ترامب يدفع بإستراتيجية الضغوط القصوى لترويض إيران

الرئيس الأميركي يريد استنساخ تجربة ترويض كوريا الشمالية عبر عقوبات قاسية أجبرت نظامها على التفاوض، مع إيران ليس فقط لكبح برامجها النووية والصاروخية بل أيضا لوقف أنشطتها التخريبية والمزعزعة للاستقرار في المنطقة.



عزل إيران دوليا واقتصاديا حتمية لا مفر منها لكبح أنشطتها التخريبية


إستراتيجية الضغوط القصوى نجحت مع كوريا الشمالية فهل تنجح مع إيران؟


الخناق يضيق فعلا على إيران لكن طهران ماضية في عنادها

نيويورك - بعد سنة على تعبئة المجموعة الدولية بنجاح ضد كوريا الشمالية مستخدما إستراتيجية "الضغوط القصوى"، يحاول الرئيس الأميركي دونالد ترامب استهداف إيران بحملة مماثلة على أمل حملها بدورها إلى طاولة المفاوضات.

لكن احتمال نجاح نقل الإستراتيجية نفسها إلى وضعين مختلفين يبدو غير أكيد.

وبحسب دبلوماسي أوروبي فإن الرئيس الأميركي مقتنع بأن "حملة الضغوط القصوى" التي تجمع بين عقوبات مشددة وعزلة دبلوماسية وتهديدات عسكرية، هي التي حملت الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ اون على قبول التفاوض حول نزع الأسلحة النووية في شبه الجزيرة الكورية رغم أنه لم يتحقق أي شيء ملموس حتى الآن.

وأضاف الدبلوماسي أن ترامب يعتزم بالتالي "تطبيق الأمر نفسه مع إيران: الضرب بقوة شديدة" ومن ثم التفاوض من موقع قوة.

وهكذا انسحب الرئيس الأميركي في مايو/أيار من الاتفاق المبرم بين إيران والقوى الكبرى في 2015 لمنع امتلاكها السلاح الذري وأعاد فرض عقوبات قاسية جدا على الجمهورية الإسلامية.

وفي الحالة الإيرانية، تريد واشنطن الذهاب أبعد من الشق النووي فقط، فمن خلال اتهامها إيران بلعب دور "مزعزع للاستقرار ومسيء" في الشرق الأوسط إنما تريد إدارة ترامب منها "تغييرات عميقة لسلوكها في المنطقة".

وقال مستشار ترامب للأمن القومي جون بولتون الاثنين "إلى أن يحصل هذا الأمر، سنواصل ممارسة ما يسميه الرئيس الضغوط القصوى" مؤكدا أن الهدف النهائي ليس تغيير النظام في طهران".

وفي خطابه الثلاثاء أمام الأمم المتحدة ثم الأربعاء خلال اجتماع غير مسبوق لمجلس الأمن الدولي حول حظر انتشار الأسلحة سيترأسه شخصيا، يرتقب أن يطرح ترامب كوريا الشمالية نموذجا لحل الأزمة مع إيران.

وقال الرئيس الإيراني حسن روحاني الاثنين لشبكة "ان بي سي" إن "النموذج الكوري الشمالي لا يمكن أن يكون النموذج الصائب، لأنه لا يمكننا القيام بمثل هذه المقارنات" مستبعدا لقاء ترامب هذا الأسبوع في نيويورك.

وبالواقع فإن الاختلافات كثيرة، فكوريا الشمالية قد طورت أساسا قنابل ذرية وتؤكد أنها قوة نووية في حين أن إيران تعهدت رسميا بعدم صنع قنبلة نووية.

كما أن كوريا الجنوبية تساهم إلى حد كبير في التقارب بين واشنطن وبيونغيانغ في حين أن حلفاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط وفي مقدمهم السعودية وإسرائيل، تدفعان في واشنطن إلى التشدد حيال طهران.

