تجلي فعل المقاومة في أعمال السيد نجم الروائية
عُني هذا الكتاب "المقاومة في الرواية العربية الحديثة.. روايات السيد نجم نموذجا" للناقدة د. زينار قدري بروايات الروائي السيد نجم التي تميزت بملمحها المقاومي، والتي أراد الكاتب من خلالها تسجيل الوقائع التي عاصرها وانعكاساتها على المجتمع المصري والعربي، فعبر عن مضمونها من خلال الأحداث المقاومية.
مضى الكتاب في مقدمة وتمهيد وثلاثة فصول لتكشف عن الجانب المقاومي في الروايات، فاستقرأ في التمهيد المقاومة والأدب الروائي، والسيد نجم حياته وأعماله، وما تميز به جيله، وعرض في الفصل الأول لماهية المقاومة وأنواعها وصورها في الروايات موضع الدراسة، وفي الثاني تناول المقاومة وعلاقتها بالبناء السردي، وفي الثالث ناقش تجلي المقاومة في اللغة السردية، من خلال مستويات اللغة والتفاعل النصي في روايات الكاتب.
وقد أكدت د. زينار قدري في كتابها الصادر عن مؤسسة أروقة للدراسات والترجمة والنشر على أن الدراسات السابقة التي تناولت المقاومة لم تقدم دراسة تحليلية من خلال هذا الفن الروائي، حيث ركزت معظم الدراسات على تقديم مقاربات تعريفية لهذا المصطلح. وقالت "لعل السيد نجم هو من أخلص كثيراً في الجانب التنظيري للمقاومة والمفاهيم المشتقة عنها، وهو ما تبدى في خمسة كتب منشورة، وهي "الحرب: الفكرة - التجربة- الإبداع. المقاومة والأدب. المقاومة والحرب في الرواية العربية. المقاومة والقص في الأدب الفلسطيني الانتفاضة نموذجًا. أدب المقاومة .. المفاهيم والقضايا"، و"ثورة 25 يناير رؤية ثقافية ونماذج تطبيقية"، حيث قدم تعريفًا لأدب االثورة وعلاقته المتلازمة بأدب المقاومة.
الكاتب في أغلب أعماله، يعمل على إيجاد عوامل ترفد الحدث وتمنحه عمقًا وتأثيرا جماليًا، وكان ذلك جليًا في توظيفه للأساطير
وأضافت قدري أن المقاومة في مجملها جملة ردود أفعال تجاه موقف ما، تتخذها جماعة أو نظام أو فرد في مواجهة التهديدات والأخطار والاعتداءات الخارجية أو الداخلية التي تتربص به وتهدد كيانه، وأن أدب المقاومة له عدة خصائص تميزه، وتدخل في تشكيله، من أهمها: أولا؛ أدب واقعي، ملتصق بهموم المجتمع، وثانيا؛ أدب ناقد للمجتمع، حيث يضع أنظاره على نواحي القصور والتخلف، من أجل التطلع إلى الأفضل، واتضح ذلك في الروايات المدروسة فقد اهتم السيد نجم بعدد من القضايا الاجتماعية التي عانى منها المجتمع المصري، وثالثا؛ أدب ملتزم، حيث يعبر الكاتب عن رسالة حقيقية من خلال إيمانه الشديد بقضايا مجتمعه، ورابعا؛ أدب الوعي والحث على تجاوز الأزمات والوعي بالآخر وكشف أخطائه.
ورأت قدري أن روايات السيد نجم قد وظفت المقاومة بنوعيها الإيجابي والسلبي، وقد تمثلت المقاومة الإيجابية في رد الفعل تجاه المعتدي، حيث يظهر فيها العنف سواء حرب أو ضرب أو أي شئ مماثل، بينما المقاومة السلبية، هي التي توجه الفعل نحو الذات، كالصمت وعدم التفاعل مع المجتمع، حيث الصمت لا يعني السكوت فكثيرًا ما يكون صمت الشخصيات في روايات السيد نجم هو للتدبر والتفكير، وهذا يعني أن المقاومة ليست وحدها هي ما تتم باستخدام السلاح، بل قد يكون هناك سلاح معنوي أكثر فتكًا، هو سلاح الصمت والتجاهل والاحتقار، ورفض التعامل مع العدو بشكل من الأشكال، ولعل هذا يذكرنا بطريقة المهاتما غاندي في مقاومة المحتل الإنجليزي للهند.
وهكذا فإن المقاومة لدى الروائي لها أشكالها المباشرة وغير المباشرة، منها البسيط كإزالة عائق ما أمام الذات كي تتحرك إلى الأمام من أجل حياة أفضل، وأكثر رقيًا وكرامة ورفاهية، ومنها المعقد إلى حد الصراع العنيف.
وحول سمات توظيف المقاومة الإيجابية والسلبية في روايات السيد نجم كشفت تحليلات زينار قدري عن عدد من السمات من أبرزها: أولا؛ إظهار مدى قدرة الشخصيات على التفاعل مع ما يعتريها من أفعال ومواقف. ثانيا؛ كشف الوعي الفردي لدى الشخوص. ثالثا؛ المواجهة في المقاومة السلبية تظهر في صورة صراع نفسي مع الذات. رابعا؛ تقدم الصورة السلبية في كثير من الأحيان عن طريق راوٍ آخر. خامسا؛ تعدد وسائل المقاومة ما بين "مادية - معنوية"، فالوسائل المادية تتمثل في استخدام السلاح في مواجهة العدو، أما الوسائل المعنوية فتتجه نحو الذات وتتمثل في الصمت والهروب واللجوء إلى بعض الأفعال التي تدل على جهلهم وتخلفهم في علاج بعض المشكلات كالسلخانة أو صنع ثقب في أذن الوليد الذكر. وأخير؛ فأن جانب المقاومة السلبي هو الغالب في الروايات نتيجة لتأزم الشخصيات، فهي شخوص مأزومة نتيجة للواقع الاجتماعي والسياسي للمجتمع.
