تاريخ الاقتراع السري الأكثر غموضًا في العالم

الباحث الصيني نيو مينغ شي يتتبع في كتابه "الاقتراع بالحبوب" مسيرة تطور الاقتراع/ التصويت السري في العالم عامة والصين خاصة.


المنتفعون لا يرحبون بالتصويت السري على الإطلاق؛ لأن هذا سيجعل تحكمهم في نتيجة الانتخابات صعبًا


شي يؤكد أنه لا يناقش مزايا التصويت العلني أو السري وعيوبهما

طريقة التصويت "العلني" تُعَدُّ هي أكثر طرق الانتخابات شيوعًا في تاريخ الحضارة البشرية، وعلى العكس تعدُّ طريقة "التصويت السري" حالة خاصة؛ وفي الحقيقة ليس من الصعب فهمه؛ لأنه في أي مجتمع يُسمح فيه للشعب باستخدام التصويت لاتخاذ قرار في أمر عام، والمنتفعين هم من لا يرحبون بالتصويت السري على الإطلاق؛ لأن هذا سيجعل تحكمهم في نتيجة الانتخابات صعبًا؛ ومن أجل أن يحافظوا على أن تكون لهم اليد العليا، فمن الطبيعي أن يفكروا في طريقة للسيطرة على نتيجة الانتخابات؛ وإذا كان هذا التحليل مقنعًا، فكيف إذن نشأ ذلك التصويت السري؟ وفي أية أحوال سياسية أصبح التصويت السري ممكنًا؟ وحتى الآن لم توجد مؤلفات علمية متخصصة تقدم بصورة منسقة تجارب الاقتراع بالحبوب في كل زمان ومكان، وليس هناك كتاب يشرح لماذا قرر مجتمع أن يستخدم التصويت السري؟
يتتبع الباحث الصيني نيو مينغ شي في كتابه "الاقتراع بالحبوب" الذي ترجمته ماجدة صوفي بكار، أستاذة اللغة الصينية بكلية الألسن جامعة عين شمس، مسيرة تطور الاقتراع/ التصويت السري في العالم عامة والصين خاصة محاولا تفسير ظاهرة الاقتراع بالحبوب، حيث إنه وحتى الآن لا توجد مؤلفات علمية متخصصة تتناول تجارب الاقتراع بالحبوب في أي مكان في العالم، وليس هناك كتاب يشرح لماذا قررت المجتمعات الإنسانية استخدام ذلك النوع من التصويت السري انطلاقا من عصور اليونان القديمة والجمهورية الرومانية القديمة، مرورا بالقرون الوسطى وانتهاء بالمجتمعات المدنية في بريطانيا وأميركا.
ويؤكد شي أنه لا يناقش مزايا التصويت العلني أو السري وعيوبهما، ولا يناقش أنسب الطرق في الظروف المختلفة؛ بل يبحث في كيفية إجبار الجانبِ الضعيف سياسيًّا الجانبَ القوي على قبول التصويت السري من منظور السياسة العملية؛ ففي أي مجتمع، لا يرحب أصحاب المصالح الشخصية بالتصويت السري؛ لأنه يُصَعِّب استنتاج لمن أعطى الناخب صوته؛ مما يُضْعِف من تأثير أصحاب المال والقوة على رأي الناخب؛ فلا يستطيعون التحكم والسيطرة على نتيجة الانتخابات؛ لذلك فإن الجانب الضعيف هو الذي يرحب بالتصويت السري؛ لأنه بذلك يمكنه التعبير عن رغباته بحرية، في مثل هذه الحالة إذن، تحت أية ظروف يمكن للتصويت السري اختراق حصار المال والقوة الذي حتمًا سيظهر؟ ولماذا تسمح الطبقات السياسية بالتصويت السري؟ وما اللعبة السياسية وراء ذلك؟ والبحث في هذه المسألة حاليًّا ليس كثيرًا في مجال السياسة، وليس هناك تفسير منهجي لمثل هذه الأسئلة العلمية المثيرة للاهتمام، وسنحاول تقديم بعض التفسيرات. فإذا أردنا أن نفهم بشكل منهجي اللعبة السياسية وراء التصويت السري، يجب علينا أن ننقب في التاريخ القديم والحديث عن أية مجتمعات كانت تستخدم التصويت السري وفي أي عصر، ونبحث عن خلفية العصر في ذلك الوقت، ونعرف لماذا لم يستمر التيار الحاكم في ذلك الوقت في التلاعب في الانتخابات باستخدام المال والقوة.

