تحقيق قطر في انتهاك حقوق العمال يكشف عجز نظامها المالي

بيان قطري حول نتائج التحقيق في سبب تأخر دفع أجور العمال يخفي اسم الجهة الحكومية التي تعاقدت معها الشركتان والمسؤولة عن السيولة المالية.


الدوحة أصدرت في مارس ثاني أكبر أدوات دين في تاريخها


تعامل مفاجئ مع اضراب العمال يخفي أزمة مالية خانقة


سرعة في تسديد رواتب العمال المضربين لتجاوز الفضيحة


نقص حاد في السيولة بمصارف قطر بعد سحب مؤسسات وأفراد في السعودية والإمارات ودائعهم وأصولهم


"هيومن رايتس ووتش" تطالب السلطات القطرية بتعديل قانون العمل

الدوحة - كشف الرد القطري عن انتهاكات حقوق الإنسان في ملف العمالة الوافدة التي نفذت منذ أيام اضرابا عن العمل في مشاريع البني التحتية لمونديال 2022، عن عمق الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها الدوحة.

وأصدر مكتب الاتصال الحكومي في قطر بيانا ملتبسا ومراوغا قال إنه يخص "نتائج التحقيق في الإضراب السلمي لعدد من العمال".

وقال البيان إن السلطات "فتحت تحقيقا في الإضراب الذي نفذه عمال في منطقة الشحانية يوم الرابع من أغسطس الجاري وقد تم اعتقال الموقعين المفوضين من الشركتين المعنيتين".

وزعم البيان أن "السبب وراء التأخير في دفع أجور العمال جاء نظراً لوجود تدفق نقدي سلبي لدى الشركتين حدث نتيجة التأخر في الدفع من قبل عناصر أخرى في سلسلة التوريد"، دون ذكر تفاصيل عن تلك "العناصر" المسؤولة عن السيولة المالية التي تعاقدت معها الشركتان أو تسميتها.

ورجحت مصادر مطلعة أن الجهة التي لم يتم ذكرها في البيان ما هي إلا شركات حكومية أو مدعومة بشكل مباشر من الحكومة التي تمر بعجز مالي خانق فشلت في تجاوزه وحصر ارتداداته.

وسارعت السلطات القطرية بتسديد رواتب العمال المضربين لتجاوز الفضيحة وإغلاق ملف انتهاك حقوق العمال الذي يطفو على السطح كلما تجندت الدوحة لإخفائه.

وأوضح بيان مكتب الاتصال الحكومي أنه "قد تم دفع مستحقات جميع العمال عن طريق نظام حماية الأجور في السادس من أغسطس الجاري، وذلك بعد التباحث مع أصحاب المصلحة"، مشيرة إلى أنه "من حق أي عامل تغيير صاحب العمل نتيجة لانتهاك الشركتين لقانون العمل".

وجاء الرد القطري المراوغ بعد أيام من فضيحة الإضرابات التي نفذها عمال في منشآت رياضية لكأس العالم 2022 في قطر.

وتداول نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي منذ الأسبوع الماضي مقاطع فيديو لمظاهرات غير مسبوقة لعمال في قطر، احتجاجا على أوضاعهم.

وظهر في الفيديوهات حشود كبيرة من العمال الوافدين وهم يقطعون أحد الطرق لتنفيذ إضراب عن العمل نتيجة الظروف القاسية التي يعيشونها وعدم حصولهم على مستحقاتهم.

وأبدت السلطات القطرية مرونة غير معهودة في التعامل مع إضرابات العمال الأخيرة، حيث وثّقت شهادات ميدانية مواكبة شرطة مكافحة الشغب لعمّال مضربين ومتجمّعين في منطقة المدينة الآسيوية بالدوحة دون أن تحاول تفريقهم بالقوّة.

ونُقل عن عامل شارك في الإضراب قوله إن رجالا قطريين يشتبه في أنهم من كبار مسؤولي وزارة العمل وفدوا إلى المكان "ليهدئوا الناس، وقالوا لنا إنهم سيجدون حلولا".

وأرجع مراقبون سلوك الدوحة المفاجئ والذي عرف عادة بعدم تسامحه مع أي حركة احتجاج، إلى الرغبة في تطويق الأزمة وتفادي أي صدى إعلامي لها من شأنه أن يكشف حجم الصعوبات التي تمر بها قطر خصوصا بعد حملة المقاطعة التي نفذها ضدها جيرانها منذ 2017 بالإضافة إلى اقتراب نهاية منشآت الموعد الكروي الأهم في العالم.

وقطعت السعودية والإمارات والبحرين ومصر في يونيو/حزيران من 2017 العلاقات الدبلوماسية وخطوط النقل مع قطر، بسبب دعم الدوحة الإرهاب.

ويشهد الجهاز المصرفي القطري نقصا حادا في السيولة نتيجة سحب عدد كبير من المؤسسات والأفراد في دول مجلس التعاون الخليجي جزء من ودائعهم وأصولهم الموجودة في قطر، خاصة من الإمارات والسعودية.

وقفزت قيمة إصدارات دولة قطر من أدوات الدين المحلية، خلال النصف الأول من العام الجاري بنسبة 45.57 بالمائة على أساس سنوي بسبب تداعيات المقاطعة.

