تثبيت الحكم على بلغيث يُنعش جدل الهوية وحدود الحريات في الجزائر

قضية المؤرخ والأكاديمي الجزائري تكشفت هشاشة المساحة المتاحة للنقاش العلمي في قضايا الهوية، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى مقاربات أكثر انفتاحا لملفات الذاكرة والتنوع الثقافي.

الجزائر - طوى القضاء الجزائري ملف الأكاديمي والمؤرخ محمد الأمين بلغيث بعد قرار المحكمة العليا رفض الطعن بالنقض الذي تقدّم به دفاعه، لتصبح العقوبة الصادرة بحقه نهائية. وبهذا التطور، ينتقل الملف الذي أثار نقاشاً عاماً واسعاً منذ أشهر، من ساحة القضاء إلى حسابات السلطة التنفيذية، إذ لم يعد الإفراج عن بلغيث ممكنا إلا في إطار عفو رئاسي يُنهي ملفا أحرج الجزائر داخليا وخارجيا في سياق قضائي وسياسي بالغ الحساسية.

ويُثبّت القرار القضائي الجديد الأحكام السابقة التي صدرت خلال الصيف والخريف الماضيين، حين خفّض مجلس قضاء العاصمة في أكتوبر/تشرين الأول العقوبة من خمس سنوات حبسا نافذا إلى ثلاث سنوات نافذة، مع سنتين موقوفتي التنفيذ، بعد إدانته بتهم مرتبطة بتصريحات اعتُبرت "ماسّة بالثوابت الوطنية" وفق توصيف الجهات القضائية.

وبدأت القضية فعلياً في مايو/ايار الماضي، عقب ظهوره في مقابلة تلفزيونية أدلى خلالها بتصريحات مثيرة حول خلفيات ترسيم الأمازيغية، وهو ما دفع النيابة إلى تحريك الدعوى العمومية سريعاً، في سياق عكسته حساسية موضوع الهوية في الجزائر وتقاطعه مع سجالات سياسية وثقافية لا تهدأ.

ورغم أن المسار القضائي استند إلى تكييفات قانونية مرتبطة بحماية الرموز الوطنية ومنع خطاب الكراهية أو المساس بالوحدة الوطنية، فإن الانتقادات التي رافقت القضية لم تهدأ، خصوصاً من أوساط أكاديمية وحقوقية رأت أن الحكم على شخصية أكاديمية مرموقة يشكل سابقة مقلقة، ويزيد من تعقيد العلاقة بين السلطات وقطاع المثقفين والجامعيين. كما اعتبر آخرون أن القضية كشفت هشاشة المساحة المتاحة للنقاش العلمي في قضايا الهوية، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى مقاربات أكثر انفتاحاً لملفات الذاكرة والتنوع الثقافي.

ومع أن قرار المحكمة العليا أغلق الباب نهائياً أمام أي مسار قضائي جديد، إلا أنه فتح بابا سياسيا بامتياز، إذ بات الرهان الآن على قرار من رئيس الدولة عبدالمجيد تبون قد يُقدَّم في إطار ممارسة صلاحيات العفو، سواء لمناسبة وطنية أو ضمن مقاربة تهدف إلى احتواء الجدل وإعادة ضبط العلاقة مع الأسرة الأكاديمية. ويُنظر إلى بلغيث بوصفه أحد الوجوه البحثية البارزة في التاريخ الجزائري والمغاربي، ما أعطى للقضية بعداً رمزياً تجاوز مسارها القانوني.

وتبدو السلطة معنية بإدارة هذا الملف بدقة، في لحظة تشهد فيها الجزائر حاجة إلى خطاب توافقي داخلي وإلى تجنّب فتح جبهات توتر إضافية. كما أن القضية أخذت صدى واسعاً في الإعلام الإقليمي والدولي، ما وضع الحكومة أمام اختبار قدرة على التوفيق بين مقتضيات حماية الوحدة الوطنية وبين الحفاظ على هامش حرية التعبير الأكاديمي.

وبينما ينتظر الرأي العام مآل الملف في مستوى السلطة التنفيذية، يظل مصير بلغيث مرهونا بقرار سياسي قد يطوي صفحة قضية أظهرت تعقيدات العلاقة بين القانون والهوية والسياسة في الجزائر، وأعادت طرح سؤال التوازن بين صيانة الثوابت الوطنية وضمان حرية البحث العلمي في بيئة تحتاج إلى مزيد من الانفتاح والحوار.

ومحمد الأمين بلغيث مؤرخ جزائري بارز وُلد عام 1956، وله مسيرة بحثية وأكاديمية تمتد لأربعين عاماً في التاريخ الجزائري والمغاربي، قدّم خلالها دراسات ومنشورات عديدة، وشارك في مؤتمرات علمية وأسهم في تأطير الباحثين، ما جعله أحد أبرز وجوه الدراسات التاريخية في الجزائر.