تعيينات جديدة على رأس الهيئة الوطنية للإعلام تدشن رؤية مستقبلية للإعلام

التعيين يعكس قناعة راسخة لدى الشيخ محمد بأن مستقبل الإعلام لا يقوم على رد الفعل أو الخطاب التقليدي، بل على التخطيط الاستراتيجي والاستثمار في الكفاءات وبناء مؤسسات قادرة على إدارة الرواية الوطنية بثقة وهدوء.

أبوظبي - في خطوة تعكس المكانة المتقدمة التي بات يحتلها الإعلام في منظومة صنع القرار الإماراتي، أصدر رئيس الدولة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان مرسومين اتحاديين بتعيين الشيخ عبدالله بن محمد بن بطي آل حامد رئيسا للهيئة الوطنية للإعلام، وتعيين محمد سعيد راشد الشحي نائبا لرئيس الهيئة.

ويأتي هذا القرار في توقيت دقيق تشهده المنطقة والعالم، حيث يتزايد تأثير الإعلام في تشكيل الوعي العام وصياغة السرديات والدفاع عن المصالح الوطنية في فضاء دولي مفتوح ومضطرب وفي ظل حاجة ملحة لضبط المشهد بما يتوافق مع تطور تكنولوجي متسارع.

ومواكبة الإعلام لمسار التحولات التكنولوجية ضرورة استراتيجية لا يمكن تجاهلها، فالعالم اليوم يتجه بسرعة نحو الرقمنة والذكاء الاصطناعي ووسائل التواصل الحديثة والمنصات الإعلامية العابرة للحدود، ما يفرض على أي دولة تحرص على تحصين مكانتها ومكتسباتها وقدرتها على البناء والتطور وحضورها، أن تُواكب هذه التطورات برؤية ثاقبة ومتزنة.

ويحمل الشيخ محمد بن زايد رؤية واضحة وقناعة راسخة بأن استثمار هذه التحولات يحتاج إلى قيادة قوية وواثقة، تتمتع بخبرة في إدارة القطاع الإعلامي، لضمان أن يتحول التقدم التقني إلى أداة تعزز الصالح الوطني وتدعم التنمية المستدامة وتُمكّن الدولة من صياغة خطاب إعلامي متوازن ومؤثر، يواكب العصر، ويواكب تحديات المستقبل بفعالية ومسؤولية بل ويشارك في صناعة المستقبل.

ويحمل هذا التعيين دلالات تتجاوز البعد الإداري، ليعكس رؤية واضحة للشيخ محمد للإعلام بوصفه ركيزة من ركائز الأمن الوطني والقوة الناعمة وأداة استراتيجية لا تقل أهمية عن السياسة أو الاقتصاد، فمنذ سنوات، رسّخت القيادة الإماراتية مقاربة تعتبر الإعلام شريكا في التنمية ورافعة لتعزيز الاستقرار ومنصة لتقديم نموذج الدولة القادرة على التوفيق بين الحداثة والهوية، وبين الانفتاح والانضباط المؤسسي.

وتأتي إعادة ترتيب الهيئة الوطنية للإعلام لتواكب تحولات المشهد الإعلامي العالمي، من حيث تسارع الرقمنة، وتنامي تأثير المنصات العابرة للحدود واشتداد التنافس على الرواية والخطاب.

ويُنظر إلى اختيار الشيخ عبدالله بن محمد بن بطي آل حامد لرئاسة الهيئة باعتباره اختيارا مدروسا يستند إلى مسيرة طويلة من العمل الحكومي والإداري والخبرة في إدارة المؤسسات، فالشيخ عبدالله المولود في 23 فبراير/شباط 1973، يتمتع بخلفية أكاديمية راسخة في إدارة الأعمال، حيث حصل على درجة البكالوريوس من جامعة ماريل هيرست في ولاية أوريغون الأميركية عام 1996.

وهو حاصل أيضا على درجة الماجستير في إدارة الأعمال من معهد نيويورك للتكنولوجيا في أبوظبي عام 2007. وهذه الخلفية الأكاديمية انعكست بوضوح في مسيرته المهنية التي اتسمت بالتدرج والثبات وتعدد الخبرات والعمل في مواقع تتطلب قدرا عاليا من التخطيط الاستراتيجي واتخاذ القرار.

وعلى مدى أكثر من عقدين، شغل الشيخ عبدالله بن محمد بن بطي آل حامد مناصب محورية في هيكل الدولة، أبرزها عضويته في المجلس التنفيذي لإمارة أبوظبي واللجنة التنفيذية التابعة له، إلى جانب عضويته في مجالس إدارات عدد من المؤسسات الوطنية الكبرى مثل شركة أبوظبي التنموية القابضة ومؤسسة زايد العليا لأصحاب الهمم وهيئة أبوظبي للطفولة المبكرة ومكتب فخر الوطن.

