تركيا تقف حاجزا أمام عملية إرساء السلام في ليبيا

التدخل العسكري التركي يفاقم حجم المخاطر في ليبيا ويدفع بالصراع الليبي نحو طريق مسدود، ما قد يتسبب في تقسيم البلاد.


أردوغان يتجاهل التحذيرات الدولية من عواقب تدخله في ليبيا


فرنسا تحذر من أن الوضع في ليبيا ينذر باستنساخ السيناريو السوري

طرابلس – تسهم تركيا المتمسكة بتدخلها العسكري بليبيا منذ أشهر في تقويض مساعي إرساء السلام في ليبيا، ومنع قوات الجيش الوطني الليبي من التقدم نحو تحرير العاصمة طرابلس من الميليشيات المتطرفة الموالية لحكومة الوفاق بقيادة فايز السراج.

وتواصل تركيا دعم ميليشيات السراج في معركته ضد الجيش الليبي بطائرات مسيرة وجنود أتراك وعناصر سورية وغير سورية مسلحة تنحدر من أكبر الجماعات المتشددة التي ترعرعت في بيئة إرهابية ساهمت تركيا في تغذيتها شمال سوريا، ما يزيد حجم المخاطر في الصراع الليبي الذي وصل إلى طريق مسدود وقسم البلاد، فيما يسعى المجتمع الدولي لإنهاء الاقتتال الدموي المسبب في مقتل الآلاف ونزوح الملايين بحثا عن ملاذ آمن.

ويبدو أن الرئيس التركي رجي طيب أردوغان متمسك بتغذية الصراع في ليبيا، ضاربا بذلك عرض الحائط الدعوات الدولية والإقليمية لوقف القتال في ليبيا للتفرغ لمواجهة انتشار محتمل للوباء وإرساء السلام في بلد يعاني هشاشة بالقطاع الصحي بسبب الاضطرابات الأمنية المستمرة منذ نحو عقد.

ويواجه الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر الآن شبح الفشل في جهوده المستمرة منذ عام لانتزاع السيطرة على طرابلس وتحريرها من أيدي الفصائل المسلحة.

وتقدم حفتر الصيف الماضي إلى الضواحي الجنوبية لطرابلس مقتربا من السيطرة على العاصمة، لكن التدخلات التركية قلبت الموازين وغيرت مسار المعارك وأججت الصراع في ليبيا وعقدت مهمة إرساء السلام.

 وتعترف تركيا بإرسال طائرات مسيرة ودفاعات جوية ومستشارين لحكومة السراج. كما نقلت مقاتلين سوريين إلى ليبيا وعناصر إرهابية تنتمي لتنظيم داعش.

وجاء تدخل أنقرة عسكريا في أعقاب اتفاق تم بين السراج وأردوغان أواخر 2019 على ترسيم الحدود البحرية عام 2019 وتقديم الدعم العسكري لحكومة الوفاق. وتدخل تركيا كذلك في خصومات إقليمية مع داعمين للجيش الوطني الليبي بما فيهم روسيا.

الجيش الليبي يتمسك بمهمة طرد تركيا من طرابلس
الجيش الليبي يتمسك بمهمة طرد تركيا من طرابلس

وأصبحت ليبيا ساحة صراع مشتعلة للأطراف الأجنبية المتنافسة، حيث ذكرت تقارير أن روسيا عززت مؤخرا قوات حفتر بطائرات حربية، على غرار الدعم التركي لمليشيات السراج.

وتقول الأمم المتحدة إن شركة فاجنر الروسية نشرت ما يصل إلى 1200 من المرتزقة في ليبيا. ويقول الجيش الأميركي إن موسكو أرسلت طائرات مقاتلة لدعمهم. وتٌستخدم الأسلحة الروسية الصنع على نطاق واسع في الحرب، فيما تنفي موسكو إرسال قوات أو طائرات وتدعو إلى الحل السياسي.

كما تنفي القيادة العامة للجيش الوطني الليبي نفيا قاطعا اقتناء اي مقاتلات جديدة من أي أطراف أجنبية، وأكدت أن من كل الطائرات التي استخدمتها منذ انطلاق ما يسمى بـ"عملية الكرامة" مقاتلات قديمة تمت صيانتها من قبل كوادر فنية ليبية.

