تركيا تعزز التقارب مع ليبيا بنظام تأشيرات جديد ضمن أهداف أوسع
أنقرة - أعلن وزير التجارة التركي عمر بولاط أن أنقرة بدأت بتطبيق نظام تأشيرات طويل الأمد متعدد الدخول للمواطنين الليبيين اعتباراً من 15 سبتمبر/ أيلول الجاري، وذلك في الوقت الذي ذكرت فيه تقارير صحفية أن نفوذ تركيا يزداد في ليبيا ضمن إطار استراتيجية أوسع تهدف إلى ترسيخ طموحاتها البحرية في شرق البحر الأبيض المتوسط.
وأوضح بولاط خلال لقائه بوزير النقل الليبي محمد سالم الشهوبي، في مقر وزارة التجارة التركية بالعاصمة أنقرة أن الاجتماع الأول لمجموعة العمل التركية الليبية المشتركة عُقد في طرابلس في أبريل/نيسان الماضي، وأن الاجتماع الثاني عُقد في أنقرة.
وأضاف أنه تم وضع خارطة طريق وتوقيع مذكرة تفاهم لعقد اجتماعات مع أصحاب العمل والمقاولين عقب الاجتماع الأول، مؤكداً عمق العلاقات الاقتصادية والتجارية والاستثمارية بين البلدين.
وتابع "بلغ حجم التبادل التجاري بيننا هذا العام 3 مليارات دولار في الأشهر الثمانية الأولى، ونهدف إلى إنهاء العام بحجم تبادل تجاري لا يقل عن 4 مليارات دولار أميركي، وفي العام المقبل، نهدف إلى تحقيق حجم تبادل تجاري يبلغ 5 مليارات دولار".
وأردف "تعدّ ليبيا بلداً قيّماً بالنسبة لنا في قطاع المقاولات، بدأ المقاولون الأتراك العمل في ليبيا لأول مرة عام 1972، وحتى الآن أنجزوا 641 مشروعاً، كما تربطنا علاقات تعاون وثيقة وتبادلات في مجالات التعليم والرعاية الصحية والسياحة".
ولفت إلى وجود فرص هامة للتعاون بين البلدين في مجالات الزراعة وصيد الأسماك والتعدين والموارد المعدنية والطاقة المتجددة، مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح.
وصرح بولاط أنهم اقترحوا على الجانب الليبي عقد اجتماع اللجنة الاقتصادية التركية الليبية المشتركة الذي لم يُعقد منذ عام 2009، في ديسمبر/ كانون الأول من هذا العام.
من جانبه أكد وزير النقل الليبي، محمد سالم الشهوبي، أن العلاقات بين البلدين راسخة، وأن الجهود متواصلة لتطويرها. وأشار إلى وجود 50 رحلة جوية أسبوعيًا بين تركيا وليبيا، وأنهم يعملون على إطلاق رحلات جديدة.
وأعرب الوزير الليبي عن رغبة بلاده في تطوير مشاريع النقل مع تركيا، وأكد وجود فرص جديدة للشركات التركية في ليبيا، وخاصة في قطاع النفط.
وتشير هذه التصريحات الى حجم التعاون بين البلدين في العديد من المجالات، في حين أفادت صحيفة لوموند الفرنسية، أن هذا التعاون يصب لصالح طموحات تركيا في ليبيا، مشيرة إلى أن أنقرة التي لعبت سابقًا دور الحامية للسلطات في غرب ليبيا، باتت اليوم تنفتح على سلطات الشرق وعلى رأسها قائد "القيادة العامة" المشير خليفة حفتر، في إطار استراتيجية أوسع تهدف إلى ترسيخ طموحاتها البحرية في شرق البحر الأبيض المتوسط.
وأشارت الجريدة، في تقرير لها الأربعاء، إلى الجهود المكثفة التي بذلتها أنقرة أخيرًا لمنع العاصمة طرابلس من الانزلاق مجددًا إلى دوامة الصراع، قائلة إن الوساطة التركية قادت إلى التوصل لاتفاق بين (حكومة الوحدة الوطنية الموقتة) برئاسة عبد الحميد الدبيبة وجهاز الردع، بعد أسبوعين من التوترات التي أثارت مخاوف من عودة العنف.
وأوضحت الجريدة أن أجهزة الاستخبارات التركية لعبت دورًا محوريًا في تحقيق هذه التهدئة، بعد أن نجحت في جمع الطرفين، ما يمنحها نفوذًا كبيرًا على موازين القوى في طرابلس.