بعض الأماكن تستخدم أوعية مختلفة الألوان لتمثيل المرشحين المختلفين، بينما يستخدم بعضهم الآخر أكياسًا مختلفة الألوان لتمثيل المرشحين المختلفين. وعند استخدام هذه الطرق، يمكن أن تكون الحبوب باللون نفسه

في ضوء هذه الرؤية يسعى شي إلى تفسير هذه الظاهرة السياسية الخاصة، فيطرح وجهات نظر علمية وأكاديمية فريدة في هذا المجال في إطار تاريخي مقارن بين نظم الاقتراع القديمة في الصين والغرب، حيث يستعرض بعض طرق "التصويت السري" في الدول الغربية وخلفية العصر وأسباب نشأته، كما يستعرض معاناة الحزب الشيوعي الصيني في انتهاجه للاقتراع بالحبوب الأغرب في العالم، كما يبحث فيما يمكن أن يقدمه الاقتراع بالحبوب والتصويت السري من رؤى لآفاق الإصلاح السياسي في الصين. 
مؤكدا أنه على الرغم من أن طريقة التصويت بالاقتراع بالحبوب لم تعد رائجة؛ فإن المغزى السياسي الذي عبَّرت عنه طريقة الاقتراع بالحبوب سوف يستمر لفترة طويلة في تاريخ الحضارة السياسية الإنسانية؛ فإن كل حبة من الحبوب تحمل في مغزاها رغبات الناس في التصويت، كما أنها تنقل عمليات الحضارة السياسية الإنسانية على مدار ثلاثة آلاف سنة؛ إن التاريخ الذي انتقل باستخدام الحبوب لا يعبر فقط عن الحكمة السياسية وإبداع السلف؛ بل يعزز التنوير في العملية السياسية في عالم اليوم، خاصة الاقتراع بالحبوب في المناطق القاعدية الصينية المعادية لليابان؛ حيث ترك للصين التي تعيش في عملية الديمقراطية العديد من التجارب التي يمكن الاتعاظ بها.
والاقتراع بالحبوب ـ وفقا لشي ـ هو الانتخاب باستخدام الحبوب، ومن الأسباب الرئيسة التي جذب من خلالها الاهتمام والفضول، هو أن هذه الطريقة جعلت الفلاحين الذين لا يعرفون القراءة والكتابة يعبرون عن آرائهم تجاه الشخص المنتخب بالاقتراع بالحبوب بدلًا من ملء ورقة الاقتراع؛ ولكنها لها أيضًا مغزى أعمق؛ ففي المناطق الحدودية في الأربعينيات من القرن العشرين، تنازع الحزب الشيوعي على سلطة هذا المكان بالقوة؛ مما تطلب وضع نظام انتخابي لجعل الفلاحين لا تعرقلهم الحساسيات أثناء الإدلاء بأصواتهم، أو لتجنب تهديدات الملاك والنبلاء المحليين وإغراءاتهم وانتقامهم، ولجعل الفلاحين يعبرون عن آرائهم بحرية دون قلق عند الإدلاء بأصواتهم، وكان مقدرًا لنظام الاقتراع بالحبوب أن يظهر في مثل هذه الأجواء.
ويقول شي في كتابه الصادر عن بيت الحكمة في نشر مشترك مع منشورات ضفاف، ومنشورات الاختلاف، ودار الأمان "على الرغم من أن الاقتراع بالحبوب يُعَدُّ تطورًا وابتكارًا يستحق الفخر في تاريخ الصين، فإنه لم يُسمع به في الحضارات والبلاد الأخرى؛ فقديمًا في اليونان القديمة وإنجلترا والمستعمرات الأميركية قرب القرن الـ17، كان هناك كثير من المناطق لديها تجارب استخدام الاقتراع بالحبوب، فهي تعدُّ ابتكارًا متزامنًا مع مختلف الحضارات، ومكتسبات نفيسة للحضارة البشرية؛ وهو يختلف عن "رفع