تطبيق الزووم أو الأونلاين: لعبةُ الكائنِ العنيد

الإنسان ليس هو سيد الكون وخالق الحضارات ومطورها الدائم بل إنه مجرد جرم صغير في كون هائل وبلا حدود ولا رحمة.


وسائل الاتصال الحديثة لم تنجح في أن تعوض البشر عن اللقاءات المباشرة والحية


افتقاد الحرارة الإنسانية والإشعاع البشري الحر أثناء اللقاءات الإلكترونية

لا يكفُّ القَدَر عن اللعب مع الإنسان ولا يكف الإنسان عن المقاومة بالتفكير والابتكار وفتح الآفاق ومحاصرة الاحتمالات المتجددة باحتمالات مداها أكثر اتساعاً، ومن آليات هذا اللعب أن يعمل القَدَر على أن يُفاجِئ الإنسان بحرمانه من أمرٍ كان قد اعتاده أو اعتبره مكوناً وملمحاً لحياته ومؤشراً على استقراره، ويمكن التمثيل لهذا بالحق في الاجتماع واللقاء والسفر، وهو أمر ركين في إنسانية الإنسان الذي اعتقدَ وتيقَّنَ طول الزمن بأنه لا بد وأن يثري وجوده بوجود الآخر سواء كان هذا الآخر إنساناً أو مكاناً أو ثقافة أو حضارة  مغايرة أو حتى مجاورة له.
ويبدو أن وسائل الاتصال الحديثة لم تنجح في أن تعوض البشر عن اللقاءات المباشرة والحية لكنَّ الوباء الذي حل بالبشرية واجتاحَ الكرة الأرضية بالكامل وظهر كقوة مهيمنة لا تعطي حق القبول أو الرفض، أَمَرَ وفَرَضَ وحَدَّدَ كذلك.. لهذا فلم يكن أمام بطلنا المُقاوِم كعادته، إلا أن يشحذ القرون الخلاقة وينشط في توسيع مدى الاعتماد على الوسائل العصرية والتكنولوجية في تسيير حياته ومن هذا: التوسع في مقاربة تطبيق الزوووم أو الأون لاين الذي يتيح إقامة ندوات وأمسيات ومؤتمرات موسعة بكل آلياتها وتفاصيلها عبر هذه التطبيقات التي تحقق الاستغناء عن الكلفة المادية التي كان يتكبدها أي كيان ثقافي أو ما شابه في تنظيم هذه اللقاءات، وكذلك، وهو الأهم، يحقق النجاح في محاصرة أي احتمالية لانتشار العدوى عن طريق الالتقاء المباشر. 
وربما سيستمر الأمر بعد الكورونا ليكون هذا هو شكل اللقاءات والمؤتمرات في قادم الأيام نظرا لنجاحه في تحقيق أهدافه وتقليل الخسائر بقدر الإمكان. 
لكن، ولأن أي حلول في النهاية هي نوع من أنواع ما يمكن أن نطلق عليه "إبداع الأزمة"، فكان لا بد إذن وأن تتخلق مجموعة من السلبيات التي سيعمل عليها الإنسان مستقبلاً بالتأكيد، مثل افتقاد الحرارة الإنسانية والإشعاع البشري الحر أثناء اللقاءات الإلكترونية التي هي جمعٌ شفاف بين الواقعي والافتراضي، أو مقاومة الإنسان ذاته في أي مرحلة لفكرة الاعتياد على الأمر نظرا لأنه اضطر إليه اضطراراً حيث يتبدى لك أحياناً وأنت تتابع إعلاناته على فيس بوك أو تويتر مثلاً وكأنه تقليعة أو فعل غير مشجع أو غير مهم أو مما يمكن تجاهله.

إن افتراض وجود أعداد لا محدودة من المستمعين هو أمر غير مجدي وغير واقعي للتعويل عليه بالرغم من أهمية الكثير من هذه اللقاءات بالطبع لأن الحقيقة الباردة هي أن مَنْ سيضع نفسه في هذا القفص المتوهج مع هذه المجموعة البشرية بالذات هو عنصر منحاز بشدة ومهتم بالموضوع، ويعتبر نفسه جزءاً أساسياً منه وليس مجرد مشارك هامشي وهو ما يقيد أعداد اللعبة التقنية ويجعلها مهما اتسعت ظاهرياً، محدودة التأثير. 
لكن الأمل لا بد وأن يظل في المستقبل حيث سيعيد الإنسان استثمار اكتشافه ذاك ويعمل على توسيع دوائر إمكاناته وتأثيراته وربما سيفكر في ممكنات أكثر طموحاً كيلا يقع في نفس إحساس المفاجأة الذي نجح به القَدَر في شل حركة هذا الكائن العنيد واستسلامه ولو مؤقتاً ليقين العجز وكونه ليس هو سيد الكون وخالق الحضارات ومطورها الدائم بل إنه مجرد جرم صغير في كون هائل وبلا حدود ولا رحمة.