تجريب اللغة وتفكيك الداخل الإنساني في 'هروب من لجوج'
يواصل الكاتب السعودي عبدالعزيز القحطاني حضوره في المشهد الأدبي من خلال عمله الجديد "هروب من لجوج" الصادر عن مؤسسة الانتشار العربي في طبعته الأولى لعام 2025. ورغم أن العنوان يوحي بأن الكتاب يشكّل امتدادًا لعمل سابق، فإن القحطاني يقدّم نصًا مستقلًا بذاته، يعتمد على بناء سردي مفتوح وتناول فلسفي يتجاوز الحكاية إلى الاشتغال على الوعي الإنساني وأسئلته الأكثر عمقًا.
يمثّل الكتاب الصادر عن مؤسسة الانتشار العربي ببيروت، رحلة داخلية مكتظة بالهواجس، إذ يطرح سؤال "الهروب" بوصفه فعلًا ذهنيًا يعكس محاولة الإنسان الانفلات من الضغوط الداخلية قبل الخارجية. الـ"لجوج" في هذا السياق ليس شخصية أو حدثًا بقدر ما هو رمز لضغطٍ مُلحّ، لذكرى ثقيلة أو خوفٍ ملازم، أو فكرة لا تكفّ عن مطاردة صاحبها، وهو ما يجعل النص مساحة مفتوحة للتأمل تتقاطع فيها اللغة الشعرية مع السرد النفسي.
يتبنى القحطاني أسلوبًا يقوم على التقاط المشاهد الداخلية مع سرد الأحداث. الجمل قصيرة ومشحونة بالتوتر، تتحرك بين ثنايا الشعور كأنها تُكتب في اللحظة نفسها. ويأتي تقسيم النص إلى مقاطع مختلفة، كما يظهر في فهرسه، ليعزز هذا الإيقاع السريع الذي يمنح القارئ إحساسًا بأن الهروب حالة مستمرة أكثر منه فعلًا لحظيًا.
ولا يمكن عزل هذا العمل عن التجربة الكتابية السابقة للقحطاني، الذي عرف بكتاباته ذات الطابع التأملي، ومنها مقالاته في كتاب مقال في زمن كورونا وكتابه «من الكَترة». فالعمل الجديد يستمر في توسيع هذا الخط، ويقدم مقاربة نفسية وفكرية للذات في زمن التحولات السريعة والاضطراب الوجودي.
ينتمي الكتاب إلى مسار متنامٍ في الأدب العربي الحديث يعتمد على تجريب اللغة وتفكيك الداخل الإنساني، متخليًا عن البنية الروائية التقليدية القائمة على الشخصيات والحبكات. هنا تكون اللغة هي البطل الحقيقي، بينما تدور الصراعات في المجال الأعمق: صراع الوعي مع ذاته.
في المحصلة، يقدّم عبدالعزيز القحطاني نصًا مفتوحًا على التأويل، ينحاز إلى التجربة الإنسانية في لحظات ضعفها وتوترها، ويضيفه إلى مشروعه الأدبي الذي يزداد وضوحًا ونضجًا. هروب من لجوج 2عمل يتطلب قارئًا متأمّلًا، ويمنحه في المقابل مساحة واسعة لإعادة التفكير في معنى الهروب ذاته.