تركيا تعلن استئناف مناورات عسكرية مع مصر على ضوء تهديدات إقليمية
أنقرة/القاهرة - تستأنف مصر وتركيا مناورات "بحر الصداقة" العسكرية في شرق البحر المتوسط، بعد توقف دام أكثر من عقد، في خطوة جديدة تعكس دفء العلاقات الثنائية، في وقت تواجه فيه المنطقة تحديات أمنية متصاعدة، أبرزها التهديدات الإسرائيلية المتكررة التي باتت تطال أكثر من دولة عربية وإسلامية، بما فيها مصر وتركيا، بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
وأعلنت وزارة الدفاع التركية، الخميس، أن التدريبات المشتركة ستجري في الفترة من 22 إلى 26 سبتمبر/أيلول الجاري، في إطار ما وصفته بـ"تطوير العلاقات الثنائية وتعزيز قابلية العمل المشترك بين القوات المسلحة في البلدين"، بحسب تصريح المتحدث باسم الوزارة، العقيد زكي أق تورك، خلال إحاطة صحفية في أنقرة.
الخطوة تأتي لتتوج سلسلة من التحركات السياسية والدبلوماسية على مدار السنوات الماضية، شهدت خلالها العلاقات بين أنقرة والقاهرة تحوّلاً تدريجياً من القطيعة إلى التعاون. فبعد سنوات من الفتور السياسي بسبب ملفات خلافية – أبرزها موقف تركيا من جماعة الإخوان المسلمين بعد الإطاحة بحكم الرئيس المصري الأسبق محمد مرسي عام 2013 – تمكن الجانبان من تجاوز هذه المرحلة، وفتح صفحة جديدة على أساس المصالح المشتركة.
وفي هذا السياق، لم يعد ملف الإخوان المسلمين يشكل محور توتر كما كان في السابق، حيث تجنبت أنقرة، خلال السنوات الأخيرة، التصعيد الإعلامي والسياسي حول الملف، بينما أبدت القاهرة مرونة محسوبة في تفاعلها مع المبادرات التركية. ورافق هذا الانفراج تطور ملحوظ في العلاقات الاقتصادية، شمل تبادل الوفود، وتوقيع اتفاقيات تجارية، وزيادة ملحوظة في حجم التبادل التجاري، ما ساهم في تهيئة الأرضية المناسبة لاستئناف التعاون العسكري.
استئناف مناورات "بحر الصداقة" بين تركيا ومصر يحمل دلالات رمزية وعملية في آن واحد. فعلى المستوى الرمزي، تعكس الخطوة حرص الجانبين على تجاوز الماضي، وتعزيز الشراكة في منطقة تشهد اضطرابات متزايدة. أما على المستوى العملي، فهي تشكّل اختبارًا لقدرة البلدين على تنسيق الجهود الدفاعية، خصوصًا في منطقة شرق المتوسط، التي باتت ساحة تنافس إقليمي ودولي، وسط تنامي الأطماع البحرية والنزاعات حول الغاز والطاقة.
;المشاركة العسكرية في المناورات ستكون واسعة، إذ ستشمل من الجانب التركي فرقاطات وزوارق هجومية وغواصات وطائرات مقاتلة من طراز "إف-16"، بينما سترسل مصر السفن "تحيا مصر" و"فؤاد ذكري"، في تأكيد على الطابع الجدي للتدريبات. كما سيحضر قائدا القوات البحرية في البلدين "يوم المراقبين المميز"، في 25 سبتمبر/ايلول، ما يعزز الطابع السياسي والدبلوماسي للمناورات.
التقارب المصري التركي لا يمكن فصله عن تصاعد التوترات الإقليمية، وخاصة التصريحات العدائية المتكررة من مسؤولين إسرائيليين تجاه القاهرة وأنقرة، في ظل استمرار الحرب في غزة وامتداد تداعياتها السياسية والأمنية في المنطقة. فخلال الأشهر الأخيرة، صدرت عن بعض الأوساط السياسية والعسكرية الإسرائيلية إشارات ضمنية اعتُبرت تهديدات مباشرة لأمن دول بعينها، من بينها مصر، بسبب دورها في دعم القضية الفلسطينية، وتركيا بسبب مواقفها المعلنة من العدوان الإسرائيلي.
ويرى مراقبون أن هذا التقارب بين تركيا ومصر، في ظل تلك الظروف، يشكل رسالة إقليمية مفادها أن القوى الإقليمية الكبيرة قادرة على تجاوز خلافاتها التاريخية، من أجل بناء توازنات جديدة تحفظ استقرار المنطقة، وتواجه محاولات التمدد الإسرائيلي أو أي أطراف خارجية تحاول فرض واقع جيوسياسي جديد في شرق المتوسط.
مع استئناف التعاون العسكري وعودة المناورات البحرية، يبدو أن العلاقات بين أنقرة والقاهرة بصدد الدخول في مرحلة أكثر عمقًا واستراتيجية. فالتعاون العسكري يمكن أن يمتد ليشمل مجالات أخرى مثل مكافحة الإرهاب، تأمين الحدود البحرية، والتنسيق في قضايا الطاقة، خاصة مع تداخل مصالح البلدين في شرق المتوسط وليبيا وملفات إقليمية أخرى.
ورغم وجود بعض الملفات العالقة، إلا أن إعادة مناورات "بحر الصداقة" قد تكون بداية لمرحلة جديدة من الشراكة، تعيد تشكيل التوازنات في المنطقة، في مواجهة تهديدات لم تعد خافية على أحد.