تعميم ظاهرة الدولة الفاشلة

بعد احتلال العراق وتمزيقه وتقسيم السودان إلي شمال وجنوب، والاجهازعلي دولة عربية كانت تسمى الصومال، شهدت بعض الدول العربية تحركات شعبية واسعة تطالب بإسقاط أنظمة الإستبداد والفساد والتبعية لتبدأ مرحلة التحول الديموقراطي والإصلاحي في الدولة القُطْرية.

ولكن بفعل عوامل خارجية وداخلية متشابكة ومتفاعلة، انطوت مرحلة التحول في طبيعة الأنظمة أو إسقاطها لتبدأ مرحلة إسقاط الدولة القُطْرية وتدميرها.

هذه المرحلة بدأت بتدمير ليبيا، ثم انتقلت إلى اليمن ومنها إلى سوريا وهي مرشحة لمزيد من الفوضى والدمار إلي أكثر من دويلة. فالمراد هو المزيد من التفكيك والتقسيم وتعميم ظاهرة "الدولة الفاشلة" على نطاق عربي واسع. والهدف الإستراتيجي واضح: إفشال أي إمكان وحدوي في الوطن العربي سواء على المستوى القطْري أو على المستوى القومي.

وبسرعة هائلة انزلقت بعض الدول العربية وراء هذا الهدف توهما منها بأنها ستبقى خارج تأثير شظايه وحممه المتطايرة... وها هي بعد أقل مما هو متوقع زمنيا بدأت تعيش في مخاطر هذا الإنزلاق. فالحروب الأهلية والفتن الداخلية، خصوصا متى اتخذت طابعا طائفيا أو مذهبياً، يصعب حصرها في نطاق معين أومحدد داخل جفرافيا موزعة طائفيا ومذهبيا على أقطارها كافّة. فالحدود هنا تصبح حدود الطوائف والمذاهب والإتنيات أو الأقوام لا حدود دول قُطْرية تحظى باعترافات قانونية متبادلة.

ولعل مخاطر نهاية الحدود في دولة "ما بعد سايكس بيكو" والناتجة عن عبور الفتن، تتجاوز أهداف تدمير الدولة القُطْرية إلى تدمير وحدة إنتماء الشعوب العربية إلى عروبة حضارية جامعة وأديان سمحاء وقيم وثقافة وتاريخ ولغة ومصالح ومستقبل وتحديات وجود ودور ورسالة. ومتى انهارت وحدة الإنتماء انهار مشروع النهوض العربي برمته وفي رأس عناوينه الوحدة العربية.

إن أي مشروع قابل للتحقق ينطلق من واقع لا من وهم. الواقع هو الدولة القُطْرية بوضعها الراهن. والوهم هو محاولة تخطّيه أو تجاهله أو عدم الإعتراف به أو اعتباره واقعاً طارئاً في مسيرة الوحدة. فالحقائق التاريخية لا تقبل التأويل خدمة للإيديولوجيا. والحقائق غير الخافية في المجتمعات العربية ومنها حقيقة النزاعات المركبة طائفياً وسياسياً واجتماعياً تعرقل الحراك الشعبي باتجاه الوحدة.وعلي سبيل المثال فأن الحروب الدينية في أوروبا امتدت لنحو ثلاثين عاماً بين البروتستانت والكاثوليك حتى استقرت وحداتها الوطنية على قاعدة وعي المصالح المشتركة ومبادئ العدالة والحريات وحقوق الإنسان والمواطنة، فكم من الأعوام علينا أن نتظر لإنهاء حروبنا الطائفية ولجعل وحداتنا الوطنية مستقرة؟

هنا يستوجب ذلك على جموع الكتاب والمفكرين إعادة التفكير موضوعياً بمصير مشروع الوحدة العربية إنطلاقاً من تكوين رؤية وطنية لإعادة تركيب الدولة القُطْرية بعيداً من فكرة التفرد والتهميش وإيقاع المظلومية على أي مكون سياسي مهما كان حجمه، ومهما كانت عقيدته فمشروع الوحدة العربية لا يتقدم إلاّ من باب الصراع الفكري والسياسي السلمي الديموقراطي.

وعليه، ولعدم سد المنافذ أمام مشروع الوحدة العربية، على المفكرين والمثقفين والشعراء العرب كذلك، أن يقدموا الصورة الإيجابية عن العروبة القائمة على الروابط والمصالح والتطلّعات المشتركة بين أبناء القُطْر الواحد، فالتعدد مهما كان نوعه لا يؤدي بالضرورة إلى الفتن والحروب متى وجد أن العروبة الجامعة تحتضن وتحمي ولا تبغي السيطرة.

هذه في تقديري، هي إحدى سمات العروبة التي يمكن أن توفّر لمشروع الوحدة المناخ الإيجابي للسير به في اتجاه الوحدة العربية الشاملة.وقديما قالوا: عندما تحضر السياسة تحضر الدروس والمقارنات، لأن الأشياء تعرف بأضدادها، وليس بنظائرها.