تصدَّعَ مشروع الإخوان بالشرق الأوسط فولت الدوحة وجهها صوب مالي

قطر تبقي على صلات وثيقة بكل الأطراف المتناحرة في مالي المتشددة منها والمتمردة المعارضة ومع الحكومة أيضا بما يمكنها من تحريك خيوط لعبة الإرهاب وقت وأين ما تشاء.


دعم قطري سخي لمؤسسات دينية وخيرية لجماعات متشددة للتستر على تمويل الإرهاب


الدوحة تلعب ورقة التشدد في مالي لانتزاع مكاسب فشلت في تحقيقها في الشرق الأوسط


تفاقم أزمة الدوحة في محيطها الخليجي فبحثت عن فضاءات افريقية لفك عزلتها


دفع الفدية والمساعدات للجمعيات الخيرية غطاء قطري لتمويل التنظيمات المتشددة في افريقيا

باماكو - مع انحسار دورها في دعم وتمويل الإرهاب في الشرق الأوسط تحت وطأة الضغوط السياسية العربية والدولية، كثّفت قطر من تحركاتها في العمق الإفريقي حيث تنتشر الفوضى الأمنية في بعض من مناطقه وحيث تبدو بعض الحكومات ضعيفة أمام تنامي نفوذ الجماعات المتطرفة من أفرع تنظيمي القاعدة والدولة الإسلامية في بيئة اتفق جميع الخبراء على أنها الأكثر ملاءمة لتفريخ الإرهاب وتمدده فكريا وتنظيميا بإسناد وتغطية قطرية.

وسلطت الأحداث الإرهابية الأخيرة في مالي البلد الذي يعيش منذ سنوات حالة من الوهن الأمني والسياسي وتردي الخدمات الاجتماعية وهي بيئة مناسبة لتمدد التطرف، الضوء على الدور القطري في دعم وتمويل الجماعات الإرهابية ضمن أجندة التمدد الخارجي وخدمة المصالح الاقتصادية والتغلغل في مفاصل الدولة.

وتجد الدوحة في حالة الفوضى التي تعيشها مالي فرصة مناسبة لتوسيع منافذها بالاعتماد على جماعات متطرفة أوجدت لنفسها موطئ قدم مستغلة ضعف الأجهزة الأمنية وقلة تجهيزاتها أمام تنظيمات إرهابية عززت ترسانتها عدّة وعتادا بدعم وتمويل وصل معظمه من قطر تحت عناوين الإغاثة الإنسانية والاجتماعية.

ولم يعد خافيا أن قطر ربطت صلات وثيقة مع تنظيمات متشددة في الشرق الأوسط وافريقيا خلال السنوات الماضية، إلا أن دورها خفت نسبيا بعد أن افتضح أمرها لدى جيرانها الخليجيين وحلفائها الغربيين.

تحت وطأة الضغوط الدولية اضطرت قطر لتخفيف تحركاتها المشبوهة في الشرق الأوسط، إلا أنها قامت في المقابل بتعزيز أنشطتها المريبة في إفريقيا بداية من دعم المتطرفين في مالي وصولا إلى الصومال والسودان وغيرها من بؤر التوتر في إفريقيا

ورغم المحاولات المستمرة للتستر على هذا الدور الذي يسير على عكس الجهود الدولية لمكافحة الإرهاب، لم تفلح الدوحة في تبرئة نفسها مما ينسب لها من صلات بالتطرف المتناثر في أكثر من منطقة، حيث أن الحليف الأميركي ذاته أعلن مرارا على لسان كبار المسؤولين ومن ضمنهم الرئيس دونالد ترامب أن لقطر سجل حافل في دعم وتمويل الإرهاب.

وعود على بدء، اضطرت القيادة القطرية تحت وطأة الضغوط الدولية لتخفيف تحركاتها المشبوهة في الشرق الأوسط، إلا أنها قامت في المقابل بتعزيز أنشطتها المريبة في إفريقيا بداية من مالي وصولا إلى الصومال والسودان وغيرها من بؤر التوتر في القارة وحيث تحتفظ قطر بصلات وثيقة مع فروع للقاعدة انسلخت عن التنظيم الأم وأعلنت ولاءها للدولة الإسلامية.

وتشير بعض المعلومات إلى أن التنافس بين أفرع القاعدة وداعش في إفريقيا عقّد لفترة مهمة الدوحة في جمع تلك الأفرع الإرهابية تحت مظلة واحدة، إلا أنها مستمرة في توظيف علاقاتها بمختلف تلك الجماعات لرأب الصدع وتوحيدها بما يمكنها من تعزيز نفوذها.

