تجربة الرافعي القصصية عسيرة وملغومة بالصعوبات

الناقد المغربي عمر العسري يتناول في كتابه "القصة والتجريب" تجربة القاص المغربي أنيس الرافعي.


الدعوة إلى الأدب التجريبي في المغرب رافقت طفرة مثيرة، أدت إلى ظهور العديد من الأعمال


ما وراء القص هو ردة فعل على الاستقلالية المتزمتة والصارمة للحداثة الصارخة عن طريق الاعتناق الفج للغة

أكد الناقد والشاعر المغربي عمر العسري أن الدعوة إلى الأدب التجريبي في المغرب رافقت طفرة مثيرة، أدت إلى ظهور العديد من الأعمال خاصة تلك التي وسمت فن القصة بالمغرب بميسم فارز كان له امتداد عند بعض القصاصين دون غيرهم، وبقيت مقومات هذا اللون القصصي غير ثابتة وقواعده مقاعد مريحة ترفض التنميط الأدبي، وتنحو إلى تفجير أشكال جديدة وغير معهودة.
وقال في كتابه الصادر حديثا عن مؤسسة أروقة للدراسات والترجمة والنشر "القصة والتجريب" والذي يتناول فيه تجربة القاص المغربي أنيس الرفعي باعتباره مختبرا تجريبيا لكتابة قصصّية لا تكتفي بمكوّن الحكي، ولا تبالي بالشّخصيات إلّا في تفاعلها مع الكائنات الفيزيائيّة والحيوانية والأشياء والأمكنة: "إذا كان الإبداع القصصي التجريبي يرتبط جذريا بالخلق، فإنه أيضا ينزاح نحو الخرق وتجاوز الأساليب النمطية بكل جسارة وشجاعة، وقد يأتي هذا التأطير في سياق قولة لبيكاسو يرى أن ]كل فعل من أفعال الإبداع هو في المقام الأول فعل من أفعال الهدم[. وهو هدم بغاية اكتشاف أشكال جديدة، ورموز جديدة، ونماذج جديدة يمكن أن تُشيد عليها حياة جديدة محتملة الوجود. ولن يتأتى مثل هذا المبتغى إلا بمشروع كتابي يرى في التجريب الوسيلة والغاية، ويعتمد مبدأ الإحلال والإزاحة، والتنويع والتكثيف، بغاية إخصاب العملية الإبداعية وفتح أفقها على اللاتجنيس الأدبي". 
وأضاف العسري "إننا بصدد رؤية سردية تستعصي على التأويل، فهي لا تكشف عن خباياها الدلالية، كما تؤسس أفقا رمزيا خصبا منفتحا على عدة حقول معرفية وفنية، وبلغة دينامية تخلت عن الوصف التقليدي وراهنت على تقطيع سردي وتبئير على أنموذج بشري أو شيئي منفتح على عدة احتمالات. لقد اصطلح على القصة التجربية بمفهوم ما وراء القص، وهو على العموم كتابة لا تتحمل توصيفها باتجاه في القصة أو أسلوبا كتابيا، إنها كما يقول تيري إيجليتون: ]إن ما وراء القص هو ردة فعل على الاستقلالية المتزمتة والصارمة للحداثة الصارخة عن طريق الاعتناق الفج للغة[. إذا لا يمكن الانطلاق من تعريف موحد لجنس القصة التجريبية، لأنها بكل بساطة ليست جنسا، فهي دائمة التجدد والمزج بين مختلف الطرز في مقابل الطراز الأوحد. إنها تمثيل واع للسرد المتعدد في مقابل السرد المثالي والثابت، والشكل السيميوطيقي في مقابل الشكل الحتمي". 
ورأى العسري أن وجهة نظر القاص التجريبي تغيرت في فترة ما بعد البنيوية عن كل ما يعتبره من المسلمات سواء على مستوى المعايير الجمالية أو الموروث الأكاديمي. فهناك تناقض واضح بين القصص التقليدية الأنيقة، وبين العرض الجديد لهذه القصص، عرض بخلفية توضح طبيعة العناصر المؤسس عليها هذا الوجود. إنها عناصر تضمن تكاملها في تعالق مثير وحوار ملتبس بين القصة التجريبية وباقي الفنون من سينما، وتشكيل، وعمارة،.. إلخ. إنها بمثابة معادل تقنوي تمتح منه وتتنافذ معه.  

