تحولات المثقفين في مواجهة الثورة السورية

الباحث السوري إبراهيم اليوسف يناقش في كتابه "استراتيجية المثقف.. تكتيك السلطة" قضايا مختلفة تتمحور جميعها حول الكاتب والكتابة والمثقف والثقافة في علاقتهما بالسياسي.


مثقفون وشاة وأشباه مثقفين مخبرين وبلطجية وخبراء مختصون مهمتهم حصار المثقف الأصيل


تفكيك جبهة المعارضة وتقوية جبهة الموالاة التي أدت إلى طمأنة النظام وتقديم نفسه كمنتصر

يناقش الشاعر والباحث السوري إبراهيم اليوسف في كتابه "استراتيجية المثقف.. تكتيك السلطة" قضايا مختلفة تتمحور جميعها حول الكاتب والكتابة والمثقف والثقافة في علاقتهما بالسياسي والتحولات المهمة في واقع المجتمع، حيث يركز  على ما تمت كتابته، وتناوله من عوالم المثقفين، في فضاء السنوات الثلاث الأولى من الثورة السورية، مشيرا إلى أن تلك الفترة "ملأى بتحولات، ومواقف المثقفين، وانزياحاتهم: كبارهم، وصغارهم، بمعنى أننا كنا أمام امتحان جد كبير لمواقف جميع المثقفين، وبات كلُّ منا، على حقيقته، ومن دون أية أقنعة، عاريًا أمام الآخرين، لاسيما بعيد الانتشار الهائل لوسائل التواصل الاجتماعي التي لم تبق لأحد ذريعة عدم وجود منبر يعلن من خلاله موقفه، وإن كانت معرفتنا وإدراكنا بمدى وطأة رد فعل الاستبداد، تجاه أصحاب الموقف، فهو ما يجعل أيًا منا يتفهم لموقف من هو ضمن سطوة المستبد: مكانيًا، إلا أن الوقوف مع هذا المستبد، أو ممالقته، هما ما يسجلان على المثقف، بيد أن تطوع هذا المثقف، ليكون جزءًا من آلة السلطوي هو مدعاة الاستقباح، بل الإدانة".
يرى اليوسف في كتابه الصادر عن مؤسسة أروقة والذي جاء في ثلاثة كتب/ أجزاء تتمحور حول الكلمة والكاتب والكتابة والثقافة والمثقف والسلطة والإشكاليات التي تربط بينها، حيث يرى أن ثنائية "السياسي والثقافي" تستحق الكثير من الاهتمام، من قبل كل من يشتغل في الحقل المعرفي، لاسيما في أي فضاء تنعدم فيه العدالة وقيم المساواة والديمقراطية، وذلك لما للموقف بين طرفي العلاقة من تأثير على رؤى المثقف، وموقفه، ومصداقية ما يقدمه من نتاج ثقافي، ليكون – المثقف - هنا، هو منتج الثقافة في حقول الكتابة والأدب والإبداع والمعرفة، وحتى الفنون بأنواعها: مسرح – تشكيل – موسيقى - سينما .. إلخ، إذ إن هناك حدودًا، بل معايير، كثيرة يمكن أن يضعها أي مثقف لنفسه، في ما يخص علاقته بالسياسي/ السلطوي، كما أن السياسي المتناول هنا - هو المتسلط - أو السلطوي، وإن كنا نميز بين سياسيين: أحدهما مضطهِد، بكسر الهاء، والآخر مضطهَد، بفتحها، وقد يحتل موقع الأول، ويرثه، إن امتلك أدواته، ما دمنا ضمن حدود ذلك الفضاء، مختل القوانين، والأنظمة؟!".

هناك الآلاف من المقنعين من المثقفين سقطوا في معمعة الحرب، بعد أن حدث لهم ما حدث لمؤجر البندقية الذي تم تمويله إلى حين

