تجنيد الحريديم والموازنة يضعان مصير حكومة نتنياهو على المحك

تنياهو ركّز في الأيام الأخيرة على الحفاظ على ما تبقى من ائتلافه الهش، في ظلّ تصاعد الخلافات الداخلية وتزايد احتمالات الانتخابات المُبكرة.

القدس - يدخل المشهد السياسي الإسرائيلي"المنطقة الحرجة" مع بدء العد التنازلي لثلاثة أشهر ستكون الحاسمة في تقرير مصير الحكومة، فإما البقاء حتى نهاية الولاية، أو الذهاب إلى انتخابات مبكرة في منتصف 2026. وبينما يصارع بنيامين نتنياهو لترميم ائتلافه المتصدع، تبرز معضلة "قانون التجنيد" و"الميزانية العامة" كحجر عثرة قد يطيح بأطول رؤساء وزراء إسرائيل بقاءً في السلطة، في وقت يواجه فيه الجيش نقصاً حاداً في العنصر البشري وسط حروب إقليمية مستعرة.

ويتوجب على البرلمان الإسرائيلي "الكنيست" إقرار مشروع قانون الميزانية العامة حتى نهاية مارس/آذار وإلا سيتم حل الكنيست والتوجه لانتخابات مبكرة.

لكن تهديد حزب "شاس" الديني، الأحد، بعدم التصويت لصالح المشروع في حال عدم إقرار قانون التجنيد الذي يمنح المتدينين اليهود "الحريديم" إعفاءات من الخدمة العسكرية، طرح أسئلة بشأن حتمية الانتخابات المبكرة.

ويرى محللون إسرائيليون أن الانتخابات المبكرة ستصبح حتمية حال تمسك "شاس" بتهديده، لكن آخرين شككوا بتنفيذ الحزب لتهديده في ظل الامتيازات التي يحصل عليها من الحكومة الحالية والتي ستنتهي حال تشكيل أخرى.

وسبق أن هدد حزبا "شاس" (11 نائبا) و"يهدوت هتوراه" (7 نواب)، اللذان يمثلان "الحريديم" بإسقاط الحكومة حال عدم تمرير قانون التجنيد، ما قد يؤدي لانتخابات مبكرة. وانسحب الحزبان بالفعل من الحكومة في النصف الثاني من العام الماضي، لكنهما لم يصوتا ضد الحكومة فحافظت على بقائها.

ويملك الائتلاف الحكومي بما فيه "الحريديم" 68 مقعدا في الكنيست من أصل 120، ويحتاج إلى 61 مقعدا على الأقل للاستمرار في السلطة.

ويواصل اليهود المتشددون احتجاجاتهم ضد التجنيد في الجيش منذ قرار المحكمة العليا عام 2024 إلزامهم بالخدمة العسكرية ومنع تقديم مساعدات مالية للمؤسسات الدينية التي يرفض طلابها التجنيد.

و"الحريديم" يشكلون نحو 13 بالمئة من سكان إسرائيل البالغ عددهم نحو 10 ملايين نسمة، وهم يرفضون الخدمة العسكرية، بدعوى تكريس حياتهم لدراسة التوراة، وأن الاندماج في المجتمع العلماني يهدد هويتهم الدينية.

وتصاعدت الانتقادات في إسرائيل لحكومة نتنياهو، على خلفية تهرب "الحريديم" من التجنيد وسط معاناة الجيش من نقص عددي أثناء شنه عدة حروب إقليمية.

مناورات نتنياهو

المحللة السياسية بصحيفة "يديعوت أحرونوت" موران أزولاي، قالت اليوم الاثنين، إن نتنياهو ركّز في الأيام الأخيرة على الحفاظ على ما تبقى من ائتلافه الهش، في ظلّ تصاعد الخلافات الداخلية وتزايد خطر الانتخابات المُبكرة.

وأضافت أن رئيس الوزراء يرغب في الحفاظ على الائتلاف متماسكًا حتى آخر موعد ممكن قبل الانتخابات المتوقعة حاليًا في سبتمبر/أيلول، لكن قد لا يكون لديه مجال كبير للمناورة، لافتة إلى أنه أصدر أخيرا تعليماته لمساعديه بالاستعداد للانتخابات في أقرب وقت ممكن في يونيو/حزيران.