وفي مؤشر على تنامي نفوذ الجماعات المتطرفة في مالي وبعض من جوارها عقدت فرنسا التي تنفذ منذ 2013 عملية عسكرية لكبح جماح الإرهاب في تلك المنطقة التي تشكل فضاء حيويا لمصالحها، قمة استثنائية جمعت فيها رؤساء خمس دول هي مالي وبوركينا فاسو والنيجر وموريتانيا وتشاد.

وواجهت باريس انتقادات داخلية لفشلها على مدى سنوات في إعادة الاستقرار لمالي واشتكت أيضا من تنامي مشاعر العداء لوجودها العسكري في تلك المنطقة حتى أن الرئيس الفرنسي لمح للقادة الأفارقة الذين اجتمع بهم مؤخرا إلى إمكانية سحب القوات الفرنسية الداعمة لقوة الساحل لمكافحة الإرهاب.

ويبدو أن باريس ذاتها باتت تستشعر خطرا من دور خفي يحرك الجماعات المتطرفة في مالي وإن لم تعلن صراحة أن قطر التي ربطت على مدى السنوات الماضية صلات وثيقة مع تلك الجماعات، هي من يحرك مجاميع الإرهاب في المنطقة.

مالي تئن منذ سنوات تحت وطأة هجمات ارهابية
مالي تئن منذ سنوات تحت وطأة هجمات ارهابية

وتراهن القيادة القطرية على ولاء تلك الجماعات المتطرفة التي تحتفظ بوجود قوي في أجزاء من مالي وترى فيها مفتاحا للتمكين والتمدد بحكم نفوذ واسع للمتشددين في البلد الذي يمزقه الفقر والأزمات الاجتماعية والاقتصادية.

ولعبت قطر على مدى سنوات سواء في الشرق الأوسط أو إفريقيا دور الوسيط الحصري بين دول غربية وجماعات متطرفة للإفراج عن رهائن احتجزتهم تلك الجماعات، ما طرح أكثر من نقطة استفهام أمام اختيار التنظيمات الإرهابية للدوحة وسيطا حصريا لحل مثل تلك الأزمات.

ويذهب خبراء في مكافحة الإرهاب إلى أن الوساطة القطرية شكلت غطاء سياسيا لتدفق الأموال على تلك الجماعات من خلال دفع مبالغ مالية طائلة للإفراج عن رهائن احتجزتهم تنظيمات متطرفة وساهمت الدوحة في توفير تلك أموال الافتداء.  

ويقول منير أديب الباحث المصري المتخصص في شؤون الجماعات المتطرفة، إن "قطر تتعمد استغلال ضعف القوة الأمنية في مالي لتتعامل مع الحركات المسلحة والمتمردة على أنها السلطة الأقوى التي بيدها إدارة زمام الأمور والتحكم في مقاليد اللعبة السياسية، بحيث تحصل منهم على مكاسب وتستثمرهم في تنفيذ أجندتها التي تقوم على تقوية نفوذ المتطرفين الإسلاميين ليكونوا أذرعها داخل الدولة".

وفي تصريحات لجريدة العرب اللندنية قال أديب، إن "مبايعة أغلب التنظيمات المتطرفة في مالي لتنظيم داعش ضاعف من التقارب القطري باعتبار أن هؤلاء والدوحة يربطهم فكر واحد يقوم على إضعاف المؤسسات الرسمية مقابل تقوية نفوذ المسلحين كي يشكلوا القوام الأساسي للسلطة مستقبلا وخدمة مصالح الدوحة كيفما شاءت كنوع من رد الجميل".

تمويل قطر للجماعات المتطرفة في مالي قوى شوكتها وعرقل الحرب على الارهاب
تمويل قطر للجماعات المتطرفة في مالي قوى شوكتها وعرقل الحرب على الارهاب

وعلى قاعدة الغنيمة تتحرك قطر في مالي بتوفير الغطاء للجماعات المتطرفة فإن طال الصراع بين الحكومة والمسلحين تجد نفسها في النهاية مستفيدة مما امتلكته من نفوذ يتيح لها توجيه دفة الأمور حيث تشاء ووقت ما تشاء فحلفاؤها من المتشددين ملزمون برد 'الجميل' بما يحقق لها أطماعها التي أخفقت في تحقيقها بمنطقة الشرق الأوسط.

وتمتلك الجماعات المتطرفة في مالي ومنها 'أنصار الدين' و'التوحيد والجهاد'  وأفرع أخرى للقاعدة، جمعيات خيرية ومدارس دينية وجدت فيها الدوحة ضالتها للتغطية على تمويلها للتطرف تحت عناوين الدعم الإنساني والخيري وهي منافذ وشرايين مالية حيوية اتخذتها قطر للتستر على ضخ تمويلات ضخمة لتلك الجماعات المتناثرة في أكثر من دولة افريقية.  

