تسرب الإخوان وتظاهرات الشباب

بقلم: حسام عبدالقادر

المراقب للأحداث في مصر منذ يوم 25 يناير وحتى كتابة هذه الكلمات يلاحظ أن هناك تحركات مدروسة وواعية وذكية لجماعة الإخوان المسلمين، بدأت الجماعة قبل يوم 25 يناير بإعلانها أن المشاركة في هذه التظاهرة أمر شخصي وليس رسميا.. حتى نجحت المظاهرة وتحولت لثورة، ثم أعلنت مشاركتها رسميا بدءا من يوم الجمعة 28 يناير، معلنة أنها تشارك الشباب في مطالبهم وأنها لا ترفع أي شعار ديني.

وعندما قاموا بإنشاء إذاعة داخل ميدان التحرير للمتظاهرين، أعلنوا أن هذه الإذاعة ليست للإخوان ولكن لكل المتظاهرين من كل الأطياف والفئات، ثم بدأ الشكل التنظيمي للإخوان يظهر من خلال الترتيبات داخل ميدان التحرير من عمل الخيام وتوزيع الأدوار وغيره، بالطبع هذه الإجراءات قام بتنفيذها كل الشباب ولكن كان واضحا اللمسات الإخوانية في الشكل التنظيمي، وتوزيع المنشورات وعرض الطلبات، وخلافه.

خلال هذه الفترة وقبل تنحي الرئيس السابق حسني مبارك، بدأ صوت قيادات الإخوان يرتفع وبدأت تخرج تصريحات رسمية وبدأت جماعة الإخوان في عقد اجتماعات، وتلقائيا تم حذف كلمة "المحظورة" لأنها كلمة لها علاقة بالنظام السابق، وبدأ الإخوان يعرضون أفكارا وطلبات.

ثم جاءت موقعة الجمل التي كانت نقطة تحول كبيرة في ثورة 25 يناير حيث أن هذه الموقعة قامت باستمالة كل الآراء المحايدة والمتعاطفة مع بقاء مبارك حتى إنهاء ولايته، إلى المتظاهرين ومطالبهم، وقد كان تنظيم الدفاع للمتظاهرين في هذه الموقعة إخوانيا بالدرجة الأولى، فهم ذوو خبرة سابقة في طرق الدفاع وكيفية صد أي هجوم، ولا ننسى أن للإخوان جناحا عسكريا.

صاحبت هذه الفترة أو أعقبتها تصريحات من تنظيم الإخوان عدم نيته خوض الانتخابات على رئاسة الجمهورية، والتأكيد على عدم رفع أي شعارات دينية لأن التظاهرات للشعب بأكمله، وأعرف أن الإخوان دائما لا يريدون منصب الرئاسة في أي انتخابات يشاركون فيها، والدليل على ذلك أن جميع مشاركاتهم في انتخابات النقابات كانت على مقاعد المجلس وليس على مقعد النقيب، وبالتأكيد أن هذا الموضوع له دلالة ما لديهم ولدى فكرهم.

تخلل هذه الأحداث من بدايتها تصريحات نارية للشيخ يوسف القرضاوي والذي طالب الشعب بضرورة الوقوف ضد مبارك حتى يرحل، وهي الكلمات التي بثتها قناة الجزيرة وكانت السبب الرئيسي في قيام نظام مبارك بوقف بثها، ثم خطاب القرضاوي في جمعة الاحتفال بالنصر والذي تسبب في قلق عالمي، وأعطى انطباعا بأن الإخوان هم الذين يحتفون بالثورة دليل على أنهم السبب الرئيسي فيها.

والمتأمل لكل ما سبق يرى أن الإخوان كانوا من الذكاء بحيث لم يدخلوا بقوة من بداية الثورة، بل لقد تسربوا بدهاء شديد حتى وصلوا إلى أهدافهم، وما زالوا يحققون المزيد من هذه الأهداف، بل بدأوا الإعداد وأخذ الخطوات الجدية لإشهار حزب سياسي، وأظن أن هذا الحزب سيلاقي إقبالاً كبيرا من المواطنين المنتمين للإخوان أصلا والمتعاطفين معهم وهم كثير.

لا شك أن الإخوان حاليا هم التنظيم السياسي الوحيد في مصر، بعد القضاء على الحزب الوطني ونظام مبارك، وأصبح الإخوان منفردين لا يوجد لهم منافس، فهم دائما مستعدين بتنظيماتهم وتغلغلهم في المجتمع من خلال الخدمات الاجتماعية التي كانت تتم من خلال المساجد، بينما الشباب الذي قام بثورة 25 يناير حالياً يعكف على الاحتجاج واستمرار التظاهر، يريد تغيير فلان وعلان، أعجب بنفسه فبدأ يطالب بالمزيد من التغيير، وهو شيء جيد، ولكنه نسي وسط نشوة النصر أنه غير منظم ولا ينظر للمستقبل، بل إن هؤلاء الشباب لم يلتفتوا إلى أهمية ما يحدث في التعديلات الدستورية وما هو المطلوب منها، وحتى الآن لم يتكاتفوا نحو شخص محدد لترشيحه رئيسا للجمهورية والوقوف بجانبه، حتى الآن لم يقدموا برنامجا معينا ومحددا.

لماذا كلما يخرج مجموعة من الشباب ليتحدثوا يقولون أنه لا يمثل شباب الثورة، وأنه يعبر عن رأيه الخاص، لماذا كلما قام أحد باقتراح محدد يسرع الآخرون بأنه يتحدث عن نفسه ولا يمثل الشباب، لقد قاموا بتشويه صورة وائل غنيم بعد أن ظهر وأخذ صيتا كبيرا، وتم اتهامه بالتسلق وغيرها من الاتهامات، وكلما يظهر أحد يحدث معه نفس الأمر، لماذا لم يقم هؤلاء الشباب بإنشاء حزب مثلما تم الإعلان في يوم من أيام الثورة، أسئلة كثيرة ولا توجد إجابة عليها، وفي النهاية لقد تسرب من تسرب، فقد ترك الإخوان للشباب استمرار اعتراضاتهم وساروا هم بخطوات ثابتة نحو تحقيق ما يريدون.

أنا لست ضد أن يحتل الإخوان موقعا في السلطة فهم شريحة بالمجتمع ومن حقهم أن يمثلوا، ولكني أحذر من سياسة التسرب إلى السلطة وما يتبع ذلك من خطوات أو نتائج قد تؤثر على مصر في العقود القادمة وعلى علاقاتها مع مختلف دول العالم، وسط غيبة مجتمعية ونشوة بانتصار ثورة 25 يناير.

حسام عبدالقادر

hossam@amwague.com