وقالت أزولاي "بينما يفضل تجنب هذا الجدول الزمني، تقول مصادر سياسية إنه يدرك مدى سرعة تدهور الوضع"، مضيفة "كان نتنياهو يفترض أن الأحزاب الدينية بحاجة إلى ميزانية الدولة بقدر حاجته إلى الوقت السياسي، لأن استمرار مشاركتها في الائتلاف يضمن تمويلًا قد لا يكون متاحًا في ظل حكومة أخرى، لكن التطورات الأخيرة أبرزت أن قضية واحدة تطغى على جميع القضايا الأخرى لدى الرأي العام الحريدي: التجنيد الإجباري".

ووفق أزولاي "في البداية، تعامل المقربون من نتنياهو بهدوء مع التهديد الأخير، معتقدين أن رئيس الوزراء لا يزال بإمكانه إقناع الفصائل الحريدية بدعم الميزانية (..) لكن هذا التقييم تضاءل مع مرور الساعات ويبدو أن الأحزاب تعمل بشكل متزايد في إطار حملات انتخابية، مع تصاعد حدة الخطاب".

حملات مبكرة

وأشارت أزولاي إلى أن نوابا من التيار الحريدي "يُقرّون الآن، في جلساتٍ خاصة، بأنه بغض النظر عن وعود نتنياهو، فمن غير المرجح أن يُقرّ مشروع القانون"، متابعة "يُشكّل هذا المأزق وجهين لعملة واحدة. فالانسحاب من الائتلاف يعني التخلي عن الميزانيات وخوض الانتخابات من موقعٍ أضعف، دون السيطرة على الوزارات الحكومية الرئيسية، ومع ذلك، يعتقد بعض أعضاء حزب الليكود الحاكم أن هذا المأزق قد يُفيد نتنياهو في نهاية المطاف".

واستدركت "يُجادل المستشارون السياسيون بأن نتنياهو هو الزعيم الوحيد القادر على تقديم مشروع قانون مقبول لدى الحريديين في ظل الظروف السياسية الراهنة، وأنه قد يكون من الأنسب له تأجيل التشريع إلى ما بعد الانتخابات".

وأضافت "يُحذّر المستشارون من أن إقرار القانون الآن قد يُضرّ به سياسيًا، بينما يُتيح للأحزاب الحريدية حرية التفاوض مع أي شركاء مُحتملين في الائتلاف".

واعتبرت أزولاي أنه "في غضون ذلك، وبغض النظر عما إذا كان الكنيست سيُحلّ بحلول مارس/آذار أم لا، فإن النظام السياسي الإسرائيلي مُنخرطٌ بالفعل في حملة انتخابية حامية، ومن المتوقع أن تزداد حدّتها".

حرص حريدي

من ناحيته، اعتبر المحلل السياسي في صحيفة "معاريف" العبرية ماتي توشفيلد، أن تهديدات الأحزاب الدينية قد لا تكون جدية، موضحا أن "الإغراء قد يكون للبقاء في الحكومة والاستمرار في الاستمتاع بمتع الحكومة قدر الإمكان قوة".

وأضاف "هدد رئيس حزب شاس آرييه درعي بالفعل بإسقاط الحكومة أكثر من مرة، لكنه، كما كان متوقعا، لم يكن في عجلة من أمره لتنفيذ تهديده". وتابع "كما هو معروف، منذ أبريل/نيسان، مر أكثر من أسبوع أو أسبوعين، وإن لم يكن ذلك كافيا، تم اعتقال عدة طلاب متدينين بعد إعلانهم متهربين من الخدمة، لكن شاس لم يسقط الحكومة".

بينما اعتبر سام سوكول المحلل السياسي في موقع "تايمز أوف إسرائيل" الإخباري، أن "دعم أعضاء الكنيست الأحد عشر المنتمين لحزب شاس سيكون حاسماً لإقرار الميزانية قبل الموعد النهائي في 31 مارس/آذار، وتجنب حل الكنيست، وما قد يترتب عليه من انتخابات مبكرة".

وأضاف "على مدار العام ونصف الماضيين، سعت القيادة الحريدية جاهدةً لإصدار قانون يُعفي أتباعها من الخدمة العسكرية، وذلك بعد أن قضت المحكمة العليا بعدم قانونية الإعفاءات الشاملة التي مُنحت لطلاب المعاهد الدينية الحريدية المتفرغين، والتي استمرت لعقود".