تحرك برلماني لفتح ملف تجنيد مرتزقة عراقيين لصالح الجيش الروسي

السلطات العراقية تتجه نحو اتخاذ إجراءات صارمة لمنع الزج بمواطنيها في حروب خارجية.

بغداد - أعلنت لجنة العلاقات الخارجية في البرلمان العراقي، عن تحرك رسمي داخل مجلس النواب لفتح ملف تجنيد المواطنين العراقيين في الحرب الدائرة بين روسيا وأوكرانيا، معتبرة ذلك ظاهرة مقلقة تمس سيادة العراق وتهدد أمن مواطنيه، وسط تحذيرات من سفارة بغداد في موسكو بشأن محاولات استدراج الشباب العراقي إلى أتون صراع خارجي لا ناقة لهم فيه ولا جمل.
جاء هذا التحرّك بعد تصاعد التقارير الإعلامية التي كشفت عن وجود آلاف العراقيين، معظمهم من فئة الشباب، ممن جرى استدراجهم إلى ساحات القتال في أوكرانيا ضمن صفوف الجيش الروسي. وتؤكد اللجنة البرلمانية أن السلطات العراقية تتجه نحو اتخاذ إجراءات صارمة لمنع الزج بمواطنيها في حروب خارجية، خصوصاً تلك التي لا تمت للمصلحة الوطنية العراقية بصلة، وعلى رأسها الحرب الروسية الأوكرانية المستمرة منذ عام 2022.
وأكد النائب مختار الموسوي، عضو لجنة العلاقات الخارجية في تصريح لموقع شفق نيوز الكردي العراقي أن تحرّك البرلمان يهدف إلى كشف ملابسات القضية وتحديد الجهات التي تسهّل هذا الاستقطاب، سواء داخل البلاد أو خارجها، قائلاً "الشباب العراقي يُغرّر به عبر وعود كاذبة بالمال والجنسية، في ظل بطالة مرتفعة تدفع البعض نحو خيارات خطيرة لا عودة منها".

الشباب العراقي يُغرّر به عبر وعود كاذبة بالمال والجنسية

وبحسب تقرير موسع نشرت في الموقع ذاته، تم استدراج ما لا يقل عن 5000 شاب عراقي للعمل كمقاتلين في مناطق القتال الروسية-الأوكرانية، منذ اندلاع الحرب في فبراير/شباط 2022. ويتنوع مسار التحاقهم، بين التهريب والسفر بتأشيرات سياحية أو علاجية، أو حتى اللجوء الإنساني، خصوصاً بين الإيزيديين المقيمين في موسكو، والذين يُقال إن بعضهم انضم بالفعل إلى القتال.
ويجري التجنيد من خلال وسطاء يعملون في محافظات عراقية عدّة، أبرزها بغداد والبصرة والنجف، ويقدّمون عروضًا مغرية برواتب تبدأ من ألفي دولار شهرياً، إضافة إلى وعود بالحصول على الجنسية الروسية، أراضٍ سكنية، وضمانات لعائلاتهم.
وأكدت لجنة العلاقات الخارجية أنها سترفع الملف إلى رئاسة البرلمان وتدعو لاستدعاء مسؤولين من وزارتي الخارجية والهجرة، للوقوف على حجم هذه الظاهرة ومنع تفاقمها. كما شددت على أن على وزارة الخارجية تفعيل دور سفارتها في موسكو لمتابعة العراقيين هناك، وقطع الطريق أمام محاولات تجنيدهم.
بالتوازي، أصدرت السفارة العراقية في روسيا بياناً شديد اللهجة، حذرت فيه العراقيين من الانخراط في الحرب، مؤكدة عدم وجود أي كيان رسمي معترف به يمثّل الجالية العراقية في روسيا، في إشارة إلى تصريحات حيدر الشمري، الذي وصفته بعض التقارير بـ"رئيس الجالية"، والذي صرّح بأن نحو ألفي عراقي يقاتلون ضمن صفوف الجيش الروسي بعقود رسمية.
وتشير المعلومات إلى أن القانون الروسي يتيح للأجانب المقيمين في روسيا والناطقين بلغتها التعاقد مع الجيش الروسي بشكل قانوني، بعقود تصل قيمتها إلى 3000 دولار شهرياً. ورغم أن ذلك يتم ضمن إطار قانوني روسي، إلا أن البرلمان العراقي يرى في هذا المسار مساساً بكرامة المواطن العراقي وخرقاً واضحاً للسيادة، خصوصاً عندما يكون التجنيد مدفوعاً بظروف اقتصادية قاهرة تستغلها جهات خارجية.
وأشارت التحقيقات الصحفية إلى أن عمليات التجنيد بدأت مع دخول مجموعة "فاغنر" الروسية على خط استقطاب المقاتلين الأجانب عام 2023، حيث نشطت شبكات محلية عراقية تعمل كوسطاء، بعضها على صلة غير مباشرة بفصائل مسلحة. وجرى إرسال بعض المتطوعين عبر سوريا إلى أوكرانيا، حيث انضموا لاحقاً إلى قوات جمهوريتَي دونتسيك ولوغانسك الانفصاليتين.
وفي يوليو/تموز 2024، ظهرت قضية الجندي العراقي "محمد عدي العابدي"، في تقرير لقناة روسية، التي وصفته بـ"رمز الشجاعة"، مشيرة إلى أنه مقاتل في الجيش الروسي من أصول عراقية. الأمر أثار جدلاً واسعاً في بغداد، وسلّط الضوء على تنامي هذه الظاهرة.
وبحسب تقارير محلية، فإن حوافز مالية مغرية – تشمل رواتب بالدولار، وجنسية روسية، وتعويضات لعوائل القتلى قد تصل إلى 80 ألف دولار – لعبت دوراً رئيسياً في جذب العراقيين نحو هذا المسار، في وقت يعاني فيه البلد من نسب بطالة مرتفعة، وتراجع في مستويات الدخل والمعيشة.
التحرك الحالي من قبل البرلمان العراقي يمثل خطوة أولى في مسار طويل لحماية العراقيين من الوقوع فريسة لمصالح دولية وصراعات لا تعنيهم. ومع وضوح الموقف الرسمي الرافض لانخراط المواطنين في أي حرب خارج الحدود، تبقى الحاجة ملحّة لتعاون وزاري وأمني ودبلوماسي لوقف هذه الظاهرة، والضغط على الجهات الدولية لمنع استخدام الشباب العراقي كوقود في معارك لا تخصهم.