ويضيف "ذلك السياسي، وهو التسلطي، هنا، ليس له إلا أن يتلمس الخاصرة الرخوة لسلطته، أمام صورة المثقف الحقيقي، مستشعرًا الخطورة والهلع، ما يدعوه للاستنفار، لطالما هو غير قادر أن يحقق وظيفته المثلى، أمام صورة المثقف، وقوة تأثير أدواته، وهو يمارس دوره النقدي، لذلك فإن من طبيعة هذا السلطوي أن يكون معنيًا بأمر ضرورة استمالة المثقف، أو احتوائه، وتبعيته، على نحو رسمي أو غير رسمي، أي على نحو ديواني، أو دعائي، بهذا الشكل أو ذاك، وإن كان السياسي لا يمكن له أن يعنى بالثقافي إلا إذا تنازل هذا الأخير له عن رسالته، وبدل موقعه من خانة الناقد إلى خانة المبوِّق، وشتَّان ما بين هاتين الخانتين!".
ويقول اليوسف "لعل قراءة سير المثقفين، عبر التاريخ تؤكد أن من بينهم من دفع حياته في لجة المواجهة، وفي سبيل كرامته وموقفه، إذ إن من أصحاب الرأي والموقف من سلخ جلده، أو قطعت أعضاء جسده حيًا ورميت في النار، أو رفع على عود المشنقة، أو نحر، وقطعت رأسه، أو اخترق جسده الرصاص، أو ذوب بالأسيد، أو نال السجن والتعذيب من جسده وروحه، من دون أن يساوم، كما أن هناك من قدّم كل ما يمكن من تنازلات للسياسي، مقابل حظوة معنوية، أو منفعية، بالرغم من أن السياسي الذي ينشغل، على نحو مباشر أو غير مباشر، باستهداف المثقف، والعمل الدؤوب على ضمه إلى حظيرته، أو حتى تحييده، وتقليم أظافر روحه، والتلاعب بحبر يراعه، فإنه لا يراه حجر رهانه الشطرنجي الدائم، إذ سرعان ما يتخلى عنه، بعد أن يحقق أغراضه، ويتمُّ تسريحه، والاستغناء عن خدماته، وما أكثر هؤلاء الذين سقطوا أمام أعين ذويهم، ومحيطهم الاجتماعي، بل وفي قراراتهم، مقابل عروض بخسة، مهما كان ثمنها باهظًا، بلغة التاجر!".
ويوضح "من خلال مثل هاتيك السير فإننا لنرى أن السياسي، وعبر أدواته/ ومواليه وموظفيه ومجنديه، ومن بينهم مثقفون وشاة، وأشباه مثقفين مخبرين، وبلطجية، وخبراء مختصون، مدربون، مهمتهم حصار المثقف الأصيل، الذي لا يقع في فخاخ السياسي، ويحافظ على ماء وجهه، بل ألق كلمته وسموها، ولعل مثل هذا الحصار يكون عبر الحرب على اللقمة، والأمن، وتهديد من هم حول المثقف: أي أسرته، بعد أن صور هؤلاء أن حصول المثقف على حقه في العمل، إنما هو من أعطيات السياسي، كما أن الهواء الذي يتنفسه ما كان ليتوافرله دون مباركة هذا الرمز العظيم. 
وقد تعرَّض الكثيرون من المثقفين إلى متابعتهم في آثارهم الكتابية والإبداعية والمعرفية، من قبل عيون متخصصة في ذلك، ولطالما تمَّ التجيير عليهم، عبر تأويل ما أنتجوه، ليكون مستوفيًا لدواعي التأثيم، أو التخوين، إلا أنهم إن لم يجدوا في ذلك ضالاتهم، راحوا يحصون عليهم - أي على المثقفين - صيد أخيلتهم، وملاذات أحلامهم، ومرامي لاشعورهم، وذلك إلى تلك الدرجة التي نكاد ألا نشهد صاحب رأي، في تلك المهاد التي منيت بسطوة الاستبداد إلا وفي ذاكرته، وواقعه، مئات، بل آلاف قصص المكابدة، والمعاناة، والمقاومة من أجل كبرياء الذات والموقف، في مواجهة آلة الطغيان!".

