ترميم المساجد في العراق حماية للذاكرة وإحياء للهوية

المآذن والقباب العريقة تحكي قصة حضارة ممتدة وتؤكد أن الحفاظ على التراث استثمار في المستقبل والهوية.

بغداد ـ تُعدّ المساجد التاريخية في العراق أكثر من مجرد أماكن للعبادة، فهي شواهد حيّة على تعاقب الحضارات، ومرآة صادقة للهوية الدينية والثقافية والاجتماعية للبلاد. فمنذ القرون الأولى للإسلام، شكّلت هذه المساجد مراكز للعلم والفقه، ومنابر للخطاب الديني والفكري، وفضاءات للتلاقي الاجتماعي، وأسهمت بشكل مباشر في صياغة ملامح المدن العراقية الكبرى، وفي ترسيخ دور العراق كمركز حضاري مؤثر في التاريخ الإسلامي.

ومن بغداد إلى الموصل، ومن سامراء إلى البصرة، تنتشر مساجد عريقة تحمل في جدرانها وزخارفها وتكويناتها المعمارية تاريخًا يمتد لقرون. وتتميّز هذه المساجد بتنوّع أساليبها المعمارية، التي تعكس التأثيرات العباسية والعثمانية والفارسية وغيرها، حيث تتجاور المآذن الشاهقة مع القباب المزخرفة، وتتماهى الخطوط العربية مع الزخارف الهندسية والنباتية، في مشهد يجسّد ثراء التراث العراقي وتعدّد روافده.

غير أنّ هذه المعالم الدينية والتاريخية واجهت خلال العقود الأخيرة تحديات جسيمة، جعلت ملف ترميمها ضرورة وطنية وثقافية ملحّة. فقد مرّ العراق بفترات عصيبة من الحروب والصراعات، تركت آثارًا عميقة على بناه التحتية وتراثه العمراني، وكان للمساجد التاريخية نصيب كبير من هذه الأضرار. فالقصف المباشر، والإهمال الطويل، وتغيّر وظائف بعض المباني، إلى جانب التوسع العمراني غير المنظم، كلّها عوامل أسهمت في تدهور حال العديد من المساجد ذات القيمة التاريخية.

ولا تقتصر التهديدات على العوامل البشرية وحدها، بل تمتد إلى العوامل الطبيعية، مثل الرطوبة والسيول وارتفاع منسوب المياه الجوفية، فضلًا عن التغيرات المناخية المتسارعة التي باتت تهدد المباني القديمة بشكل متزايد. ففي مناطق واسعة من وسط وجنوب العراق، تعاني بعض المساجد التاريخية من تآكل الأساسات والجدران، وتشقق القباب، وتساقط أجزاء من الزخارف، ما يجعل التدخل السريع ضرورة لتفادي خسائر أكبر يصعب تعويضها لاحقًا.

وفي السنوات الأخيرة، شهد العراق جهودًا متنامية لإعادة تأهيل المساجد التاريخية المتضررة، ضمن برامج حكومية وبالتعاون مع منظمات دولية ومحلية متخصصة في الحفاظ على التراث. وتركّز هذه الجهود على معادلة دقيقة تجمع بين الحفاظ على الطابع المعماري الأصيل، وتوفير متطلبات السلامة والاستخدام المعاصر. فالمسجد، على الرغم من قيمته الأثرية، يبقى فضاءً حيًا يؤدي وظيفة دينية واجتماعية يومية، ما يستدعي تهيئته لاستقبال المصلين، وتوفير بيئة آمنة ومناسبة، دون الإخلال بروحه التاريخية.

ويُعدّ جامع النوري الكبير في الموصل من أبرز الأمثلة على أهمية الترميم بوصفه فعلًا رمزيًا وثقافيًا. فالجامع، الذي يعود تاريخه إلى القرن السادس الهجري، تعرّض لدمار واسع خلال المعارك التي شهدتها المدينة. وقد تحوّل مشروع ترميمه، بما في ذلك إعادة بناء مئذنته الحدباء الشهيرة، إلى رمز لاستعادة الحياة والهوية في الموصل، ورسالة أمل لسكانها بأن المدينة قادرة على النهوض من جديد، وأن الذاكرة الجماعية يمكن ترميمها كما تُرمّم الحجارة.

