تحالف 'تأسيس' يشكك في وساطة القاهرة لانهاء أزمة السودان

التحالف يعتبر أن غطاء الحفاظ على مؤسسات الدولة هو مبرر لتقوية طرف على حساب آخر، متهما القاهرة بدعم الجيش السوداني بالسلاح والعتاد. 

الخرطوم/القاهرة - يعكس رفض تحالف "تأسيس" السوداني، الذي يصنف كواجهة سياسية مدنية تدعم الرؤية التي تطرحها قوات الدعم السريع لإرساء سلام عادل وشامل، وساطة مصرية لوقف الحرب، غياب الثقة في القاهرة، على خلفية علاقاتها الراسخة مع عبدالفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة قائد الجيش السوداني، في إطار مقاربتها التي تقوم على أن القوات المسلحة هي الضامن لمنع انهيار الدولة.

وقال "تأسيس" في بيان، إن "القاهرة تفتقد صفة الوسيط النزيه"، متهما إياها بتزويد الجيش السوداني بالسلاح والعتاد والذخيرة، معتبراً أن غطاء "الحفاظ على مؤسسات الدولة" هو مبرر لتقوية طرف على حساب آخر. 

وأثار المصدر نفسه قضية حساسة تتعلق باللاجئين، حيث اتهم السلطات المصرية بتسليم فارين من النزاع للجيش السوداني وبإجبار بعضهم على الانخراط في العمليات العسكرية، وهو ما تنفيه القاهرة مؤكدة التزامها بالمواثيق الدولية في التعامل مع ضيوفها من السودانيين.

ويرى التحالف أن الدور المصري الحالي يمثل حجر عثرة أمام المسارات الإقليمية الأخرى مثل مسار الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية "إيغاد" أو "منبر جدة" من خلال محاولة فرض رؤية تتماشى مع مصالح الجيش.

ومن الجانب الآخر، تنطلق القاهرة في تعاملها مع الأزمة السودانية من مبادئ تراها "أمنًا قوميًا" لا يقبل التهاون، حيث تعتبر القوات المسلحة السودانية المؤسسة الشرعية الوحيدة التي تضمن وحدة البلاد ومنع انهيار الدولة وتحولها إلى بؤر للميليشيات.

وتخشى مصر من سيناريوهات التقسيم التي قد تنتج عن إضعاف الجيش، مما يؤثر مباشرة على حدودها الجنوبية وأمنها المائي وتدفع باتجاه قطع الطريق أمام أي تدخلات خارجية قد تستخدم أطرافاً غير نظامية لزعزعة استقرار المنطقة.

ويضم تحالف تأسيس الذي تأسس العام الماضي مجموعة من القوى السياسية، الحركات المسلحة المنشقة والقيادات الأهلية والمجتمعية ويطرح نفسه كبديل للنخب السياسية التقليدية ويتبنى خطاباً يركز على تفكيك "دولة 1956" وهو مصطلح سياسي يستخدم لوصف الدولة السودانية منذ الاستقلال بأنها "مركزية إقصائية"، ويطالب بحقوق الأقاليم المهمشة خاصة دارفور وكردفان والنيل الأزرق.

كما يدعو التحالف إلى حل القوات المسلحة الحالية وبناء جيش وطني مهني جديد، وهو ما يتقاطع تماماً مع خطاب قوات الدعم السريع. ويرى أن الجيش السوداني مختطف من قبل الإخوان، وبالتالي يرفض أي تفاوض يعيد الوضع إلى ما قبل 15 أبريل/نيسان 2023.

ورغم اتهامات "تأسيس"، تظل مصر لاعباً لا يمكن تجاوزه في أي حل نهائي نظراً للجغرافيا والتاريخ المشترك. إلا أن هذا الصدام يشير إلى أن أزمة الثقة وصلت إلى ذروتها، حيث ترى قوات الدعم السريع وحلفاؤها أن أي طاولات مفاوضات ترعاها القاهرة ستنتهي بالضرورة لصالح خصمهم.

ويمكن القول إن رفض التحالف للوساطة المصرية ليس مجرد موقف عابر، بل هو تعبير عن رغبة في تحييد القوى الإقليمية الكبرى الداعمة للجيش السوداني، ومحاولة للبحث عن مظلات دولية تمنح الدعم السريع وضعية "الشريك المكافئ" لا "المتمرد".

وتعد الحرب المستمرة منذ نحو ثلاث سنوات واحدة من أكثر النزاعات تدميراً في التاريخ الحديث للقارة الأفريقية، حيث لم تقتصر آثارها على المواجهات العسكرية، بل امتدت لتدمر البنية التحتية والنسيج الاجتماعي والاقتصادي للبلاد.

وتشير التقديرات الأممية والدولية إلى مقتل عشرات الآلاف وتشريد أكثر من 11 مليون سوداني، فيما يواجه أكثر من 25 مليون سوداني (نصف السكان تقريباً) خطر الجوع الحاد.

وتجاوزت الحرب مرحلة الصراع إلى الانهيار الشامل للدولة. وكل يوم يمر دون تسوية سياسية، تزداد تكلفة إعادة الإعمار التي تُقدر الآن بمئات المليارات من الدولارات، وتحتاج البلاد لعقود لجبر الأضرار النفسية والاجتماعية.