وبلغت قيمة إصدارات مصرف قطر المركزي المحلية خلال الستة الأشهر الأولى من 2019 نحو 28.75 مليار ريال (7.92 مليار دولار)، مقارنة بـ 19.75 مليار ريال (5.44 مليار دولار) بالفترة المناظرة من العام الماضي.

وتضمنت الإصدارات القطرية، السندات الحكومية، والصكوك الإسلامية، إلى جانب أذون الخزانة.

ويأتي ارتفاع إصدارات الدين المحلية في قطر، رغم توقعات وزارة المالية القطرية بتسجيل فائضا في الموازنة العامة بقيمة 4.3 مليار ريال في 2019، إذ قدرت الوزارة تحصيل إيرادات بـ211 مليار ريال، مقارنة بمصروفات بقيمة 206.7 مليار ريال.

وفشلت الدوحة في الالتزام بتحقيق وعود سابقة خاصة بتعديل قوانين العمالة لديها بسبب الأزمة المالية التي تمر بها، وتوجيه أنظارها نحو تمويل مشاريع أكثر أهمية من حقوق الإنسان مثل دعم الجماعات الإسلامية والاستثمار في تعزيز نفوذها الخارجي في بعض بلدان العالم التي تشهد صراعات.

وقالت منظمة "هيومن رايتس ووتش" في تقرير حديث لها إنه على الرغم من تفعيل بعض الإصلاحات العمالية على مدار السنة الماضية، لم تلغِ السلطات القطرية نظام الكفالة الاستغلالي، الذي يغذّي الانتهاكات ويمنح أصحاب العمل سلطة مفرطة على العاملين. ولا يزال القانون القطري يحظر على العمال الوافدين الانضمام إلى نقابات أو المشاركة في إضرابات".

وطالبت المنظمة السلطات القطرية بتعديل قانون العمل بما يضمن لجميع العمال، الحق في الإضراب وحرية التنظيم والتفاوض الجماعي. وقالت إنه "ينبغي على قطر أيضا أن تلغي نظام الكفالة بالكامل، بما يشمل السماح للعمال بتغيير وظائفهم دون الحاجة إلى موافقة صاحب العمل

وتصدت السلطات القطرية منذ أشهر إلى محاولة مجموعة من العمال الوافدين الاحتجاج على سوء ظروفهم المهنية وتأخر رواتبهم، حيث تم منعهم من التظاهر ليتحوّل الاحتجاج السلمي إلى أعمال شغب نجمت عنها خسائر مادية، في ظلّ تعتيم إعلامي تام من مختلف وسائل الإعلام القطرية.

ورغم انفاقه لأموال طائلة على حملات الدعاية والتوظيف الممنهج لوسائل إعلامه لتحسين صورة الإمارة الغنية بالغاز، لم ينجح النظام القطري في إخفاء انتهاكاته لحقوق الإنسان في الداخل وفضائح العمليات المشبوهة التي يقوم بها في مختلف دول العالم.

بالإضافة إلى ذلك تمادت الدوحة في الانفاق ببذخ منذ سنوات لتحسين صورتها وتعزيز نفوذها خارجيا عن طريق شراء مصارف حول العالم، وأندية لكرة القدم في أوروبا، وعقارات في قلب لندن بأسعار باهظة، وهو ما جعل اقتصادها ينهار تدريجيا ما اضطرها لإصدار ثاني أكبر أدوات دين في تاريخها في مارس الماضي، في محاولة لتدارك أزمة شح السيولة التي تعاني منها منذ مقاطعة جيرانها لها في 2017 وارتفعت حدتها خلال العامين الجاري والماضي.

ومن بين العمليات المشبوهة التي طفت على السطح مؤخرا قضية مالية ببريطانيا بمليارات الدولارات تورط فيها رئيس تنفيذي سابق و3 من كبار المدراء التنفيذين في بنك "باركليز"، في عملية غير قانونية تمت بالتحايل مع قطر.

ومن بين المستثمرين الذين ساهموا في حصول البنك على تمويل لتجنب الخضوع لخطة إنقاذ حكومية، شركة قطر القابضة التي تعد الذراع الرئيسية لصندوق الثروة السيادي القطري.

ولا تزال قضية الرشاوى الضخمة التي قدمتها قطر للفوز بتنظيم كأس العالم تثير جدلا واسعا في مختلف الأوساط الرياضية العالمية.

وكشفت وثائق مسربة حصلت عليها وسائل إعلام بريطانية أن قطر دفعت سرا 400 مليون دولار أميركي لممثلين في الاتحاد الدولي لكرة القدم قبل 21 يوما فقط من إعلان فوزها باستضافة مونديال 2022.

كما كشفت الوثائق أن مسؤولين تنفيذيين من قناة الجزيرة القطرية المملوكة للدولة وقعوا عقدا تلفزيونيا لشراء حقوق بث مباريات المونديال، هو الأضخم من بين العروض التي قدمت للفيفا.

وتقع هذه العقود في صلب تحقيق أعاد القضاء السويسري فتحه منذ أيام وتورط فيه مسؤولون في الفيفا متهمون بالقي رشاوى من قطر لاستضافة مونديال 2022، ضمن فضيحة فساد أطاحت برئيس الفيفا السابق، جوزيف بلاتر، ومسؤولين آخرين.

يشار إلى أن مكتب الاتصال الحكومي قام بحذف التقرير الخاص بالتحقيق لاحقا من مواقعه ومواقع الصحف القطرية.