تحديات القراءة من الورقي والإلكتروني
بقلم: رانيا مسعود
نقف حائرين في اختياراتنا بين أن نغرس في أطفال هذا الجيل قيمة القراءة من الكتاب الورقي أو السعي نحو الإلكتروني، وما للاثنين من مزايا وعيوب. فالكتابُ الورقيُّ لا غنى عنه كما أنه لا ينبغي أن يُترَك بالكلية، أما الإلكتروني فهو من تحديات العصر التي لا ينبغي أن نعيش في معزلٍ عما يطرأ عليه من تقنيات حديثة ومتطورة. إلا أن المجلات الورقية وما يصيبها من ركود في بعض الأحيان وعدم الرواج المستمر لها قد يصيبنا نحن الكُتَاب بخيبة أمل وحسرة على أجيالٍ مضت وأجيالٍ قادمة لا تعرف مما مضى من عصور الصحافة ونشر الثقافة شيئًا يجعلها تقترن بالكتاب أو بعادة القراءة والثقافة بنوعيها: ورقيةً كانت أو إلكترونية.
ومؤخرًا ناقشَ مركز بحوث أدب الطفل بالمنيل بالقاهرة في لقائه بالأدباء المعنيين بأدب الطفل وثقافته أمرَ تحدي المجلات الورقية، وقد لفتني الأستاذ المربي والمعلم الفاضل يعقوب الشاروني والحاصل على أعلى جوائز الإبداع في مجالات الكتابة للطفل إلى أن الرسومات التي لا بد أن تقدم للطفل من خلال المجلات والمطبوعات الورقية ينبغي لها أن تكون من الدقة بما يجعلها تقدم للطفل المعلومة بسلامة، في الوقت الذي يطالب فيه الشاروني أن تكون هناك أقسام خاصة برسوم الأطفال في الكليات العملية التي تدرِّسُ الفن لطلابها.
واستوقفني ما قد يجعلنا جميعًا ندور في حلقةٍ مفرغة أن المثقف المنوط بحماية الأدب والتعبير بلغةٍ خاصة للطفل وللشاب المراهق يعيشُ في معزل عنه تمامًا ولا يصل إليه إلا عن طريق المطبوعات الورقية، والتي قد لا تصل في زماننا هذا إليه كما تصل إليه المعلومات المرئية عن طريق الأجهزة الحديثة والمواكبة لتطورات العصر.
إن علينا أن نتكاتف ونتعاون في إخراج ما لبحوث الأطفال وما تقدم من أطروحات في الماجستير والدكتوراه في الإعلام وثقافة الأطفال للنور، ونركز عليه باهتمام ونقيم ورش العمل المثمرة للكُتَّاب المبدعين من المثقفين الموهوبين، وليس ثمة داع أن تقتصر فقط الموهبة في الكتابة للطفل وتطويرها على الأكاديميين والتوجيهات على أساتذة الجامعات والمُعَيَّنِين فيها، بل على كل باحثٍ أن يحتك بالمجال لكي يقدِّمَ لنا ما ينفع به أمتنا، فكثيرٌ من الكُتَّاب الممارسين للكتابة لا يعملون في الجامعة وليسوا أكاديميين، وأستاذنا العقاد بما ألَّفَ من مؤلفاتٍ لم يتجاوز الابتدائية، وبهذا فإن علينا أن ندرك أن فكرةً واحدةً نابعةً من كاتب لم يكمل دراسته الجامعية ويُعَيَّن بها أهم من أفكار متعددة لا تجاوز الحيز الضيق من مدرجات الجامعة.
إن فكرة تجاور الدور المعني بالتثقيف ودور الأكاديميين ممارسي التدريس بالجامعة لا بد أن تكون ملموسةً في كل ما تقيمه الكليات بالجامعات المصرية ليرتبط الخريج الدارس منذ زمن بخبراته المكتسبة خارج إطار الحياة الجامعية، بالأكاديمي الذي يتعامل مع الطالب الدارس بها. أما أن تكون الفعاليات مقتصرة فقط على الأكاديميين أو على المشاهير في توجيه الرأي العام باعتبارهم النخبة المثقفة فهذا يجعل من الأمر ما يزيده تعقيدًا خاصةً أن أمر التربية للأجيال القادمة هو مهمة كل فئات المجتمع والتي لا يمكنها أن تحضر في الغالب هذه الفعاليات إلا إذا دُعِيَت إليها بصفة رسمية بما يجعلها ترى اهتمامًا واضحًا وتثمينًا غاليًا لرأيها مع ما يسمى بالنخبة.
وفي تجربتنا في مؤسسة عبدالقادر الحسيني مثلًا، وهي إحدى المؤسسات الثقافية الخاصة، نطرح في ندوات أدب الأطفال أهمية الترجمة للطفل، كما أننا نأتي بأدباء بعضهم من باحثي الماجستير والدكتوراه، وبعضهم من المواهب الشابة أو حتى المواهب الناضجة المتمرسة في مجال أدب الأطفال. وفي إحدى هذه الندوات ناقشنا مباشرةً مع بعض الشباب من المراهقين أمرَ وجود مجلات تهتم بتقديم ما يفيدهم، وما يمكن لهذه المجلات أن تجتذب به هذه الفئة التي تعاني من التهميش، مع وجود ما تبذله الدولة من اهتمام بها، وكان رأيهم أن وجود تلك المطبوعات قد يكون عبئًا على الدولة بما تتكلفه من أمور الكتابة والطباعة، وأن أمر الوصول إلى الشباب اليوم أسرع مما كان عليه في الماضي عن طريق التواصل معهم إلكترونيًّا.
إن إنذار الشباب هذا الذي يوجهونه إلينا في لقاءاتهم لا بد أن يُراعى، لأنه أكبر من مجرد إلقاء كلمات فقط للعامة، بل ربما يتجاوز إلى صمت صرخاتهم الواضحة التي لا يجب أن نغفلها. وعلينا أن نترك غرفنا المغلقة ومؤتمراتنا المقتصرة فقط على المبدعين والكُتاب والأكاديميين لنبذل مجهوداتنا بالبحث الميداني والمسح الحي بثًّا بين هؤلاء الفئات من الشباب والذين تشملهم مرحلة الطفولة المتأخرة باعتبارهم مراهقين لم يصلوا بعد إلى طور النضوج.
شاعرة وناقدة وعضو اتحاد كتاب مصر - باحثة ماجستير في الإعلام وثقافة الأطفال بكلية دراسات الطفولة