اليدين" أو غيرها من طرق التصويت "العلنية" الأخرى، إن الاقتراع بالحبوب يُعَدُّ طريقة "تصويت سري". وسبب تسميته "سريًّا" هو أن نظام طريقة التصويت فيه يجعل من الصعب استنتاج لمن أعطى الناخب صوته؛ مما يجعل من الصعب على الأحزاب السياسية أو المرشحين التأثير على أصوات الناخبين بالمال أو بالقوة، فيتمكَّن الناخب من التعبير بحرية عما يكنه من طموحات؛ فإن لم يكن هناك تصويت سري فسوف تتسرَّب الأموال والقوة داخل عملية الانتخابات، ولأصبح الرأي العام مجبرًا على طاعة مَنْ يمتلك القوة؛ وهكذا فلن تكون هناك انتخابات عادلة غير منحازة، ولن تكون هناك ديمقراطية؛ لذلك فإن التصويت السري هو وسيلة لضمان حقِّ الإنسان في قدرته على ممارسة الديمقراطية بحرية، وهو يُعَدُّ أيسر الشروط وأكثرها أهمية لتحقيق النظام الديمقراطي.
ويحاول شي تفسير ظاهرة الاقتراع بالحبوب ويطرح وجهات نظر علمية فريدة في هذا المجال، يقول عن طرق العمل بالاقتراع بالحبوب "تغنَّت أوبرا خنان التي عرضت في السنوات الأخيرة "الوعاء ذو الأزهار الزرقاء والحبوب الذهبية" بالسياسة الديمقراطية في هذا الوقت مستخدمة الوعاء ذا الأزهار الزرقاء والحبوب الذهبية كرمز. وعرضت في عملية الاقتراع بالحبوب، بالإضافة إلى الأوعية والحبوب، وكيفية اختيار المرشحين، وكيفية حساب الأصوات، وكيفية منع عمليات الاحتيال، وكيفية إجراء التصويت السِّرِّيّ، كلها أيضًا تفاصيل يجب الاهتمام بها.
ويضيف "عندما تُسْتَخْدم حبة لتمثيل ورقة اقتراع، فإن هذا يعطي الحبة معنى ضمنيًّا عميقًا، على الرغم من أنها فول الصويا والفاصوليا البيضاء العادية، فإن القيمة التي تمثلها ثمينة للغاية؛ لذلك فإنه في الأغاني الشعبية عن الاقتراع بالحبوب، تُوصف فول الصويا والفاصوليا البيضاء العادية هذه بـ"الحبوب الذهبية والحبوب الفضية. البقول هي محاصيل تنتج بكثرة في بعض المناطق الشمالية من الصين، ويتميز استخدام البقول في الاقتراع بسهولة جمع الأصوات في الحال؛ بالإضافة إلى فول الصويا والحبوب البيضاء، فإن بعض الأماكن تستخدم أيضًا الحبوب السوداء والباقلاء والعدس والحبوب الحمراء والبازلاء والفول والذرة الشامية "وتعرف أيضًا بالدخن" والذرة الشامي وحبوب الذرة وغيرها. وتستخدم محاصيل أخرى بديلة في الأماكن التي لا تنتج البقول؛ فاستخدمت هواينان القصب، واستخدمت هوبي الحصى، واستخدمت جيانغسو الحطب. 
أما عن أعداد الحبوب وألوانها فقد تمَّ الاهتمام بها؛ في بعض الأماكن، يتساوى عدد الحبوب وعدد الذين يجب انتخابهم؛ على سبيل المثال: في بلدة تسايشي كان الانتخاب لخمسة نواب، وأُعْطِيَ كل ناخب خمس حبات. وأحد عيوب هذه الطريقة هو أن بعض الناس قد يرمون مزيدًا من حبات الفول التي معهم للمرشح الذي يفضلونه أكثر؛ وهناك عيب آخر هو، إذا كان هناك مرشح لا يفضلونه، فمن المحتمل أن يرموا الحبوب كلها لصالح المرشحين الذين يجلسون في الأمام.