الفكر العربي
إبراهيم اليوسف

وتساءل اليوسف: ترى، كم هم هؤلاء المثقفون الذين ظهروا، أو أظهروا خلال الثورة، وحافظوا على نقاء أصواتهم الذي عرفوا به، طوال سير حيواتهم السابقة على الثورة؟ وقال "إن الجواب هنا، ليغدو جد محيِّر، لأن كثيرين ممن صمدوا في مواجهة النظام، لم يصمدوا أمام إغراءات الجهات الممولة لهم، إذ غدا اللاجىء إلى هذا البلد الإقليمي يردد ببغاويًا ما يفرض عليه من قبل الجهة المضيفة، أو الممولة - وهي من أوائل البلدان التي أجهضت الثورة وقادتها اعتمادًا على مرتزقة: حملة بندقية أو قلم أو أختام - بعد أن قاوم أجهزة أمن بلده، فغدا فريسة أجهزة أمن أخرى، وهو ما ينطبق على حال اللاجئين إلى أكثر من بلد خليجي، أو عربي، وما موقف بعضهم من شركاء المكان: الكرد، إلا صورة طبق الأصل عما طلب منهم في دوائر تركيا، على سبيل المثال، إذ يستثني من أخطوطة قناعاته أحد الذين ضحوا إلى جانبه، واقفًا إلى جانب من علق رؤوس نخبة أجداده على أعواد المشانق، على حساب من ساهم معه في تكريس حضوره التاريخي، في وجه سياسات المحو. إذ يعود مثل هذا المثقف: قوميًا كان، أو إسلاميًا، أو ليبراليًا، أو يساريًا صرفًا، لا فرق - وأنا أتحدث هنا عن النماذج السلبية فحسب لأنه ما أكثر النماذج الإيجابية في كل شريحة - إلى حظيرة ثقافة النظام التي حاول الافتراق عنها، وليبزَّه في بعض الأحيان مثقف النظام السوري نفسه، في موقفه من شريك المكان، مع وجود فارق وحيد وهو أن مثقف النظام ينطلق من رؤى ذات غطاء وطني مزعوم ومزور، بينما هو ينطلق من رؤى من يحتل أرض بلده، أو يمول قاتل ذويه، بل ومن دون أن يكترث بمن وقف إلى جانبه في سنوات الثورة، بل من سبقه إليها في ذلك".
ويشير إلى أن ثمة انزياحات كبرى طرأت على خريطة الطريق الثقافي، الذي لطالما تم تناسيه، في غمرة البحث عن خرائط طريق عسكرية، سياسية، إذ بات الإسلامي يؤم العلماني، والملحد، ومن هو غير منتم إلى دينه، ولم يعد هناك أي حرج لدى ذلك البهلوان اللاعب على الحبال عندما يواجهه أحدهم بحقيقته، ولو عبر وسائل الإعلام، والتواصل الجماهيري المباشر، لطالما هو قادر على فلسفة سقوطه وضدها، للنوسان بينهما، وخارجهما، وفي هذا ما يدعو للإعلان أننا أمام حالة حضيضية، مستنقعية، لا بد من فضحها! ولا بد، أمام كل هذا أن نعلم أن جبهة مثقفي السلطة، منظري القتل، على تعدد تلويناتهم، وفلسفاتهم، بدت متماسكة أكثر، وهم داخل البلاد، نتيجة الخوف من السيف المسلط على رؤوسهم، كما أنهم بدوا كذلك، وهم خارج البلاد، بينما تفككت جبهة مثقفي المعارضة، وبات سقوط بعضهم يكاد يضعه في جبهة السلطة ذاتها، وفي هذا كله ما يقودنا إلى التأكيد بأن واجهات المعارضة، الفاسدة، أو المفسدة، لا بد من تغييرها، وتقديم أصحاب الأيدي النظيفة بدلًا عنهم، بعيدًا عن سطوة أي طرف ممول، لقاء فرض الأجندات، وضروة الاعتماد على من تبقى من المثقفين أصحاب الأصوات النظيفة الذين لم تتلوث أياديهم بالمال، ولم يفقدوا بوصلاتهم، وبقوا أوفياء لنداء الثورة السلمية التي نادت بإسقاط النظام، بعيدًا عن خدمة كل الأجندات المتضادة!
ويرى اليوسف أن هناك الآلاف من المقنعين، من المثقفين، قد سقطوا في معمعة هذه الحرب، بعد أن حدث لهم ما حدث لمؤجر البندقية الذي تم تمويله إلى حين، وهو يؤدي بعض المهمات الموكلة إليه، ليتم قطع مصدر رزقه، وتشتيته، وهرولته من ممول إلى ممول، لا فرق حتى إن كانت محطته الأخيرة "تنظيم داعش" الإرهابي، وهو ما تم مع أعداد من المثقفين الذين أذعنوا ومرروا ما أملي عليهم إلى حين، كي يهددوا بقطع سبل التمويل عنهم، ليقبلوا بالمزيد من السقوط والإذعان، ولينشروا مثل هذه الإملاءات التي يتلقفها بعض المقتدين بهم، حتى وهم في الحضن الأوروبي، تحت شعارات براقة، أو تحذيرات مخاطر مزعومة، بعيد إشعال نوستالجيا غيبوية، أو عرقية، أو المزج بينهما، ما يعزز تفكيك جبهة المعارضة، وتقوية جبهة الموالاة التي أدت إلى طمأنة النظام، وتقديم نفسه كمنتصر، يضع شروط مفاوضاته وهو الذي سقط، في الأصل، مع أول نداءات ثورة الحرية في البلاد!