ترامب والدعاية المجانية للشيوعية

ترامب دون أن يدري وبسبب عشقه الأيديولوجي الأعمى لرأس المال، بوصفه الممثل السياسي الأكثر جرأة، يعمل من حيث لا يشعر داعية مجانية للشيوعية.

إعلان انتصار زهران ممداني، المنحدر من أصول مهاجرة إلى الولايات المتحدة، عمدةً لمدينة نيويورك، يفتح صفحة جديدة في مسار مواجهة تصاعد اليمين العنصري والشعبوي في العالم الغربي، الذي يقوده دونالد ترامب في أميركا، وجورجيا ميلوني رئيسة وزراء إيطاليا.

السلاح الفكري والسياسي الوحيد الذي استخدمه ترامب ضد ممداني لوقف تقدمه في استطلاعات الرأي، والخوف من انتخابه عمدةً لنيويورك، كان نعته بـ"الشيوعي". كما حاول، بشكل غير مباشر، التلاعب بالمشاعر الرجعية المعادية للمسلمين، والتحريض في اليوم الأخير على ما أسماه بـ"اليهود" للإدلاء بأصواتهم لخصوم ممداني، إلا أنّ السلاح الأبرز ظل اتهامه بالشيوعية.

ممداني ليس شيوعيًا، بل يصف نفسه بأنه اشتراكي ديمقراطي مثل عضو الكونغرس الأميركي بيرني ساندرز، والبرنامج الشيوعي بعيد كل البعد عن برنامج الاشتراكية الديمقراطية التي تتبناها الأحزاب الحاكمة في البلدان الإسكندنافية مثل السويد والدنمارك والنرويج وفنلندا، والمعروفة بنموذج دولة الرفاه.

بيد أنّ ترامب، على الرغم من محاولاته تسويق نفسه باعتباره نصير العمال في الولايات المتحدة، ورغم شعاراته حول إعادة الرخاء الاقتصادي وخلق الوظائف، إلا أنه في الحقيقة أماط اللثام عمّا كان يخفيه وراء الأكمة، وهو تمثيله لمصالح وول ستريت في نيويورك، التي وقفت كجدارٍ مرصوص للحيلولة دون انتخاب ممداني.

وقد شهدت الولايات المتحدة تظاهرات في مئات المدن ضد ترامب وإيلون ماسك عندما تم تعيين الأخير مستشارًا للبيت الأبيض، وكان أحد أبرز شعاراتها: «العمال فوق المليارديرات». جاءت تلك الاحتجاجات رفضًا لتشريع قوانين تهدف إلى إعفاء الأوليغارشية الأمريكية من الضرائب على حساب عمّال وكادحي أمريكا، وتجريم المهاجرين وترحيلهم، والمعاداة السافرة للنساء، والحطّ من القيمة الإنسانية للمثليين، وحرمان الملايين من أبناء الطبقة العاملة من التعليم بعد أن شرع ترامب في قطع الموازنات عن التعليم الفيدرالي.

كلها شواهد تُظهِر بوضوح الأرضية التي يقف عليها ترامب وتياره العنصري، الذي يمثّل مصالح كبريات الشركات مثل أمازون وإنفيديا وشركات الوقود الأحفوري وستارلينك، فضلًا عن انسحاب إدارته من مجلس حقوق الإنسان واليونسكو، وفرضه عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية لأن الجميع أدان إسرائيل وجرائمها في غزة.

جاء انتخاب ممداني ردًّا على سياسات ترامب، إذ يدعو ممداني إلى تجميد الإيجارات، وتوفير النقل المجاني، وإزالة الخوف عن المهاجرين، معتبرًا أن حق السكن والإقامة من الحقوق المصانة في العهدين الدوليين لحقوق الإنسان. كما شدد على ضرورة أن تكف إسرائيل عن سياساتها العنصرية، وأن تُقرّ بقانون المساواة بين البشر داخلها، مؤكدًا دعمه لتأسيس دولة فلسطينية مستقلة. وأضاف أنه في حال قدوم بنيامين نتنياهو إلى نيويورك، فسيلقي القبض عليه تنفيذًا لمذكرة المحكمة الجنائية الدولية.

إنّ ترامب يخشى هذا البرنامج السياسي والاجتماعي لأنه يقتطع من امتيازات الضرائب التي تستفيد منها شركاته وشركات جماعته في وول ستريت، كما يسحب البساط من تحت شعاراته الشعبوية التي تُخفي خططًا لطرد مئات الآلاف من الموظفين والعمال، وزيادة مديونية الدولة الأمريكية على حساب الشرائح الاجتماعية المحرومة، مما يزيد الطين بلّة فوق ما فعله سلفه جو بايدن.

وأكثر ما أرعب ترامب هو أن الغالبية ممن أسماهم "يهود" والذين لا يعرّفون أنفسهم كيهود بل كمعادين للصهيونية والفاشية الإسرائيلية، قد صوّتوا لممداني. أي أنهم أوقفوا ماكينة الدعاية الإعلامية الكاذبة القائمة على تسويق المظلومية الإسرائيلية واتهام كل معارض لها بمعاداة السامية.

وإذا كانت هذه هي الشيوعية أو الاشتراكية كما يصفها ترامب، فالمعتوه وحده يرفض أن يكون حرًا من العوز الاقتصادي والحرمان الاجتماعي وأن يتمتع بالمساواة الحقوقية والسياسية.

وهناك نقطة لا بد من التنويه إليها: إنّ انتصار الحركة التي أسهمت في إيصال زهران ممداني إلى منصب عمدة نيويورك جاء في أعقاب صعود اليمين في العالم، سواء في أوروبا أو في الولايات المتحدة. وهذه الحركة تُعد جزءًا من تيار إنساني عالمي، ولا سيما في الغرب، وقف إلى جانب الشعب الفلسطيني، وأرغم إحدى عشرة دولة أوروبية — كانت مصطفّة خلف السردية الإسرائيلية — على الاعتراف بدولة فلسطين مستقلة، وفرض معادلة لوقف الهمجية الإسرائيلية التي كانت ترقص على أحواض دماء سكان غزة.

حقًا، إنه إيذانٌ بأن فجرًا جديدًا يشرق على الإنسانية. وكما قال ممداني في كلمة انتصاره" إنّ نورًا يسطع في نيويورك وسط ظلام سياسي".

وأخيرًا، فإنّ ترامب دون أن يدري وبسبب عشقه الأيديولوجي الأعمى لرأس المال، بوصفه الممثل السياسي الأكثر جرأة وإخلاصًا للطبقة البرجوازية الأوليغارشية الأميركية، يعمل من حيث لا يشعر كداعية مجانية للشيوعية.