ولم تقتصر جهود الترميم على هذا الجامع وحده، بل شملت مساجد تاريخية أخرى في بغداد، مثل جامع مرجان وجامع الخلفاء، حيث جرى العمل على معالجة التشققات، وترميم الزخارف، وتعزيز البنية الإنشائية لضمان استدامتها. كما شملت المشاريع مساجد في سامراء وكربلاء والنجف والبصرة، لكل منها خصوصيته التاريخية والمعمارية التي تتطلب حلولًا فنية مختلفة.

وتبرز في هذا السياق التحديات الهندسية المرتبطة بالعوامل الطبيعية، إذ تتطلب عمليات الترميم دراسات دقيقة للتربة والمواد المستخدمة في البناء الأصلي. ويؤكد مهندسون مختصون أن نجاح الترميم يعتمد على استخدام مواد وتقنيات تتوافق مع طبيعة المباني الأثرية، وتجنّب الحلول السريعة التي قد تُلحق أضرارًا طويلة الأمد. كما أن توثيق كل مرحلة من مراحل الترميم يُعدّ أمرًا ضروريًا للحفاظ على السجل التاريخي والمعماري لهذه المعالم.

ويمتد ترميم المساجد التاريخية ليشمل البعد الاجتماعي والروحي، فالمسجد، تاريخيًا، كان مدرسة لتعليم العلوم الدينية، ومنبرًا للوعظ والإرشاد، ومركزًا للتكافل الاجتماعي. وإعادة تأهيله تسهم في إحياء هذا الدور، وتعزيز الروابط بين السكان المحليين، لا سيما في المدن التي عانت من النزوح والتفكك الاجتماعي خلال السنوات الماضية. فعودة المسجد إلى سابق عهده تعني، في كثير من الأحيان، عودة جزء من الحياة الطبيعية إلى محيطه.

ويؤكد مختصون في شؤون التراث أن إشراك المجتمع المحلي في عمليات الترميم يُعد عنصرًا أساسيًا لنجاح هذه المشاريع. فمشاركة الأهالي، سواء عبر الدعم المعنوي أو المساهمة المباشرة، تعزّز الشعور بالانتماء والمسؤولية تجاه هذه المعالم، وتضمن حمايتها وصيانتها بعد انتهاء أعمال الترميم. كما أن رفع مستوى الوعي المجتمعي بأهمية التراث يسهم في الحد من التجاوزات والإهمال، ويحوّل المساجد إلى فضاءات تحظى برعاية جماعية مستمرة.

ويرى خبراء أن الاستثمار في ترميم المساجد التاريخية في العراق لا يقتصر على البعد الديني، بل يمتد إلى البعد السياحي والثقافي، فالمساجد العريقة تشكّل نقاط جذب للزوار والباحثين، وتسهم في تنشيط السياحة الثقافية والدينية، ما ينعكس إيجابًا على الاقتصاد المحلي، ويوفّر فرص عمل لأبناء المناطق المحيطة بها. كما أن إدراج هذه المعالم ضمن المسارات السياحية يساهم في التعريف بتاريخ العراق الغني، ويعزز حضوره الثقافي على المستويين الإقليمي والدولي.

ويبقى التحدي الأكبر هو تحقيق التوازن بين الحفاظ على الأصالة المعمارية، وتلبية متطلبات العصر الحديث، فإدخال أنظمة الكهرباء والتكييف والسلامة يجب أن يتم بعناية فائقة، دون تشويه الطابع التاريخي أو الإضرار بالعناصر الأثرية. ولهذا، تتطلب مشاريع الترميم خبرات متخصصة، وتعاونًا مع جامعات ومراكز بحثية محلية ودولية، لضمان تطبيق أفضل الممارسات في مجال الحفاظ على التراث.