تعريف الأفكار المساواتية

الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي سيليستان بوغلي يقدم تعريفا سوسيولوجيا للمساواتية بوصفها 'حكم قيمة' وأمرا أخلاقيا يوفق بين وحدة النوع البشري وتفرد الشخصية، مؤكدا أن المساواة الحقيقية ليست 'نمطية موحدة' بل 'تناسبية' تضمن تكافؤ الفرص.
عبدالرحيم نور الدين
الرباط

سيليستان بوغلي  (1/6/1870-25/1/1940) [Célestin Bouglé] فيلسوف وعالم اجتماع فرنسي درَّس في السوربون وشغل منصب مدير المدرسة العليا للمعلمين في فرنسا. دافع عن السوسيولوجيا كعلم وضعي ومأسسها . ساهم في نشر أفكار إميل دوركايم  وكان له الفضل في توجيه ليفي-شتروس نحو الإتنولوجيا. ترك العديد من المؤلفات منها: "العلوم الاجتماعية في ألمانيا"؛ "السوسيولوجيا والفلسفة"؛ "سوسيولوجيا برودون"؛ "ما السوسيولوجيا"؛ "من السوسيولوجيا إلى الفعل الاجتماعي"؛ إلخ.

 النص المترجم جزء من الأطروحة التي تقدم بها سيليستان بوغلي سنة 1899 بعنوان "الأفكار المساواتية" لنيل شهادة الدكتوراه. وفيها سعى بوغلي إلى دراسة تقدم الأفكار المساواتية من زاوية سوسيولوجية، على ضوء أسئلة من قبيل: هل ينبغي معاملة البشر كأشخاص متساوين؟ وما نوع المساواة التي يجب الاعتراف بها لهم؟ وهل لهم نفس الحقوق والواجبات؟...

------------------------

ماذا تعني فكرة مساواة البشر؟

بما أننا نود إخضاعها لدراسة موضوعية قدر الإمكان، فإن تعريفها في ما يبدو يقتضي إعطاء الكلمة ل"لوقائع": من مواجهة المبادئ الموجهة لمجتمعات المساواتية المختلفة، يجب أن تنبثق ماهيتها لوحدها، بشكل ما. – لكن ماهي العلامات التي نستطيع التعرف من خلالها إلى هذه المجتمعات المساواتية، إذا لم يسبق لنا، من قبل، تحديد ما تعنيه لنا المساواة؟ إننا ملزمون إذن ببدء بحثنا بتعريف اصطلاحي.

بادئ ذي بدء، إن الأفكار المساواتية في نظرنا هي أفكار "عملية. لقد ذكرنا بالتمييز الذي ينبغي الحفاظ عليه بين الأحكام التي تعاين وبين الأحكام التي تقدر. عندما أؤكد: "هذه الطاولة بيضاء، هذا الرجل أشقر"، فإن موقفَ فكري ليس هو ذاته إذا أنا أكدت: " هذه الطاولة جميلة، هذا الرجل محترم". من دون شك، أنني أصدر حكما في الحالتين معا؛ لكن وضع الموضوع وجها لوجه مع الذات ليس هو عينه في الحكمين معا. بالحكم الأول أنا أعبر، بالقدر نفسه الذي يوجد بداخلي، عن طبيعة الموضوع ذاتها، - عن حقيقته. أما بالحكم الثاني، فأنا أعبر عن علاقته بالأشخاص، وعن المشاعر التي يوحي إليهم بها، أو يمكنه أو يجب أن يوحي إليهم بها، - عن قيمته. إن الأحكام من هذا النوع الأخير هي التي نضع تحت الكلمتين: أفكار مساواتية. إنها ليست موجهة في اعتبارنا نحو الواقعة، بل نحو الفعل. إن فكرة المساواة، حين تطبيقها على المجتمعات، تحدد بتقديرات: إن حكمها على البشر هو حكم قيمة.

