تركة ثقيلة من المشاكل تنتظر حكومة 'الاكراهات' في تونس

إعلان الياس الفخفاخ عن تشكيلة حكومته وتراجع النهضة عن اعتراضاتها ينهيان سجالات سياسية لكن مستقبل الحكومة الجديدة وقدرتها على معالجة المعضلات الاقتصادية والاجتماعية يبقى أمرا غامضا.  


تونس تترقب موعد جلسة برلمانية حاسمة لمنح الثقة لحكومة الفخفاخ


خوف النهضة من إعادة الانتخابات التشريعية يدفعها للقبول بحكومة الفخفاخ


حكومة الفخفاخ تحتاج لـ109 أصوات لضمان نيل الثقة

تونس - أنهى إعلان رئيس الوزراء التونسي المكلف الياس الفخفاخ عن تشكيلته الحكومية وتراجع حركة النهضة الإسلامية التي تمتلك الكتلة الأكبر في البرلمان عن اعتراضاتها وقبولها بما وصفته صحيفة محلية بـ"حكومة الإكراهات"، سجالات كانت تهيمن على المشهد السياسي في تونس.  

لكن هذه التطورات لم تنه حالة الغموض حول مستقبل هذه الحكومة وقدرتها على معالجة المعضلات الاقتصادية والاجتماعية في الوقت الذي تئن فيه تونس تحت وطأة تركة ثقيلة من المشاكل.

ويترقب التونسيون الخميس تحديد موعد لجلسة برلمانية عامة ستكون حاسمة للتصويت على منح الثقة أو رفض الحكومة الجديدة التي قدمها الفخفاخ بعدما شهدت مفاوضات تشكيلها تجاذبات سياسية حادة.

وكان الفخفاخ أعلن ليل الأربعاء عن تشكيلة حكومة معدلة تتكون من 32 وزيرا من المستقلين والحزبيين.

وقال في تصريح بثه التلفزيون الحكومي اثر لقائه الرئيس قيس سعيّد "لقد كانت فترة المشاورات، رغم صعوباتها وتعقيداتها، حالة ديمقراطية راقية"، مضيفا أن حكومته "منفتحة على كامل الطيف السياسي" وتضم قيادات حزبية وشخصيات مستقلة.

وحسب القانون الداخلي للبرلمان فإن مكتب المجلس يعقد اجتماعا خلال 48 ساعة من تسلمه الرسالة الرسمية من الرئيس التونسي ويحدد تاريخا خلال أسبوع لجلسة عامة لمنح الثقة.

وراسل قيس سعيد مجلس النواب رسميا الأربعاء وأعلمه بأعضاء حكومة الفخفاخ لعرضها لاحقا على البرلمان.

ولقيت تشكيلة الفخفاخ صدا واسعا على أعمدة الصحف الخميس، حيث وصفت صحيفة 'المغرب' تركيبة الحكومة المعلن عنها بحكومة "الاكراهات والتناقضات"، متسائلة "هل ستكون للفخفاخ حكومة موحدة؟ لمواجهة التحديات المالية والاجتماعية؟ أم أن جل مكوناتها ستفكر دوما وفق جدلية الربح والخسارة الحزبية؟".

أما صحيفة "لابراس" الناطقة بالفرنسية فعنونت "وأخيرا الانفراج"، معتبرة أن مسار المفاوضات كان "امتحانا خطيرا للطبقة السياسية والتي لجأت في بعض الأحيان إلى الصراعات والصد".

وقدرت صحيفة "لوتان" الناطقة بالفرنسية أن جلسة البرلمان ستكون حاسمة "إما المرور أو الفشل". وكتبت "مهما تكن تشكيلة الحكومة، فهي الحل الأخير أمام الكتل البرلمانية في المجلس لكي يجنبوا التونسيين إضاعة وقت إضافي".

وأمام الحكومة الجديدة تحدي نيل ثقة البرلمان بـ109 على الأقل من الأصوات وان فشل الفخفاخ في ذلك فإن لرئيس الجمهورية قيس سعيّد إمكانية حل البرلمان والدعوة لانتخابات مبكرة وفقا للفصل 89 من الدستور.