ويختزل هذا التوظيف بمسمياته العلنية ومآربه السرية الطرق الملتوية التي تتبعها قطر لخداع المجتمع الدولي بمحاولتها الايحاء بلعب دور انساني خيري في الوقت الذي يعتبر فيه بكل المقاييس تمويل مؤسسات ومدارس خاضعة لسيطرة تنظيمات متطرفة، دعما للإرهاب.

ويبدو أن للدوحة مصلحة في إعادة إنعاش التنظيمات الإرهابية في إفريقيا وخاصة منها داعش الذي أوجد لنفسه موطئ قدم منذ انهيار مشروع دولة الخلافة المزعومة في سوريا والعراق مع انحسار الدور القطري في دعم وتمويل الإرهاب في الشرق الأوسط.

وفي الوقت ذاته حاولت قطر الإيهام بأنها تعمل على مكافحة الإرهاب والمساعدة في حصار التطرف في إفريقيا من خلال تقديم مساعدات مالية وعسكرية لعدد من الحكومات ومنها 24 عربة مصفحة منحتها لمالي.

لكن هذا الدعم يتناقض في الوقت ذاته مع موقفها المندد بالحملات العسكرية ومنها الحملة الفرنسية لمواجهة التنظيمات المتشددة في مالي. وقد سبق أن أعلنت  أنه لا بديل عن التفاوض مع تلك التنظيمات وأن الحل العسكري لن يجدي نفعا ولن ينهي الأزمة.

قطر دعت لتمكين المتشددين من المشاركة في الحكم والقرضاوي المقيم في الدوحة وصف العملية العسكرية الفرنسية على التنظيمات المتطرفة بأنها حرب على الاسلام

وقبل نحو ست سنوات أعلنت دعمها لمطالب المتشددين دينيا ودافعت بشدة عن فتح قنوات حوار معهم لـ'إنهاء الصراع' مارست ضغوطا لتمكين هؤلاء من المشاركة في السلطة.

وكان يوسف القرضاوي المقيم في الدوحة والذي يعتبر الأب الروحي للاخوان قد انتقد بشدة التدخل الفرنسي العسكري في مالي ورفض إشراك المتطرفين في الحكم واصفا العملية العسكرية الفرنسية حينها بأنها "حرب على الإسلام".

ويتباهى القرضاوي بأن ثورات الربيع العربي التي جاءت بالإخوان للحكم في تونس وفي مصر قبل أن ينهار حكمهم، خرجت من تحت عباءته.

وللنظام القطري صلات قوية بزعماء العديد من التنظيمات المتشددة ومن ضمنهم إياد أغا غالي زعيم جماعة 'نصرة الإسلام والمسلمين' الذي تبنت جماعته العام الماضي هجمات في مالي. وتعتبر الدوحة أغا غالي بمثابة المرشد للتنظيمات المتطرفة.   

وتضغط الدوحة على الحكومة المالية على ما يبدو بورقة الجماعات المتشددة والفصائل المسلحة المعارضة لتفتح لنفسها منفذا لتكون شريكا في صناعة القرار ولانتزاع مكاسب عجزت عن تحقيقها في منطقة الشرق الأوسط.

وتبقي قطر على اتصالاتها بكل الأطراف المتناحرة في مالي المتشددة منها والمتمردة المعارضة ومع الحكومة أيضا بما يمكنها من تحريك خيوط اللعبة وقت ما شاءت.

وكان لافتا أن مسؤولين قطريين كثفوا من زياراتهم لمناطق سيطرة الجماعات المتشددة والفصائل المتمردة على غرار شمال مالي الخاضع تقريبا لسيطرة جماعة 'الجهاد والتوحيد'، ما يثبت المعلومات القائلة بوجود ارتباطات قوية بالتنظيمات المتطرفة التي أتاحت لهم التحرك بكل أريحية تحت حمايتها.

وسبق لسادو ديالو عمدة مدينة غاو فى شمال مالي أن وجه استغاثة إلى السلطات الفرنسية يناشد فيها بضرورة وضع حد لتمويل المتطرفين من جانب الدوحة. وقال إن "المساعدات تصل إليهم من قطر عبر مطاري غاو وتينبكتو ودعمهم دائما ما يكون تحت غطاء إنساني".

ويبدو أن قطر التي تواجه عزلة متنامية في فضائها الخليجي وفي محيطها الإقليمي والدولي، تبحث عن فضاءات جغرافية أخرى خارجية وبعيدة بما يتيح لها توسيع نفوذها والتحول لقوة معترف بها في إفريقيا لكسر عزلتها العربية ولتكون صاحبة قرار مؤثر في إفريقيا.