تشيلي تحمي العقل البشري بحقوق خاصة في سابقة عالمية

التشريعات الإصلاحية تهدف إلى تنظيم التقنيات العصبية الجديدة قبل أن تهدد جوهر الإنسان واستقلاليته وحريته وإرادته الحرة.


هذه التقنيات قد تتيح مثلاً في المستقبل القريب معالجة الصمم بالزرع


فيسبوك تعمل على تطوير تواصُل بين الدماغ والكمبيوتر مباشرة


دستور تشيلي يسعى إلى تجنب وجود بشر معززين وغيرهم ممن ليسوا كذلك


التقنيات الجديدة قادرة على قراءة أفكار الشخص قبل أن يعرف حتى ما يفكر فيه

سانتياغو - يُتوقع أن تصبح تشيلي أول بلد في العالم يُصدر تشريعات في شأن التقنيات العصبية، وأن تدرج في دستورها مفهوم حقوق العقل أو "الحقوق العصبية" التي يمكن أن تكون منطلقاً للاجتهاد المستقبلي في مجال حقوق الإنسان.
وسبق أن أُقرّ مشروع القانون في هذا الشأن بالإجماع في مجلس الشيوخ ويبقى أن يقرّه مجلس النواب.
يهدف الإصلاح الدستوري الذي ينظر فيه مجلس النواب إلى الحفاظ على "السلامة الجسدية والنفسية" للمواطن، بحيث لا يمكن "لأي سلطة أو فرد"، من خلال التقنيات الجديدة المتعلقة بالعقل البشري، "زيادة تلك السلامة الفردية أو إنقاصها أو تعطيلها من دون الحصول على الموافقة المناسبة".
وشرح السناتور غيدو جيراردي، أحد المروجين للنص الذي يتجاوز الانقسامات السياسية، أنه يهدف إلى حماية "الحدود الأخيرة" للكائن البشري، وهي عقله.
يرى المشرعون التشيليون أن التقنيات العصبية قادرة على إنشاء عمليات "قراءة" و"كتابة" في الدماغ لتسجيل البيانات العقلية للشخص، وستتيح في المستقبل القريب تعديلها أو إضافة أخرى جديدة إليها.
وقال السيناتور "إذا كانت هذه التقنيات قادرة على قراءة (أفكار) الشخص قبل أن يعرف حتى ما يفكر فيه، فيمكنها تالياً أن تكتب في عقله مشاعر وأفكاراً وقصص حياة ليست ملكه ولن يكون عقله قادراً على التمييز بين ما إذا كانت تخصه فعلاً أو أنها مخلوقة" اصطناعياً.
وهنا تكمن في رأيه "أهمية" التشريع الآن في شأن واقع مستقبلي يمكن أن يهدد "جوهر الإنسان واستقلاليته وحريته وإرادته الحرة".
الزهايمر وفيسبوك
هل اقترب الواقع فعلاً من الخيال العلمي؟
أكد العالم الإسباني رافاييل يوستي، وهو أحد الخبراء العالميين في هذا المجال، أن باحثين سبق أن نجحوا في زرع صور في أدمغة الفئران لأشياء لم يسبق لهذه الحيوانات أن رأتها، فتستوعبها على أنها أفكارها الخاصة وتدمجها في سلوكها الطبيعي.

قد يظهر في غضون عقد من الزمن بشر هجينون، معززون معرفياً بفضل التقنيات العصبية، بأفكار أو معارف تكون ثمرة الخوارزميات

وأضاف الباحث من جامعة كولومبيا في مدينة نيويورك الأميركية "إذا كان بالإمكان دخول" العمليات الكيميائية للدماغ "لتحفيزها أو منعها، فيمكن بالتالي تغيير قرارات الناس، وهذا أمر بدأنا نفعله مع الحيوانات".
وطمأن إلى أن "التقنيات العصبية قد تكون مخيفة إذا فكر المرء في سيناريوهات سوداوية، ولكن في مقابل كل منها عشرة سيناريوهات مفيدة".
واشار مثلاً إلى أن هذه التقنيات قد تتيح مثلاً في المستقبل القريب معالجة الصمم بالزرع، أو إيجاد حلّ لفقدان النظر بعد نجاح تجارب مخبرية على الشمبانزي، أو حتى زرع محفزات للدماغ قادرة على تحسين حياة المصابين بأمراض باركنسون والزهايمر والفصام.
وافاد في مجال آخر أن شبكة التواصل الاجتماعي الأميركية فيسبوك تعمل على تطوير "تواصُل بين الدماغ والحاسوب مباشرة من خلال الشاشة" بهدف "الاستعاضة عن لوحات المفاتيح".
واضاف "أتوقع أن يطرحوا بعد خمس سنوات على الأقل جهازاً يمكنه كتابة مئة كلمة في الدقيقة انطلاقاً من ألف مفردة". وشرح أن هذه التقنية العصبية "لن تكون قادرة فقط على فك رموز الكلمات التي يريد الشخص كتابتها، ولكن ربما أيضاً التعرف على أنواع أخرى من الأفكار أو الحالات العقلية".
ويسعى مشروع القانون التشيلي إلى التشريع في أربعة مجالات أساسية في ضوء هذه الاكتشافات، هي حماية بيانات العقل البشري أو "البيانات العصبية"، وإنشاء حدود التقنيات العصبية الخاصة بالقراءة وخصوصاً الكتابة في الدماغ، وتحديد التوزيع العادل للوصول إلى هذه التقنيات وتحديد حدود "الخوارزميات العصبية".
فوفقًا لما ذكره رافاييل يوستي قد يظهر في غضون عقد من الزمن بشر هجينون، معززون معرفياً بفضل التقنيات العصبية، بأفكار أو معارف تكون ثمرة الخوارزميات.
وقال "سعياً إلى تجنب وجود بشر معززين وغيرهم ممن ليسوا كذلك، نرى وجوب تنظيم هذه التقنيات العصبية من وجهة نظر مبدأ عالمي للعدالة، وفق روح الإعلان العالمي لحقوق الإنسان".
وخلال القمة الأيبيرية الأميركية السابعة والعشرين في نهاية أبريل/نيسان في أندورا، اقترح الرئيس التشيلي سيباستيان بينيرا على الدول المشاركة سن تشريعات مشتركة بشأن هذه الحقوق الجديدة.