وأفرزت الانتخابات النيابية في أكتوبر/تشرين الأول 2019 برلمانا منقسما ومشتت الكتل ممّا عمّق التجاذبات السياسية في البلاد.

ويقول سليم الخرّاط المحلل السياسي ورئيس منظمة "بوصلة" التي تراقب الحياة السياسية في تونس "استنادا إلى تصريحات الأحزاب فإن هناك توجه لمنح الثقة للحكومة" مستدركا أن "قياس مدى نجاعتها" مرتبط بمساحة المناورة التي ستمنح لها من قبل الأحزاب الممثلة للبرلمان.

وأسند الفخفاخ وزارات السيادة إلى شخصيات مستقلة هم القاضية ثريا الجريبي (العدل) والمستشار القانوني في رئاسة الجمهورية هشام المشيشي (الداخلية) وعماد الحزقي (الدفاع) والسفير السابق بسلطنة عمان نورالدين الريّ (الخارجية).

وأكّدت حركة النهضة التي رفضت في وقت سابق حكومة الفخفاخ، أنّها "ستشارك في حكومة الفخفاخ وتمنحها الثقة" وفقا لبيان نشرته بعد إعلان تركيبة الحكومة.

ولم يكن أمام الحركة الإسلامية من خيار إلا القبول بحكومة الفخفاخ بعد أن لوح الرئيس التونسي بحل البرلمان واللجوء للانتخابات في حال لم تنل حكومة الفخفاخ الثقة وذلك على اثر اعتراض النهضة على حكومة لا تضم حزب قلب تونس فاز بالمرتبة الثانية في الانتخابات التشريعية.

ومع أن رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي أكد مرارا وبشكل قاطع خلال الحملة الانتخابية أن حركته لن تتحالف مع حزب يحوم حول رئيسه شبهات فساد، إلا أنه عاد وتمسك بحزب قلب تونس شريكا في الحكم وهي مواقف متناقضة أثارت غضب قواعد النهضة وكشفت تلونها ومواقفها المتقلبة.

وأوضحت الحركة الإسلامية في بيانها أنّ قبولها بالحكومة أتى بسبب "التطوّر الإيجابي الحاصل في مسار المفاوضات وتقديرا للظروف الإقليمية المعقّدة والخطيرة ولاسيما من جهة مخاطر الحرب في الشقيقة ليبيا والأوضاع الداخلية الاقتصادية والاجتماعية الصعبة" في البلاد.

ونال حزب النهضة الأول من حيث عدد نواب البرلمان (54 من مجموع 217) سبع حقائب وزارية.

ولم يشارك في الحكومة حزب 'قلب تونس' ثاني الكتل البرلمانية (38 نائبا) بينما ساهم فيها كل من 'التيار الديمقراطي' و'حركة الشعب' و'تحيا تونس' و'نداء تونس'.

وكانت حكومة أولى برئاسة الحبيب جملي الذي رشحته حركة النهضة، فشلت في العاشر من يناير/كانون الثاني في نيل ثقة مجلس النواب.

وفي 20 يناير/كانون الثاني أسند رئيس الجمهورية إلى الفخفاخ مهمة تشكيل الحكومة.

وشغل الفخفاخ (47 عاما) منصب وزير للسياحة في أواخر 2011 قبل أن يصبح وزيرا للمالية في ديسمبر/كانون الأول 2012 وهو منصب استمرّ فيه لغاية يناير/كانون الثاني 2014.

ورئيس الوزراء المكلّف متخصّص بالهندسة الميكانيكية وإدارة الأعمال وحاصل على ماجستير بهذين الاختصاصين من فرنسا حيث بدأ حياته المهنية.

وفي 2006 عاد إلى تونس حيث تولى منصب مدير عام شركة 'كورتيل' التونسية المتخصّصة في صناعة مكوّنات السيارات والتي تحوّلت لاحقا إلى شركة 'كافيو'.

وبعد ثورة 2011 انخرط الفخفاخ في السياسة في صفوف حزب 'التكتّل الديمقراطي من أجل العمل والحريّات" الذي تحالف مع حركة النهضة في حكومة 'الترويكا' وذلك لغاية 2014.