لكن هذه التسوية تبقى هشة، إذ تقتصر حتى الآن على "نوايا حسنة" من دون إجراءات عملية، فيما يظل الانسحاب الفعلي لقوة "الردع" من مطار معيتيقة – الذي تدير من خلاله حركة المسافرين وتشرف على قاعدة عسكرية ومجمع سجون كبير – العقبة الأبرز.
ونقلت عن مراقبين ليبيين، لم تسمهم، تشكيكهم في إمكانية تخلي "الردع" عن هذه السيطرة التي تمثل مصدر قوتها الأساسي، معتبرين أن محاولات الدبيبة لفرض توحيد المشهد الأمني في طرابلس تحت قيادته مرشحة للفشل.
ويكمن جوهر المشهد الراهن في ليبيا في التحرك التركي المتسارع لتوسيع نفوذه، فمنذ الربيع الماضي، انتقلت أنقرة من حصر علاقاتها في طرابلس إلى الانفتاح بشكل واسع على برقة، معقل الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير حفتر. وهو تحول مذهل في ضوء المعركة الدامية التي شهدتها العاصمة بين عامي 2019 و2020، حين تدخلت تركيا عسكريًا لصالح حكومة الوفاق السابقة، وأسهمت في إخراج قوات حفتر من طرابلس بمواجهة دعم مجموعة فاغنر الروسية.
وأضافت أن الفراغ السياسي الراهن في ليبيا يتيح لأنقرة فرصة أكبر لترسيخ حضورها. فبعد اتفاق وقف إطلاق النار عام 2020، تقاسمت تركيا وروسيا النفوذ في البلاد. لكن مع توقيع أنقرة اتفاقية طاقوية مثيرة للجدل مع طرابلس في 2022، وعودة الخطوط الجوية التركية إلى الأجواء الليبية، وافتتاح قنصلية في بنغازي، بدا أن أنقرة تمضي نحو بناء نفوذ مزدوج غربًا وشرقًا، خاصة بعد تطبيع علاقاتها مع القاهرة وتراجع الدور الروسي في المتوسط.
وبحسب الجريدة، فإن هذا الانفتاح التركي على الشرق يندرج ضمن استراتيجية طويلة الأمد، تعود جذورها إلى أهداف أعلنها الرئيس رجب طيب إردوغان مطلع عام 2020، حين تحدث عن إحياء بصمة أجدادنا في هذه الأراضي، في إشارة إلى الماضي العثماني.
ومن أبرز تجليات هذه الاستراتيجية الجديدة زيارة صدام حفتر، نجل المشير وخليفته المحتمل على رأس الجيش الوطني، إلى أنقرة في أبريل/نيسان الماضي ولقاؤه وزير الدفاع ورئيس الأركان التركي.
وفي يوليو، وصلت خمس شحنات أسلحة تركية إلى بنغازي برًا وبحرًا، تواصل بعضها لاحقًا لتغذية التدفقات اللوجستية التركية نحو أفريقيا ومنطقة الساحل. وأكدت مصادر دولية أن هذه العمليات تعكس مستوى عالٍ من الثقة المتبادلة بين الطرفين، تجلت بوضوح في الزيارة التاريخية التي قام بها رئيس الاستخبارات التركية إبراهيم قالن إلى بنغازي في 25 أغسطس، حيث التقى حفتر بينما كانت الفرقاطة التركية كيناليادا ترسو في الميناء.
ولم تُخفِ أنقرة دافعها الرئيسي من هذا التقارب، إذ تحدثت وكالة الأناضول الرسمية مطلع سبتمبر/أيلول عن "استراتيجية طويلة المدى" ترمي إلى إضفاء الشرعية على اتفاقية الحدود البحرية الموقعة مع طرابلس العام 2019، والتي منحت تركيا نفوذًا واسعًا في مياه شرق المتوسط الغنية بالغاز، فضلًا عن التعاون في مجال الطاقة، وتشير الجريدة الفرنسية إلى أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وقعت الاتفاقية مع حكومة الوفاق السابقة برئاسة فايز السراج مقابل تدخل عسكري أنقذها من السقوط أمام قوات "القيادة العامة".
وأضافت لوموند أن هذه الاتفاقية "تعاني من إشكال قانوني كبير، كونها وُقعت مع سلطات الغرب بينما تتعلق بمناطق بحرية شرقية، ما يستلزم تصديق مجلس النواب عليها لتصبح نافذة، إلى جانب ذلك، ترى أنقرة في شرق ليبيا فرصة اقتصادية مغرية عبر مشاريع إعادة الإعمار، خصوصًا في مدينة درنة التي دمرتها عاصفة دانيال العام 2023، وسط ضغوط متزايدة من شركات البناء التركية للحصول على حصة في هذه السوق.