وتقف ليبيا مرة أخرى بعد سنوات من الفوضى التي أعقبت الانتفاضة ضد معمر القذافي عام 2011 وفي ظل التدخل العسكري التركي، أمام صراع أكثر حدة بين إدارتين متصارعتين إحداهما في طرابلس في الغرب والأخرى في بنغازي في الشرق.

ومع تدفق المزيد من إمدادات الأسلحة والمقاتلين الأتراك والمرتزقة السوريين الذين ترسلهم تركيا، يترقب الليبيون في خوف، صراعا لا ينتهي تواصل فيه القوى الخارجية تأجيج الحرب لحماية مصالحها، من غير أن تتكبد أي قدر من الألم.

وقبل نحو أسبوعين دانت منظمة الأمم المتحدة بشدة استمرار تركيا نقل المرتزقة السوريين بينهم أطفال للقتال في ليبيا، محذرة من أن ذلك يقوض المساعي الدولية لإرساء السلام في البلد الذي يعاني اضطرابات أمنية منذ 2011.

وكان مدير المرصد السوري لحقوق الإنسان رامي عبدالرحمن قد تحدث مرارا أن حصيلة المرتزقة السوريين في ليبيا بعد وصول دفعة جديدة مؤخرا إلى طرابلس عبر الجسر الجوي التركي تضم 120 مقاتلا، 9600 مسلح الفصائل السورية التي ارتكبت ولا تزال ترتكب جرائم بشعة بحق أبناء الشعب السوري في محافظات الشمال، وفق ما أكده المرصد السوري.

وكشف المرصد انتهاكات السلطات التركية بنقل المقاتلين السوريين قسرا بمغريات واهية إلى ليبيا وبينهم أطفال.

أردوغان يخطط لبسط نفوذه في ليبيا وسوريا وتثبيت مشروع سيطرة الإخوان على المنطقة
أردوغان يخطط لبسط نفوذه في ليبيا وسوريا وتثبيت مشروع سيطرة الإخوان على المنطقة

ويرفض المقاتلون السوريون مؤخرا المشاركة في معارك طرابلس بعد أن كانوا يتسابقون على الذهاب إلى هناك، بسبب تراجع تركيا عن دفع رواتب عالية وعدت بها في بداية الأمر، لكنها لم تف بذلك، إذ أن الراتب الشهري لكل مقاتل لا يتعدى الآن في أقصى حالاته 400 دولار أميركي خلافا لما وعدت به السلطات التركية بأن يكون الراتب 2000 دولار على الأقل.

وفيما تستمر تركيا في إرغام قيادات الفصائل السورية الموالية لها على إرسال المقاتلين إلى طرابلس، يرى مراقبون أن أردوغان يهدف من خلال ذلك إلى بسط نفوذه في ليبيا بعد سوريا وتثبيت مشروعه في سيطرة الإخوان المسلمين على البلاد العربية.

إلى ذلك حذر دبلوماسي غربي مختص بشؤون ليبيا من "نزاع مقيم يُقابل فيه التصعيد بتصعيد، ويتزايد فيه العنف، دون حل أو مخرج".

وحذرت فرنسا هذا الأسبوع من أن الوضع في ليبيا ينذر بخطر استنساخ السيناريو السوري عندما هوت البلاد إلى حرب بلا نهاية تقودها قوى خارجية.

وكان مسؤولون روس وأتراك تحدثوا الأسبوع الماضي وأصدروا بيانا اتفقوا فيه على ضرورة وقف إطلاق النار، في إشارة محتملة إلى أنهم توصلوا لاتفاق في الغرف المغلقة لتجنب الصدام المباشر بعد وصول الطائرات الروسية.

وقال دبلوماسي غربي آخر مختص في شؤون ليبيا "لقد وضعوا المسدس على الطاولة ليشيروا لتركيا بأن هناك حدودا للمدى الذي يمكن أن تذهب إليه قواتها باتجاه الشرق".