وأكدت قدري أن المقاومة لم تأت بصورة واحدة في روايات السيد نجم؛ حيث إنها تتغير بحسب تغير وضعية المجتمع فمثلاً نجد في رواية "السمان يهاجر شرقًا" تتسم المقاومة بإلايجابية، خاصة وأنها تنقل لنا تجربة حصار كتيبة من المشاة على الضفة الشرقية للقناة، بينما تناولت ثلاث روايات عقد الثمانينيات من القرن الماضي في ثلاثية من رواية "أيام يوسف المنسي" التي تتناول المهمشين في مساكن الإيواء الجماعية التي شاعت في بداية عقد الثمانينيات، ورواية "العتبات الضيقة" التي عالجت الفترة الوسطى من العقد نفسه، ثم "الروح وما شجاها" التي انتهت مع بداية الغزو الصدامي من العراق على الكويت، واتسمت المقاومة في هذه الروايات بالسلبية، نتيجة لتأزم البطل وسوء الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للبلاد، بينما رواية "أشياء عادية في الميدان" سيطرت عليها صورة المقاومة الإيجابية وعودة البطولة مرة أخرى.
ولفتت قدري إلى تباين صور الراوي وعلاقته بالمقاومة، فثمة رواية اعتمدت على الرؤية الخارجية التي ينظمها الراوي العليم، وأخرى سيطرت عليها الرؤية الداخلية التي ينظمها الراوي المشارك، وأخرى سيطرت عليها الرؤيتان، ورواية تعددت فيها الرؤى، كما أن الراوي يقوم بسرد الرواية من منظور خاص يمثل رؤية الكاتب ففي رواية "أشياء عادية في الميدان" نلاحظ تعدد الرؤى؛ وذلك بتعدد الثوار ومنظورهم بالنسبة لمشاركتهم في أحداث الثورة، فكل منهم له رؤيته الخاصة ومنظوره الخاص.
وقالت قدري إن السيد نجم استخدم اللغة التي تعبر عن عوالم الشخصيات النفسية، وصراعاتها الداخلية، بل تخير الألفاظ والأساليب التي تدل على مستويات الشخصية فكرًا وثقافة وسلوكًا، كما تجلت اللغة السردية المقاومية على لسان الشخصيات في روايات السيد نجم، تلك اللغة التي عبرت عن الحالة النفسية للشخصيات ورفضهم لما يدور حولهم، بطريقتين إحداهما مباشرة، وأخرى غير مباشرة.
وأضافت أن الكاتب في أغلب أعماله، يعمل على إيجاد عوامل ترفد الحدث وتمنحه عمقًا وتأثيرا جماليًا، وكان ذلك جليًا في توظيفه للأساطير، حيث ينزع إلى الاستلهام من المعين الرمزي والأسطوري لإثراء تجربته السردية، خاصة إن الرواية الحديثة تتعامل مع الأحاديث بعمق، بل تنظر إليها على أنها شبه عادية. كما كان التفاعل النصي مع الأسطورة، نوعًا من أنواع التعبير اللا إرادي عن المشاعر الإنسانية التي تتصارع داخل الوجدان، ولا تخمد إلا عن طريق الهروب منها إلى الخيال، وإلى الحكايات السابقة التي ابتدعها الإنسان البدائي.
ولاحظت قدري أن وظيفة التناص في روايات السيد نجم وعلاقته بالنص من جانب، والمتلقي من جانب آخر، ومنها: أولا؛ حوارية تفاعلية بين النصوص الداخلية مع تلاقي أزمنة هذه النصوص في بؤرة واحدة مما حقق انسجامًا وتنوعًا زمنيًا. ثانيا؛ كم أسهمت هذه النصوص المستدعاة في كسر حدة تسلسل السرد، كوقفات نصية، إعطاء النص تنوعًا لغويًا. ثالثا؛ التأكيد على القضية أو الفكرة المطروحة. رابعا؛ الإثارة والتشويق، كسر حدة الملل والرتابة من النسج على منوال واحد.
وأوصت قدري في ختام كتابها الباحثين الجادين، بأن يهتموا بدراسات الكتاب المجددين أمثال السيد نجم وغيره؛ ليقفوا على التجديد الذي لحق بعناصر البناء السردي. وقالت: "أوصيهم بضرورة التأمل حول هذه الأعمال ليستكملوا دراسة أعماله، فيمكنهم دراسة دلالة الماء في رواياته، كما يمكنهم دراسة الشخصية والمكان في رواياته، وكذلك صور الموت في رواياته، وغيرها الكثير، بالإضافة إلى أعماله القصصية، وأدب الطفل ومعظم هذه الأعمال يظهر فيها الملمح المقاومي، لكني هنا اكتفيت بالأعمال الروائية فقط".