في نقد القصة القصيرة
التجريب ليس مفهوما شاسعا أو إطلاقيا

وأشار إلى أن القصة التجريبية تضطلع بوظيفة بعث القصة التاريخية والواقعية بمقدار نرى دلالة من السرد تفوق المباشرة، وتنزع نحو تجريب كليات تذوب بشكل أو بآخر في مشروع قصصي يواصل سرد الحدث القصصي المستقيم بما تتيحه حدود الانفتاح على مرجعيات جديدة أو غريبة عن الواقع. فلم نعد نبحث في القصة التجريبية عن الواقعي أو التاريخي، أو عن الممتع، ولكن بدأنا نألف أسلوبا قصصيا جديدا متعلقا بأدنى عناصر الارتباط بالسرد القصير، ومنفتح تماما على كل الجماليات باعتبارها سندا تخييليا. 
يأتي هذا التأطير في سياق تتبع شبه طويل لتجربة القاص المغربي أنيس الرافعي، التي فتحت نصوصه القصصية ـ وفقا للعسري ـ كوات قرائية لا تتشابه ولكنها تتجاور تبعا لمبدإ تلاقي المتنافرات. هذا التلاقي الذي أسعفنا في تحديد مداخل تجربة قصصية خصبة ذات مشروع كتابي، وتحديد مفاهيمي دقيق، وتنويع في آليات الاشتغال لكن تحت سماء رحبة تدعى التجريب. 
ولفت العسري إلى أن ولادة أنيس الرافعي القصصية لم تكن يسيرة مرفهة، بل كانت عسيرة وملغومة بالصعوبات والعناءات الجسيمة، خاصة وأن القصة القصيرة، في المغرب، تحتل وضعا جيدا بالمقارنة مع باقي أشكال التعبير الأدبي، سواء بكثرة الأسماء التي ارتادت هذا الجنس أو بطبيعة النصوص التي قدمتها، على أن ثمة أسماء محددة لا بد للمتلقي من أن يتوقف عندها وينصت إليها بحذر.
وقال العسري "أنيس الرافعي من الأسماء المغربية والعربية الجديرة بالتوقف والإنصات، سواء من منطلق التلقي أو التأويل، المهم هو طبيعة الكتابة وما تفصح عنه من منطلقات رؤيوية وتمظهرات فنية تكشف عن سمات اختلافية تحيد عن المعتاد والمألوف. وهي سمات كامنة في اللغة نفسها وفي طبيعة الرؤية الفنية. إن أنيس الرافعي في أدائه السردي، كان يحمل عدة معاول، يروم بها تغيير واقع، أو مشهد، أو لقطة، لأنه في كل نص من نصوص القصصية كان يجرب ويستدرج ويستدعي بنيات نصية، وسنادات بصرية مستأصلة من ثقافات بعيدة عن ثقافتنا العربية، ومؤسسة على خطابات ملفوظة أو مكتوبة أو بصرية، فيعلو على السرد بالغرابة، والعجب، والصورة، والبناء. وكان في كل قصة يعمق ويستثمر طاقاته التعبيرية المتنوعة عبر المزاوجة بين التخييل والواقع، وبين التقنية والإرباك، وبين البناء والهدم، وبين الخفة والثقل. وقد لا نحتاج إلى وسائط مسعفة حتى نفسر ما نحن بصدده من لعب واحتيال وادعاء لأننا يجب أن ننظر إلى نصوص أنيس الرافعي القصصية نظرة اعتياد جديدة وإضافة استثنائية.
وباعتبار أن الدراسة مفردة لأعمال القاص المغربي أنيس الرافعي، فإنها انطلقت من فرضية مؤداها أن التجريب ليس مفهوما شاسعا أو إطلاقيا، بل هو تدبير خاص يُستخلص من متن كاتب معين، ومن وعيه الجمالي المصاغ داخل مشغله السردي. إنه تكثيف لمختلف التقنيات والبناءات والانفتاحات النصية والتجديدات اللغوية والأشكال المستخلصة، ومن الأساليب المترسبة. إن فرضيتنا اقتراب وتوقع واستخلاص، لا موروث وصدى وأطر نقدية تخضع لمرجع سابق.