لكن ما هو موضع الأفكار المساواتية ضمن أحكام القيمة بصفة عامة؟

تكمن أصالتها تحديدا في منح البشر قيمة خاصة، مختلفة عن قيمة الأشياء. إن مفهوم القيمة، في عموميته، ينطبق على الأشياء والبشر على حد سواء؛ تظهر قيمة الأشياء حينما يقربها تبادل ما، مثلما تظهر قيمة البشر عندما يربط المجتمع علاقات بينهم. لكن بينما لا يكون للأشياء المتبادلة سعر إلا بالنسبة لأولئك الذين يتبادلونها، فإن للبشر المشتركين في أنظارنا سعر في ذاتهم ولذاتهم. مراكز فعل وانفعال، مقاييس كل القيم وقيم هي ذاتها مطلقة، إننا نضع الأشخاص البشرية باعتبارها الأسباب والغايات الحقيقية الوحيدة. وعليها وحدها بالتالي، في ما يبدو لنا، يمكن أن يطبق مفهوما الواجب والحق. لهذا السبب نعلن أن الأشياء "قابلة للاستعمال"، والأشخاص "قابلة للاحترام": إن مفهوم قيمة الأشياء لا يصحب معه سوى مفهوم مطالبنا وسلطاتنا عليها؛ مفهوم قيمة الأشخاص يصحب معه مفهوم واجباتنا تجاههم. وهو ما يعني أن الأفكار المساواتية، نظرا لكونها تؤكد قيمة البشر، هي بالضبط، ضمن الأفكار "العملية"، أفكار "أخلاقية". – يعني إعلان كون البشر متساوين تشريع طريقة لمعاملتهم: حكم حق، وليس حكم واقع، أمر وليس معاينة. إننا نرى من وجهة النظر هذه، في فكرة المساواة، ليس صيغة إخبارية علمية، فكرية بشكل خالص، وإنما ضربا من صيغة الأمر، عاطفية وفعلية في الوقت ذاته.

لكن ألا ينبغي، من أجل التفكير في معاملة الأفراد، الذين نرتبط معهم بعلاقات، وفقا لهذه الصيغة الآمرة، أن نكون قبل ذلك، قد كونا أحكامَ الواقع عن طبيعتهم ذاتها؟

إن العنصر الأول المكون للمساواتية هو التأكيد على أن الإنسانية تمتلك قيمة خاصة، وبالتالي فلسائر البشر حقوق. ومع ذلك، لكي نجعل نتائج هذا التأكيد شاملة لكل الأفراد كيفما كانوا، فمن الضروري أن نعترف بهم كافة كبشر. فوراء الاختلافات التي تبقي المجتمعات الخاصة أو الأعراق الخصوصية التي ينتمون إليها، عليها في ما بينهم، ينبغي أن نكون قد اهتدينا إلى مشابهاتهم، التي نعتبر بفضلها  أنهم أيضا جزء لا يتجزأ من المجتمع الإنساني، ومن النوع البشري. بهذا المعنى فمن الصواب القول إننا لا نعامل "كمساوين" لنا، سوى أولئك الذين نعتبرهم "مشابهين" لنا: يتضمن حكم الحق هنا حكم واقع. إننا لا نستطيع الاعتراف بحقوق متساوية للبشر دون أن نعترف لهم بهوية طبيعة معينة.

هل يعني ذلك وجوب نفي، من هنا بالضبط، أي نوع من التمييز الواقعي بين البشر؟ وهل تؤدي فكرة مساواة البشر بالضرورة إلى تجاهل الاختلافات التي تفرق بين الافراد؟

إن القيام مسبقا بإصدار مرسوم تميزات جماعية، وحشر الأفراد بشكل ما في طبقات أو أنواع متباينة، التي تسند لها قيما غير متساوية، هو ذا ما سيكون مضادا للمساواتية بصورة قطعية. إن تصور الإنسانية لا يتوافق مع تصور الطوائف. لا يمكن للمساواتية أن تقبل بتميزات جماعية مسبقة.

 لكن هل من الممنوع، في نفس الحين، أخذ الاختلافات الفردية المثبتة بالتجربة بعين الاعتبار؟

على العكس، يبدو لنا الشعور بقيمة الفرد الخاصة عنصرا أساسيا في الأفكار المساواتية. أليس هؤلاء البشر الذين تؤكد هذه الأخيرة قيمتهم، بالتعريف، ليس فقط الأكثر تعقيدا ضمن سائر الموضوعات – وبالتالي أيضا أولئك الذين، مع انتمائهم إلى الفصل نفسه، هم من يحتمل أن يكونوا أكثر اختلافا بعضهم عن بعض – بل أيضا الذوات الوحيدة القادرة، بامتلاكها لوعي تام بأنفسها، على وضع فردياتهم الواحدة أمام الأخرى؟ ليس في الإمكان مساواتهم من دون اعتبار واقع كونهم أشخاصا، أي مراكز نشاط مستقلة وأصيلة. إن الشعور بقيمة الشخص الخاصة، هو ما يمنع بحق من حشر الأشخاص في جماعات غير متساوية القيمة. بل إن التميزات الجماعية تُقبل بقدر أقل، إذا جازفنا بهذا القول، من لو أردنا تقدير التميزات الفردية بشكل جيد. إن احترام النوع البشري يهدم احترام الطائفة، لكنه لا يهدم احترام الشخصية. وبهذا المعنى، فإن الفردانية هي جزء أساسي في المساواتية. لا تستبعد فكرة القيمة المشتركة لجميع البشر بتاتا فكرة قيمة خاصة بالفرد، بل على العكس إنها تستدعيها.

