تشكيلة حكومة الزيدي تخالف وعوده لواشنطن بالابتعاد عن طهران

رئيس وزراء العراق يقود حكومة تم تشكيلها في ظل نفوذ قاآني وبدعم فصائلي وضمت مقربين من الحرس الثوري.

العراق – قدم رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي وعودا للولايات المتحدة بالابتعاد عن إيران، أكدها براد كوبر قائد القيادة المركزية الأميركية لمجلس الشيوخ خلال تقديمه إحاطة مؤخرا بشأن الأوضاع في المنطقة، إلا أن تحركات الزيدي الأولى منذ توليه منصبه تشير إلى عدم صدق نواياه، أو عدم قدرته على تنفيذ هذه التعهدات.

وبحسب تقرير لمنتدى الشرق الأوسط، قدّم الزيدي حكومة غير مكتملة، إذ لم يوافق البرلمان إلا على 14 وزيراً من أصل 23. ولا تزال حقائب وزارية رئيسية، كالدفاع والداخلية، شاغرة. وتتحكم هذه الوزارات في الأمن والأسلحة والتمويل والتعيينات وعلاقة الدولة بالفصائل المسلحة. فلا يمكن لحكومة تبدأ عملها دون وزارتي الدفاع والداخلية أن تقدم لواشنطن التزامات أمنية كبيرة ذات مصداقية.

ولا يخفى على واشنطن ضغوط طهران على الزيدي، خصوصا أن قائد فيلق القدس إسماعيل قاآني زار بغداد مرتين على الأقل خلال مفاوضات تشكيل الحكومة. وتشير تسريبات إلى أنه وضع خطوطاً حمراء للفصائل العراقية بشأن ملفات تتداخل مع التزامات الزيدي تجاه واشنطن. وتُظهر تهنئة السفارة الإيرانية له أن طهران لا ترى الزيدي بعيدا عنها أو من الممكن أن يتخلى عنها.

ولم يُثبت الزيدي نيته في إبعاد العراق عن إيران. إذ يتحدث في بغداد بلغة التوازن وخفض التصعيد. أما في وسائل الإعلام الناطقة بالفارسية، فيبدو أقرب إلى تأكيد مكانة العراق ضمن فلك إيران الاستراتيجي.

وتُقدّم حكومة الزيدي أمثلة عديدة تُبيّن عدم مصداقية وعده بنأي العراق عن إيران. فقد حصل مصطفى سند شديد الولاء لإيران على وزارة الاتصالات، وهي إحدى أهم الحقائب الوزارية في دولة بُنيت على الشبكات والبيانات والبنية التحتية الرقمية. وإسناد هذه الوزارة إلى شخصية مُقرّبة من قاآني يُتيح لفيلق القدس نفوذا على اتصالات العراق.

كما منح الزيدي، فيلق بدر وزارتي النقل والموارد المائية، وأبقى على قاسم الأعرجي، أحد رموز بدر ووزير الداخلية السابق، مستشارًا للأمن القومي.
وكان فيلق القدس قد أسس فيلق بدر في إيران في ثمانينيات القرن الماضي، ولا تزال العلاقة وثيقة بينهما منذ ذلك الحين. ويمتد نفوذه أيضًا إلى قوات الأمن العراقية. فقد أنشأت فرقة الرد السريع من شبكات بدر داخل وزارة الداخلية، واتُهمت لاحقًا بقمع احتجاجات عام 2019، وقتل المتظاهرين، وحماية الجماعات المسلحة التي هاجمتهم.
وبحسب التقرير فإن حكومة تمنح فيلق بدر وزارتين وتبقي على شخصية منه في منصب الأمن القومي لا يمكنها الادعاء بأنها تُبعد العراق عن فلك إيران.

وأظهر حضور قيس الخزعلي في التصويت البرلماني أن الزيدي لم يكن طرفاً مستقلاً عن الإطار التنسيقي، بل كان مرشحاً للخزعلي. ولو كان الزيدي ينوي النأي بالعراق عن إيران، لكان الخزعلي معارضاً له، لا مساعداً في تمرير حكومته.

وبدلاً من نزع سلاح الفصائل، يقترح زيدي نقلها إلى قوات الحشد الشعبي، التي لطالما وفرت غطاءً لتجاوزات الميليشيات. وإذا بقي القادة والمقاتلون والولاءات والهياكل التنظيمية نفسها، فلن يحل تغيير اسم الفصيل إلى لواء من المشكلة.

وتُظهر منظمة بدر ما تتجاهله واشنطن. فقد دخلت بدر الدولة منذ سنوات، وتحافظ على علاقات عمل مع مؤسسات تدعمها الولايات المتحدة. وفي الوقت نفسه، وفرت بدر غطاءً سياسياً وأمنياً لفصائل هاجمت أميركيين وبعثات دبلوماسية، واستهدفت المتظاهرين والناشطين والصحفيين والمعارضين.

ويقول التقرير أن واشنطن تُكرر أخطاءها. فقد دعمت حكومات وعدت بتحقيق التوازن بين الدولة والميليشيات الموالية لإيران، لكن النتيجة كانت دائماً تعزيز النفوذ المسلح داخل مؤسسات الدولة.
 ويدخل زيدي من الباب نفسه: التزامات للأميركيين، وتفاهمات مع الإطار التنسيقي، وتأخيرات بشأن الملفات التي تُحدد موقف إيران داخل العراق.

ويرى المجتمع المدني العراقي في دعم الولايات المتحدة لحكومة الزيدي تراجعاً آخر. فقد توقع الكثيرون أن تتخلى إدارة ترامب عن نهج سابقه (أوباما-بايدن)، لكنهم يرون بدلاً من ذلك دعم واشنطن لحكومة الإطار التنسيقي وقبولها بوعود جوفاء.

وشُكّلت حكومة زيدي في ظل نفوذ قاآني، وحظيت بموافقة إيرانية، ومُنحت بدعم فصائلي، وبدأت غير مكتملة، وتركت وزارتي الدفاع والداخلية دون حل، وأوكلت وزارة الاتصالات إلى شخصية مقربة من قاآني، ووضعت قوات الحشد الشعبي في صدارة برنامجها. هذه الحقائق لا تُشير إلى حكومة تنأى بنفسها عن إيران.

وبحسب التقرير لم يثبت الزيدي قدرته على تنفيذ ما وعد به واشنطن، بل أثبت قدرته على تأجيل المواجهة. ويتعين على واشنطن الآن أن تُظهر امتلاكها الأدوات والإرادة لإجبار رئيس الحكومة على الوفاء بوعوده بوضع السيادة العراقية فوق المطالب الإيرانية.