وللسعودية حججها ومبرراتها المنطقية لتضييق الخناق على إيران ودفعها للتخلي عن أسلحة فتاكة بالنظر إلى سجل طهران في دعم وتمويل الإرهاب وتحريك أذرعها في المنطقة لزعزعة الاستقرار في عدد من الدول.

وتدعم إيران كلا من حزب الله في لبنان وميليشيات مسلحة وأحزاب شيعية في العراق والحوثيين في اليمن ونظام الرئيس بشار الأسد في سوريا ودربت واحتضنت عناصر شيعية إرهابية من عدد من الدول وتآمرت مرارا على أمن البحرين بدعم وتمويل وتدريب جماعات شيعية مناهضة لنظام الحكم في المملكة.

ولم يلتزم النظام الإيراني منذ الثورة الإسلامية التي أطاحت بنظام الشاه في إيران بمبادئ حسن الجوار وسعى من خلال أنشطة تخريبية للتمدد وتصدير ثورة الخميني مستخدما وكلاءه في المنطقة.

أما بالنسبة لإسرائيل فالتوترات مع إيران لم تهدأ يوما وتفاقمت مع سعي طهران للتمدد في سوريا واقامة قواعد عسكرية تعتبرها تل أبيب تهديدا مباشرا لأمنها إضافة إلى حزب الله اللبناني الذي خاض حربا مع إسرائيل في 2006 بدعم إيراني حيث يمتلك ترسانة أسلحة ضخمة مصدرها طهران.

وتثير ترسانة حزب الله أزمة في لبنان وانقسامات سياسية حادة حالت على مدى سنوات دون حدوث استقرار أمني وسياسي في البلد المحكوم بنظام المحاصصة الطائفية (رئاسة البلاد للمسيحيين والبرلمان للشيعة والحكومة للسنّة وفق اتفاق الطائف).

ويقول توماس كانتريمان المسؤول الأميركي الكبير سابقا والذي يرأس حاليا جمعية ضبط الأسلحة إن "حملة الضغط على إيران مستوحاة جزئيا من أصدقاء إدارة ترامب في الشرق الأوسط".

ويصنف النظام الكوري الشمالي في خانة الدول المارقة من قبل المجموعة الدولية في حين أن الجمهورية الإسلامية وعبر توقيعها الاتفاق النووي في 2015 أطلقت عملية تقارب مع الغرب أصبح من الصعب وضعها على المحك.

ويرفض الحلفاء الأوروبيون للولايات المتحدة الذين أيدوا قرار واشنطن بمعاقبة بيونغيانغ، رفضا قاطعا قطع العلاقات مع إيران.

وفي نكسة لترامب، أعلن الأوروبيون مساء الاثنين عن إنشاء نظام مقايضة لمواصلة تجارتهم مع إيران والإفلات من العقوبات الأميركية.

واعتبر توماس كانتريمان أنه عبر الانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني "إنما تفقد الولايات المتحدة مصداقيتها التقليدية داخل مجلس الأمن الدولي حول مسائل الحد من انتشار الأسلحة".

من جهته اعتبر بهنام بن طالبلو من مركز أبحاث مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، والمؤيد لاعتماد نهج حازم حيال إيران أنه من "الحكمة والضرورة اعتماد إستراتيجية الضغوط القصوى حيال النظامين".

وقال إن "قطع إمكانية حصولهم على تمويل دولي وخفض التجارة غير المشروعة يمكن أن يؤديا إلى إفقار هذين النظامين ومنعهما من تمويل أنشطتهما العسكرية المسيئة".

والعقوبات الأميركية التي تستهدف كل الدول والشركات، بما في ذلك الشركات الأجنبية، التي ستواصل التعامل مع إيران تقوم بإضعاف الاقتصاد الإيراني.

وبدأ بعض المراقبين الذين كانوا على قناعة قبل بضعة أشهر بأن الأميركيين لن يتمكنوا أبدا بدون الأوروبيين، من فرض ضغط كاف لإخضاع إيران، التساؤل حول ذلك.

وحذر دبلوماسي أوروبي من أن العقوبات تبدو "همجية" مشيرا إلى الأزمة العميقة التي يشهدها النظام الإيراني.