تركيا ملزمة بالأفعال لا الأقوال لتجنب عقوبات أوروبية قاسية

وزير الخارجية الفرنسي يوجه إلى تركيا رسالة تحذير، داعيا إياها لتغيير سلوكها والانتقال من سياسة المناورة إلى إظهار الجدية في وقف انتهاكاتها المستمرة.


باريس: على تركيا تغيير سلوكها في المتوسط


اردوغان يهادن أوروبا خشية عقوبات قد تعصف بالاقتصاد التركي


أوروبا تضغط لكبح الانتهاكات التركية الواسعة في المتوسط


اردوغان يغازل بروكسل.. تركيا ترى نفسها جزءا لا ينفصم عن الاتحاد الأوروبي

باريس - باتت أنقرة اليوم ملزمة تحت وطأة الضغوط الأوربية بالانتقال من خطابات التهدئة والمهادنة والمناورة إلى إظهار نوايا حسنة في الاستجابة لدعوات بروكسل بوقف انتهاكاتها في مياه شرق البحر المتوسط لتجنب عقوبات من شأنها تفاقم أزمة تركيا الاقتصادية.

وأعلن وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان الأحد أن باريس تنتظر "أفعالاً" من جانب تركيا قبل انعقاد المجلس الأوروبي في ديسمبر/كانون الأول الذي سيتناول مسألة العقوبات الجديدة ضد أنقرة.

وقال لودريان في تصريح صحافي "لا يكفي أن نلاحظ منذ يومين أو ثلاثة أيام تصريحات تهدئة من جانب الرئيس التركي رجب طيب اردوغان، ينبغي أن تكون هناك أفعال".

ويأتي تعليق لودريان غداة دعوة الرئيس التركي الاتحاد الأوروبي إلى الحوار، حيث تسعى أنقرة إلى مغازلة الاتحاد الأوروبي بعد الحديث في الدوائر الأوروبية على وجود نوايا لفرض عقوبات مشددة على أنقرة بسبب انتهاكاتها لحقوق الانسان وتجاوزتها في شرق المتوسط وتدخلاتها في عدد من الساحات الخارجية آخرها ملف ناغورني قره باغ المتنازع عليه.

وأكد لودريان أن من بين الأفعال المنتظرة، "هناك بعضها بسيطة يمكن القيام بها في شرق المتوسط وليبيا وكذلك في قره باغ".

وذكّر وزير الخارجية الفرنسية بـ"أننا لدينا الكثير من الخلافات" مع أنقرة مشيراً إلى "رغبة التوسّع" التركية وهي "سياسة الأمر الواقع" في ليبيا والعراق وشرق المتوسط، "حيث يهاجم الأتراك عضوين في الاتحاد الأوروبي هما اليونان وقبرص" وحتى "في ناغورني قره باغ، حيث يرسلون أيضاً مرتزقة سوريين".

وختم بالقول إن "الاتحاد الأوروبي أعلن في شهر أكتوبر/تشرين الأول أنه سيتحقق من موقف تركيا بشأن هذه المسائل المختلفة خلال اجتماع المجلس الأوروبي في ديسمبر/كانون الأول، بعد بضعة أيام. في تلك اللحظة سنتحقق من الالتزامات".

ومدّدت تركيا السبت حتى 29 نوفمبر/تشرين الثاني مهمة سفينة التنقيب التركية 'عروج ريس' في منطقة بحرية تتنازع عليها مع اليونان، إذ إن اكتشاف حقول غاز هائلة فيها يغذي أطماعها.

ويثير وجود السفينة في شرق المتوسط منذ أشهر عدة توتراً مع الاتحاد الأوروبي الذي مدد هذا الشهر عقوبات ضد تركيا لعام إضافي ويعتزم تشديدها.

وقال اردوغان السبت في خطاب مسجّل خلال مؤتمر حزبه الحاكم، إنه يرغب في "تعاون أقوى مع أصدقائنا وحلفائنا الأوروبيين". وأضاف الرئيس الإسلامي المحافظ "لا نرى أنفسنا خارج أوروبا. نعتزم بناء مستقبلنا سوياً مع أوروبا".

ماكرون يحشد أوروبيا لردع تركيا
ماكرون يحشد أوروبيا لردع تركيا

وبدا من خلال التصريحات الأخيرة الهادئة أن اردوغان بات مجبر بالانصياع للضغوط الأوروبية والغربية لتفادي عقوبات قد تعصف بالاقتصاد التركي الذي يشهد منذ أشهر اضطرابات متوالية.

وعمد اردوغان مؤخرا في مسعى لترطيب الأجواء إلى تخفيف تدخله في ليبيا بسحب عدد من المرتزقة وإدلاء وتخفيف التوتر مع الرياض من خلال تصريحات ودية على غير العادة بالإضافة إلى خطابات التهدئة مع الاتحاد الأوروبي.