إذا كانت فكرة المساواة تستثني إذا في نظرنا فكرة الطبقة أو النوع، فإنها تجمع فكرتي الفردية والإنسانية: بتعبير آخر، ففي فكر يُعلن البشر متساوين، لا يستثني الشعور بكونهم متشابهين الشعور بكونهم مختلفين بتاتا. على العكس من ذلك، لكون البشر يمثلون بهذين المظهرين في الوقت نفسه، فإننا نمنحهم قيمة متساوية.

إن من سمات حكم القيمة المؤسس بهذا الشكل، تتأتى سمات الأوامر التي يقتضيها.

هل يأمرنا بمعاملة الأفراد المختلفين بطريقة مماثلة؟ إنه يريد على النقيض من ذلك أن نأخذ في الاعتبار وأن نأخذ في الاعتبار فقط اختلافاتهم الفردية. إن استنتاج شكل موحد، لعقوبات قد يرى المجتمع وجوب تطبيقها على أفعال الأفراد، من أوامر المساواة، يعني نسيان أن المساواة ليست هي الهوية. المطالبة بمساواة الملكات القانونية ليست هي إعلان مساواة الملكات الواقعية. الاعتراف للأفراد بالحقوق نفسها ليس هو طلب تخصيص العقوبات ذاتها، على أفعالهم، مهما كانت غير متساوية، وإنما فقط أن تكون هذه العقوبات موزعة على تلك الأفعال غير المتساوية بحسب الأثقال والمقاييس نفسها. إن صيغة المتطلبات المنطقية للمساواتية هي "التناسبية" وليس "انتظام الشكل الواحد".

ومن غير شك، لكي تكون لا مساواة العقوبات متناسبة بالضبط مع لا مساواة الأفعال الفردية، من المهم أن تكون شروط الفعل هي ذاتها بالنسبة لجميع الأفراد: من يريد قياس اختلاف قوتين بدقة، يجعلهما تنطلقان من المستوى نفسه. من وجهة النظر هذه، إذا كان من الخطأ القول إن المساواتية تستهدف من خلال نفي اختلافات الأفراد، حذف تنافس هؤلاء، فإن القول بكونها تستهدف جعل شروط هذا التنافس ذاتها متساوية، قول صحيح.  بهذا المعنى فالمساواتية "تُسوي" وتَهوَى  الشكل الواحد المنتظم. لكن ذلك فقط لحظة من الجدلية المساواتية. إنها تريد، من أجل تقدير عادل لقيم أفعال الأفراد المختلفة، أن لا ينطلق بصددها من أحكام مسبقة، وأن تكون الإمكانات المتكافئة ذاتها مفتوحة لها جميعا. إن مساواة الإمكانات ليست مصنوعة للمحو، بل على العكس لإبراز لا مساواة القدرات. بهذا المعنى، فليس انتظام الشكل الواحد، في نسق الأفكار الذي نسعى إلى تعريفه، سوى وسيلة في سبيل التناسبية.

يمكن أن يستنتج من هذا النسق عدد من الأوامر الخاصة: إذا كنا نريد الوقوف على تفاصيل التنظيم العملي، وتحديد التدابير التي يجب أن يعمل بها مجتمع ما، مثلا، لمطابقة مختلف أنواع الأفعال التي تهمه مع مختلف أنواع العقوبات التي يتوفر عليها، فإنه ينبغي تعيين وتحديد المبادئ التي انتهينا من وضعها. لكن يكفي أن نكون قد أدركناها في عمومها لنمسك بما يكَون في نظرنا ماهية الأفكار المساواتية ذاتها.

يمكن التعرف إليها منذ الآن: إنها بالنسبة لنا أفكار عملية، تسلم بقيمتي الإنسانية والفردية- بوصفهما ذاك آخذة في الاعتبار اختلافات البشر وفي الوقت عينه تشابهاتهم – معترفة لهما تبعا لذلك ليس بالملكات الواقعية نفسها، ولكن بالحقوق نفسها، ومطالبة أخيرا أن توزع على أفعالهم المتنوعة عقوبات غير موحدة الشكل بل تناسبية.


المصدر:

C. Bouglé, Les Idées égalitaires (étude sociologique). Félix Alcan, Paris 1899. Coll. Bibiothèque de

philosophie contemporaine. Pp. 21 à 28.