تركيا ترسخ حضورها العسكري في سوريا باتفاقية تعاون
دمشق - وقعت سوريا وتركيا اليوم الأربعاء مذكرة تفاهم في مجال التدريب والمشورة العسكرية، في خطوة من شأنها أن تمهد الطريق لأنقرة لتعزيز نفوذها على الساحة السورية، ما يعمق هواجس إسرائيل من تحويل البلاد إلى حديقة خلفية لتركيا.
وكان البلدان يتفاوضان على اتفاق تعاون عسكري شامل منذ شهور، بعد الإطاحة ببشار الأسد في نهاية العام الماضي، فيما تشمل الاتفاقية المبرمة تدريب تركيا للقوات السورية على المهارات الحديثة وتقديم المساعدة في إصلاح الجيش.
وأشارت تقارير إلى أن أنقرة تدرس إمكانية تعزيز أنظمة الدفاع الجوي السوري بالطائرات المسيرة والتكنولوجيا العسكرية، مما يشير إلى تعاون أعمق في مجالات حساسة.
وتسعى تركيا إلى إنشاء منطقة عازلة بعمق 30 كيلومتراً في شمال سوريا، والاتفاق الدفاعي قد يساهم في تحقيق هذا الهدف بشكل شرعي ومعترف به من دمشق.
وتهدف أنقرة من خلال تعزيز تعاونها العسكري مع إدراة الشرع التي قدمت لها دعما كبيرا منذ وصولها إلى السلطة، القضاء على التهديدات التي تعتبرها "إرهابية" من قبل الجماعات الكردية المسلحة، مثل وحدات حماية الشعب المرتبطة بحزب العمال الكردستاني والتي تسيطر على مناطق واسعة في شمال سوريا. والتنسيق مع الحكومة السورية الجديدة يمكن أن يوفر لتركيا غطاءً لملاحقة هذه الفصائل.
وتتشابك مصالح البلدين في مكافحة الجماعات الإرهابية مثل تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" والتنظيمات المتطرفة التي لا تزال تنشط في سوريا، فيما يفتح الاتفاق الباب لجهود مشتركة في هذا الصدد.
وتثير اتفاقية التعاون الدفاعي بين أنقرة ودمشق مخاوف في إسرائيل وبعض الدول العربية التي تعتبرها تهديداً جديداً لتوازن القوى في المنطقة.
وتتوجس الدولة العبرية من احتمال قيام تركيا بنشر أنظمة دفاع جوي متقدمة على الأراضي السورية، ما قد يهدد "حرية العمليات" الجوية التي تسمح لإسرائيل بشن غارات جوية ضد أهداف تعتبرها تهديدًا لأمنها، مثل شحنات الأسلحة الإيرانية أو مواقع تابعة حزب الله.
وتتهم تل أبيب أنقرة بمحاولة إقامة "محمية" فعلية في سوريا، مما يعني تحويل البلاد إلى دولة عميلة أو تحت الوصاية التركية، ما من شأنه أن يمنح تركيا موطئ قدم دائمًا وقويًا على الحدود الشمالية للدولة العبرية.
وتخشى بعض الأوساط في إسرائيل من أن يؤدي النفوذ التركي المتزايد في سوريا، خاصة تنامي التعاون مع الحكومة السورية الجديدة ذات التوجهات "السنية الإسلامية"، إلى تشكيل "هلال سني" يضم تركيا وسوريا، قد يكون معادياً للدولة العبرية ويشكل تهديداً أيديولوجياً وأمنياً.
وحذّر وزير الخارجية التركي هاكان فيدان ونظيره السوري أسعد الشيباني اليوم الأربعاء في أنقرة، إسرائيل من مغبة إثارة الفوضى في سوريا.
وقال فيدان خلال مؤتمر صحافي مشترك مع الشيباني إن "بعض الأطراف منزعجة من التطورات الإيجابية في سوريا"، مشيرا إلى إسرائيل وإلى مقاتلي وحدات حماية الشعب الكردية.
وأشار وزير الخارجية التركي المقرّب من السلطات السورية الجديدة إلى أعمال العنف الأخيرة التي تخللتها انتهاكات وإعدامات ميدانية في سوريا طالت بشكل خاص الأقلية العلوية في اللاذقية (غرب) في مارس/آذار، والدروز في السويداء (جنوب) في مطلع الصيف.
وحذّر قائلا "إن الأحداث التي بدأت في اللاذقية والتحركات التي تلتها في السويداء والدور المزعزع للاستقرار لوحدات حماية الشعب الكردية غير المنسجمة مع النظام، تُظهر أنه سيكون من الصعب للغاية استمرار هذا الفصل الإيجابي في سوريا على النحو المنشود".
وقال "من واجبنا اتخاذ التدابير اللازمة والتعاون، مع السعي لحل هذه المشاكل بأكثر الطرق سلمية"، مضيفا "يبدو أن ظهور الفوضى في سوريا أصبح بمثابة معيار أساسي لما تعتبره إسرائيل أمنها القومي".
وأعرب الوزير السوري عن قلقه إزاء "تحديات جديدة لا تقلّ خطورة عن تلك التي واجهتها سوريا خلال سنوات الحرب، وعلى رأسها التهديدات الإسرائيلية المتكررة".
كما حذّر الشيباني من "تدخلات أجنبية متعددة، مباشرة وغير مباشرة، تهدف إلى إضعاف الدولة وخلق انقسامات فعلية هشة"، مؤكدا أن "هذه التحكركات تدفع بالبلاد نحو صراعات طائفية وإقليمية"، من دون الخوض في التفاصيل. وحظي نظام الرئيس السابق بشار الأسد، بدعم ملحوظ من روسيا وإيران.
وأكد فيدان أن "وحدات حماية الشعب الكردية لا تندمج في النظام وتعرقل سير الأمور في سوريا"، مضيفا "لم يغادر أعضاء التنظيم من تركيا والعراق وإيران وأوروبا سوريا (...) لم نشهد أي تطورات على الساحة السورية تُشير إلى أن التنظيم تخلص من خطر العمل المسلح".
وتابع "لا تسعى تركيا إلى احتلال المنطقة أو الهيمنة عليها. ولكن في ظلّ عدم تلبية مطالبنا الأمنية، ليس لدينا أي فرصة للبقاء صامتين. نقول ذلك صراحةً".