدافعها بفضل التكنولوجيا البريطانية قادرة على الوصول نحو تحصينات مدينة لنجة الصامدة ومساكنها.

واستمر القتال العنيف المميت لمدة يومين متتاليين بدون توقف، وتواصلت الحشودات الفارسية واستمرت قنابلها في التساقط على رؤوس الأبرياء، فخارت قوى المقاتلين القاسميين واستشهدوا ففاحت رائحة الموت وتطايرت الجثث وصاحت النساء وبكى الأطفال، وفصل الفرس رؤوس جثث العرب وعلقوها على الرماح، ثم طردوا أهالي المدينة مع الحاكم الذي غادر إلى رأس الخيمة، وفي ذلك اليوم 5 مارس 1899 سقطت مدينة لنجة القاسمية بيد الفرس وعم الحزن الأسى جميع مشيخات الإمارات، أما بريطانيا فأرسلت تحذيرات إلى المشيخات تحذرها من محاولة استرجاع لنجة وتقبل الواقع الجديد.

بعد الانتصار الفارسي على إمارة الشارقة تحديداً، استمرت المضايقات الإيرانية ضد السفن العربية، واستمر الفرس في طرد العرب من البر الفارسي، وأجبروهم على المغادرة، كما أبدت الدولة الفارسية للسلطات البريطانية رغبتها في إجلاء العرب عن الأراضي الإيرانية إلى غير رجعة، فقامت بريطانيا بتحذير حكام إمارات الساحل من عودة العرب في إمارات الساحل إلى البر الفارسي.

وبسبب الحظر البريطاني على البحرية الإماراتية اضطر الشيخ زايد الكبير عام 1900 إلى إرسال وفد رفيع المستوى بالنيابة عن جميع إمارات الساحل إلى الدولة الإيرانية يطلب منها حلولاً ودية بدلاً من حالة الحرب بينها وبين إمارات الساحل، إذ كان من المتوقع أن توجه إيران أساطيلها نحو الجزر العربية التابعة لإمارات الساحل.

لقيت مبادرة الشيخ زايد الكبير صدى في إيران، وقام الشاه بإرسال رسالة جوابية للشيخ زايد، وأهداه سيفاً ذهبياً. مع العلم أن الشيخ زايد طالب الدولة الإيرانية بدفع تعويضات لجميع العرب الذين تم تهجيرهم من البر الفارسي إلى البر الإماراتي. وعلى الرغم من أن مقاطعة لنجة لا تتبع إلى أبوظبي إنما إمارة الشارقة، ولكن الشيخ زايد كان يعتبر جميع إمارات الساحل بلاده، كما وثق بقية حكام مشيخات الإمارات في حسن تصرف الشيخ زايد الكبير.

فشلت مبادرة الشيخ زايد بسبب تدخل الدولة البريطانية التي احتجت على المبادرة الظبيانية في إرسالها لوفد رفيع المستوى إلى بلاد الفرس، واعتبرتها خرقاً للمعاهدة الموقعة بين إمارات الساحل وبريطانيا، وقامت بإرسال مدمرة إلى ساحل أبوظبي في استعراض قوي، مهددة الشيخ زايد بعدم التواصل مجدداً مع الفرس ونسيان سقوط لنجة نهائياً.

وبهذا خاب أمل إمارات الساحل في استعادة لنجة، فعادت الحروب الأهلية والصراعات الداخلية لتشتعل في جميع إمارات الساحل تقريباً، هذا بالإضافة إلى المحاولات الإنفصالية.

خشيت إمارة الشارقة أن تسقط جزر أبوموسى وطنب الكبرى والصغرى بيد الفرس، فعملت على تعزيز قواتها فيها وتشجيع بعض سكان إمارات الساحل على الهجرة إليها.

من جهة أخرى، انتعشت حركة التجارة في ميناء دبي الذي أصبح تدريجياً الميناء البديل لحركة التجارة في منطقة الخليج بعد سقوط ميناء لنجة، حيث فضّل أغلب تجار لنجة الهجرة إلى دبي، التي شهدت انتعاشاً ملحوظاً عام 1903.

وبدأت مدينة دبي في استقبال جنسيات مختلفة، وخاصة فئة العمالة من الهنود والإيرانيين، كما شهدت المدينة غلاءً كبيراً، وأصبحت مدينة دبي الأكثر حركة ونشاطاً، وارتفاعاً في المستوى المعيشي.

في العام 1904 قام مسؤولو الجمارك البلجيكيون العاملون لحساب السلطات الإيرانية بإنزال أعلام القواسم من جزر أبوموسى وطنب ورفع أعلام إيران مكانها، مما أدى إلى تهديد بريطاني صريح باللجوء إلى القوات البحرية لإنزال أعلام إيران، مما أجبر السلطات الإيرانية على إنزال أعلامها والانسحاب من الجزر في العام نفسه.

وكانت بريطانيا طلبت من الشارقة رأس الخيمة عدم التدخل، مقابل قيامها بالرد على إيران، وعادت أعلام الشارقة ورأس الخيمة ترفرف من جديد على الجزر.

كما شهد عام 1909 وفاة الزعيم الظبياني التاريخي، الذي يعود الفضل إليه في توحيد أراضي الإمارة وحمى حدوده بقوة ضد الأعداء المتربصين به، الشيخ زايد بن خليفة بن شخبوط الفلاحي المعروف بزايد الكبير أو زايد الأول.

د.سالم حميد