وبينما تعمقت عزلة الرئيس التركي بسبب نهجه العدواني تجاه المجتمع الدولي الذي يدفع بتركيا نحو الهاوية، بات من المفروض على أنقرة أن تغير سلوكها لتخفيف الأجواء المشحونة بينها وبين المجتمع الدولي المندد مرارا بانتهاكاتها الواسعة.

ويبدو أن اردوغان يفكر في تغيير سياساته تجاه دول المنطقة في محاولة لترميم الشروخ التي أحدثها في علاقات تركيا الخارجية لإنقاذ الاقتصاد من الانهيار.

 قال الرئيس التركي الأحد إن بلاده المرشحة رسميا لعضوية الاتحاد الأوروبي ترى نفسها جزءا لا ينفصم عن أوروبا لكنها لن ترضخ للحملات والمعايير المزدوجة.

والخميس طالبت ألمانيا الخميس تركيا بالتوقف عن استفزازاتها في مياه شرق المتوسط في حال أرادت تجنب أي عقوبات أوروبية.

ومن شأن أي عقوبات أوروبية جديدة أن تعمق أزمة تركيا الاقتصادية المتفاقمة بسبب تدخلات الرئيس التركي في ليبيا وسوريا وصرفه على حروب خارجية استنزفت موارد الدولة وتسببت في نفور المستثمرين نطرا لضبابية مستقبل تركيا أمنيا وسياسيا.

كما أن اردوغان عمق بخوضه حروبا مجانية عزلة تركيا في المنطقة وخسر حلفاء تقليديين من الخليج إلى أوروبا والغرب، فيما تتسع أزمة تركيا بسوء إدارته لأزمات البلاد المتناثرة بدخلاته في السياسة النقدية شنه حملة تصفيات سياسية ضد الكوادر والكفاءات بالبنك المركزي، ما وضع الاقتصاد في موقف ضعيف في مواجهة الأزمات خصوصا تداعيات انتشار فيروس كورونا.

اردوغان أحدث بسلوكه العدواني شروخا عميقة في علاقات تركيا الخارجية
اردوغان أحدث بسلوكه العدواني شروخا عميقة في علاقات تركيا الخارجية

ويفترض في الوضع الاقتصادي المتأزم الذي تعيشه تركيا، أن يلتفت أردوغان لأزماته الداخلية، لكنه اختار التصعيد على أكثر من جبهة واستنزف موازنة البلاد في حروب مدفوعة بأطماع استعمارية وبحثا عن مجد خلا للإمبراطورية العثمانية ولتحقيق طموحات شخصية وتنفيذ أجندة التمكين لجماعات الاسلام السياسي، فضلا عن انتهاكاته المستمرة في مياه شرق المتوسط بتوسيع أنشطة التنقيب.

وردا على انتهاكات تركيا تحدث وزير فرنسي الأحد الماضي عن "عقوبات اقتصادية محتملة" من قبل الإتحاد الأوروبي تستهدف قطاعات في تركيا بسبب مواقفها "العدائية" على حدود أوروبا، مؤكدا أن بروكسل ستنتقل إلى اعتماد نهج أكثر حدة وصرامة لكبح الانتهاكات التركية المستمرة.

وقال وزير الدولة الفرنسي للشؤون الأوروبية كليمان بون "لقد منحنا فرصة في القمة الأوروبية الأخيرة لتركيا والتي أرسلت دلائل صغيرة على التهدئة، والآن اختارت مرة أخرى طريق الاستفزاز والعدوانية الممنهجة"، مضيفا "بالتأكيد سنذهب إلى أبعد من ذلك".

وبعد سلسلة من الخلافات أدان الاتحاد الأوروبي استفزازات أنقرة "غير المقبولة أبدا" في نهاية أكتوبر/تشرين الأول، لكنه أرجأ اتخاذ أي قرار بشأن فرض عقوبات إلى حين عقد قمته في ديسمبر/كانون الأول.

وكثفت تركيا في الأشهر الأخيرة انتهاكاتها بتمديدها أنشطة التنقيب مرارا في مياه شرق المتوسط على الرغم من التحذيرات الأوروبية، فيما لا يبدو أن تركيا ستتراجع عن أنشطتها غير القانونية ما لم تتخذ أوروبا قرارات ردعية.

وسحبت تركيا في أكتوبر/تشرين الثاني الماضي سفن التنقيب من مياه شرق المتوسط في خطوة اعتبرها محللون مناورة لتفادي أي عقوبات أوروبية، لكنها سرعان ما أعادت تلك السفن إلى مهامها "غير القانونية" متجاهلة التحذيرات الأوربية.

وتضاعف التوتر والخلاف بين الاتحاد الأوروبي وتركيا، لا سيما في شرق البحر المتوسط، حيث أثار اكتشاف حقول الغاز الضخمة مطامع دول المنطقة.