ويوضح شي أنه في حالة إن كان عدد المرشحين قليلًا، فإن بعض الأماكن تستخدم حبوبًا بألوان مختلفة لتمثل مرشحين مختلفين؛ فمثلًا في منطقة شنشي - قانسو- نينغشيا الحدودية كانوا يعطون كل ناخب حبة واحدة من كل من الحبوب السوداء وفول الصويا والذرة الشامية وغيرها من الأنواع، تمثل مختلف المرشحين كلًّا على حدة. هناك أيضًا بعض الأماكن تستخدم حبوبًا مختلفة الألوان لتعبر عن الموافقة أو الرفض؛ وقد اختارت جمعية الفلاحين الفقراء بقرية تشانغتشوانغ بمحافظة لوتشنغ بمقاطعة شانشي 7 مندوبين من 12 مرشحًا، وكان في يد كل واحد من أعضاء الجمعية الذين شاركوا في التصويت 7 حبات سوداء و5 حبات بيضاء، وكانت الحبات السوداء تعبر عن التأييد، أما البيضاء تعبر عن المعارضة. وعند انتخاب عمدة القرية في هوبي أُعْطِيَ كل شخص حصاة بيضاء وثلاث حصوات سوداء، وكانت الحصوات البيضاء تعبر عن التأييد والحصوات السوداء تعبر عن المعارضة، ويرمونها للمرشحين الأربعة كل على حدة. واختارت الجمعية التعاونية الخمسة أعضاء، حيث أُعْطِيَ كل واحد من أعضاء الجمعية خمس حبات من فول الصويا والحبة السوداء؛ حيث يرمون فول الصويا لمن يؤيدونه، ومن يعارضونه يرمون له الحبة السوداء. 
وفي قرية جيانغ بمقاطعة شاندونغ، يرمون الذرة الشامية لمن يؤيدونه، ومن لا يؤيدونه يرمون له الحبة السوداء. وربما لأن اللون الأحمر في التقاليد الثقافية الصينية يمثل الفرح والبركة، فإن العديد من الأماكن تستخدم الفاصوليا الحمراء للتعبير عن معاني الإيجابية والتأييد. رمى بعض الناس في بعض المناطق فول الصويا الذي يحملونه سرًّا في أوعية المرشحين؛ ولذلك طلى المنظمون الفاصوليا باللون الأحمر والأسود، وغيرهما من الألوان وأعطوها للقرويين، وعند عد الأصوات بطلت الحبوب التي لم تكن مطلية.
ويلفت شي إلى أنواع الأوعية ومواضعها "الاقتراع بالحبوب عادة ما يكون برمي الحبوب في الأوعية، جميع الأوعية التي اسْتُخْدِمت ذكر بعضهم أنها أوعية خزفية، وأوعية طينية؛ حتى الأوعية الملصوقة بالورق، التي يعتقد هينتون أنها تكثر في الريف في شمال الصين، فكثير من أوعية الفلاحين منذ الصغر حتى الشيخوخة تكون منها؛ وذلك بسبب الفقر طويل الأمد؛ وعندما يُكسر الوعاء، لو أمكن إصلاحه، فإنهم يطلبون من عامل إصلاح الأوعية إصلاحه، وبعد موتهم يورِّثون الوعاء للجيل الذي بعدهم لاستخدامه؛ ولأن العلاقة وثيقة بين الأوعية والفلاحين، فإن استخدامه في الاقتراع يعكس علاقة يستحيل فصلها بين الناس والأوعية. 
ليس من الضروري استخدام الناس للأوعية عند رمي الحبوب، أحيانًا يستخدمون أيضًا أوانيَ أخرى، مثل: الجرة، والكيس، وفنجان الشاي، والقدر، والصحن، والإناء المصنوع من البامبو، والقُمع، والسلة، والطست، وصندوق الأصوات، وفي شينجيانغ استخدموا القبعة، وفي العصر الحاضر يستخدم بعض الناس الطست البلاستيك والصندوق الورقي.
فيما يتعلق بالصور المتعلقة بالاقتراع بالحبوب يضيف "عادة ما توضع الأوعية مفتوحة وموجهة لأعلى، ويُسْتَخْدَم وعاء له فوهة؛ حيث يمكن للمصوت الذي بالخلف رؤية أي الأوعية به حبوب أكثر وأيها به حبوب أقل؛ ومن ثَمَّ يمكن أن يؤثر فيه، وعندما أدرك الناس هذه المشكلة، غطوا الوعاء بورقة، وجعلوا الناخب يرمي الحبوب من جانب الوعاء. وبعض الأماكن يوجهون فوهة الوعاء نحو الجماهير قبل الانتخابات لإثبات أن الوعاء فارغ، وبعد ذلك يلصقون عليها بإحكام الورق الأحمر على الملأ، ويحفرون ثقبًا بحجم الحبة، بحيث تدخل الحبة من الثقب؛ والتغطية بطبقة من الورق لها عدة فوائد، إحداها هو عدم السماح للناخب الذي بالخلف رؤية اختيار الناخب الذي أمامه، وكم رمى من الحبوب؛ وذلك تجنبًا للتأثير فيهم؛ والأخرى هي رمي الحبة من الثقب الصغير، فلا يسمح برمي أكثر من حبة "الحبوب التي أتوا بها خلسة"، ولا يمكن أيضًا أخذ الحبوب التي رماها إضافة إلى ذلك، هناك أيضًا "الأوعية المقلوبة". 
في بلدة هيلي، كان الناس يقلبون الأوعية ويضعونها على المنصة، ويكتبون اسم المرشح في ورقة حمراء أمام الوعاء؛ وضع الناخبون أولًا الحبوب في قاع وعاء المرشح الذي يفضلونه، ثم يضع المراقب الحبوب الملقاة داخل الوعاء؛ وذلك لتجنُّب أن يرمي الناخبون عميانيًّا في الوعاء الذي به حبوب أكثر. وتستخدم بعض الأماكن أوعية مختلفة الألوان لتمثيل المرشحين المختلفين، بينما يستخدم بعضهم الآخر أكياسًا مختلفة الألوان لتمثيل المرشحين المختلفين. وعند استخدام هذه الطرق، يمكن أن تكون الحبوب باللون نفسه.