تحرك عراقي لاحتواء ظاهرة تجنيد الشباب كمرتزقة
بغداد - يعكس تذكير رئيس مجلس القضاء الأعلى في العراق فائق زيدان اليوم الأربعاء بأن القانون يعاقب بالسجن كل من يلتحق بالقوات المسلحة لدولة أخرى دون موافقة الحكومة، محاولة عراقية لاحتواء ظاهرة تحول العراقيين إلى وقود لصراعات دولية.
وتعيش الساحة العراقية حالة من الاستنفار القانوني والأمني بعد رصد تصاعد في محاولات تجنيد الشباب للقتال في أوكرانيا، وتحديداً ضمن صفوف القوات الروسية أو المجموعات المتعاقدة معها. هذا التحرك الرسمي لا ينفصل عن الواقع الاقتصادي المرير الذي يواجهه الشباب العراقي، حيث باتت البطالة هي الثغرة الأكبر التي تنفذ منها شبكات الاتجار بالبشر.
وتركز لقاء جمع اليوم الإربعاء زيدان مع مستشار الأمن القومي قاسم الأعرجي، رفقة لجنة الأمر الديواني المعنية بمكافحة تجنيد العراقيين للقتال في روسيا على بحث معالجة أوضاع المواطنين المتورطين في المعارك الجارية في أوكرانيا، وفق بيان لمجلس القضاء الأعلى نقلته وكالة الأنباء العراقية (واع).
ويأتي هذا التحرك الرسمي في إطار جهود بغداد للحفاظ على سيادة قرارها الوطني، ومنع استغلال مواطنيها كـ"مرتزقة" في الصراعات الدولية. كما يعد تأكيدا على التزام العراق بمبدأ النأي بالنفس عن المحاور العسكرية الخارجية، وضمان عدم ملاحقة مواطنيه دوليا بتهم تتعلق بالقتال غير المشروع.
وفي سبتمبر/أيلول الماضي أصدرت محكمة الجنايات بمحافظة النجف العراقية حكما بالسجن المؤبد عن جريمة "الاتجار بالبشر" لمواطن عراقي أدين بتكوين جماعات وإرسالها إلى للقتال في دول أجنبية مقابل أموال.
وقال إعلام عراقي إن الشخص المدان أرسل عراقيين للقتال مع روسيا في معاركها ضد أوكرانيا. وتنص المادة 165 من قانون العقوبات العراقي على أنه "يعاقب بالسجن المؤقت كل من قام بغير إذن من الحكومة بحشد عسكري ضد دولة أجنبية أو رفع السلاح ضدها، أو التحق بأي وجه بالقوات المسلحة لدولة أخرى في حالة حرب معها أو قام بأي عمل عدائي آخر ضدها". وتصل العقوبة إلى الإعدام والمؤبد اذا ارتكبت الجريمة ضد دولة عربية أو ترتب على ذلك قيام حالة حرب بين العراق وتلك الدولة.
ومنذ 24 فبراير/شباط 2022، تشن روسيا هجوما عسكريا على جارتها أوكرانيا وتشترط لإنهائه تخلي الأخيرة عن الانضمام إلى كيانات عسكرية غربية، وهو ما تعتبره كييف "تدخلا" في شؤونها.
ووفق تقارير صحفية دولية، تم رصد حالات لتجنيد مواطنين من دول عربية للقتال ضمن صفوف الجيش الروسي خلال الهجوم على أوكرانيا، مقابل تسهيلات تمنحها موسكو، أبرزها الحصول على الإقامة أو الجنسية الروسية.
وأثارت تلك الحالات مخاوف في عدد من البلدان العربية بشأن استغلال مواطنيها عبر شبكات تجنيد تعمل خارج الأطر القانونية.
وبينما تحاول الحكومة العراقية مكافحة هذه الظاهرة، يبقى التحدي الأكبر هو معالجة جذورها، فالتصدي القانوني، رغم أهميته القصوى، يحتاج إلى تدعيم من خلال توفير فرص عمل حقيقية تحمي الشباب من الوقوع في فخ "الإغراءات الخارجية" التي تبيعهم الموت تحت مسميات الهجرة أو العمل الأمني.
وتعتمد شبكات التجنيد على تقديم حوافز مغرية يصعب على شاب عاطل عن العمل في المحافظات العراقية مقاومتها، وتشمل مبالغ مالية بالدولار تتجاوز أضعاف ما قد يحصل عليه الشاب في السوق المحلي (في حال وجد عملاً) وتقديم وعود بمنح الجنسية الروسية للمقاتل ولأفراد عائلته، وهو ما يراه البعض "تذكرة عبور" لحياة جديدة بعيداً عن ضغوطات الداخل، بالإضافة إلى وعود بصرف تعويضات مالية كبيرة في حال الإصابة أو الوفاة لذوي المقاتل.