كما تولى رئاسة هيئة الطاقة ورئاسة مجلس إدارة مكتب التنظيم والرقابة وعضوية المجلس الأعلى للبترول ورئاسة مجلس إدارة هيئة مياه وكهرباء أبوظبي وهي مناصب أكسبته خبرة واسعة في إدارة القطاعات الحيوية والتعامل مع ملفات استراتيجية تتداخل فيها الأبعاد الاقتصادية والتنموية والتنظيمية.

وفي المسار الدبلوماسي، شغل الشيخ عبدالله منصب وكيل وزارة الخارجية بين عامي 2012 و2014، وترأس إدارة الشؤون الأوروبية في الوزارة، ما أتاح له الاطلاع المباشر على آليات العمل الدولي وأهمية الخطاب الإعلامي في دعم السياسة الخارجية وبناء الصورة الذهنية للدولة.

كما قاد مجلس تنمية المنطقة الغربية وعمل وكيلا لديوان ممثل الحاكم في المنطقة الغربية وهي تجارب عززت لديه فهم العلاقة بين التنمية المحلية والتواصل المؤسسي ودور الإعلام في دعم الخطط الحكومية وإيصالها إلى المجتمع.

ولا تقل أهمية عن ذلك مشاركات الشيخ عبدالله في برامج القيادة العالمية، حيث التحق بعدد من الدورات المتقدمة في جامعات ومؤسسات دولية مرموقة، مثل هارفارد وأكسفورد وكلية سنغافورة للخدمات المدنية، إضافة إلى برامج متخصصة في القيادة في الظروف الحرجة وصنع القرار والتفاوض والحوكمة وتحسين الأداء الإداري. وهذه التجارب أسهمت في صقل رؤيته القيادية وتعزيز قدرته على إدارة فرق العمل وبناء استراتيجيات طويلة الأمد، وهي عناصر أساسية في قيادة قطاع إعلامي يواجه تحديات متغيرة ومتسارعة.

وقال الشيخ عبدالله في تغريدة على حسابه بمنصة 'اكس' تعليقا على مرسوم تعيينه على رأس الهيئة الوطنية للإعلام "أتقدم بخالص الشكر والتقدير لسيدي صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد حفظه الله على ثقته الغالية بتعييني رئيساً للهيئة الوطنية للإعلام، سائلين المولى التوفيق والسداد في هذه المهمة".

وتابع في التغريدة ذاتها "تكليف ومسؤولية وطنية تتطلب مني وفريق الهيئة العمل الدؤوب لترجمة فكر ورؤية سموه في بناء إعلام وطني حديث وقوي، يواكب طموحات الدولة ويجسد مكانتها كنموذج عالمي للريادة والابتكار.. الإمارات عند إنشائها الهيئة التي تأتي في مرحلة محورية يمر فيها المشهد الإعلامي العالمي بتحولات غير مسبوقة، لم تكن تؤسس لمجرد جهة تنظيمية، بل تطلق قوة دفع إعلامية توحد الصوت، وتحمي المنجز، وتنقل قصة الإمارات الملهمة إلى كل زاوية في العالم، برؤية تستشرف المستقبل وترتكز على ثوابت الهوية الوطنية.. ندرك عمق المسؤولية الملقاة على عاتقنا، وحجم التطلعات في تعزيز مكانة الإعلام الوطني ليعكس هوية الإمارات وإنجازاتها، ويواكب تحديات العصر، ويوصل رسالتها للعالم بوضوح ومصداقية".

وأضاف "سنعمل على صياغة سرد وطني أصيل يعكس روح الإمارات وإنجازاتها، وبناء جسور ثقة بين الكلمة والواقع، وصناعة محتوى يلهم الأجيال ويرتقي بالوعي... وبروح الفريق الواحد سنتعاون مع مؤسساتنا الوطنية الإعلامية، لكتابة فصل جديد في مسيرة إعلام وطني يليق بطموحات دولتنا ومكانتها العالمية".

ويُتوقع أن يشكل تعيين محمد سعيد راشد الشحي نائبًا لرئيس الهيئة عنصر دعم تنفيذي مهم، ينسجم مع التوجه نحو تعزيز الكفاءة المؤسسية وتطوير الأداء اليومي وتحويل الرؤية الاستراتيجية إلى سياسات وبرامج عملية. ويعكس هذا التوازن بين القيادة والرؤية من جهة، والإدارة والتنفيذ من جهة أخرى، حرص القيادة الإماراتية على بناء منظومة إعلامية حديثة، قادرة على المنافسة، وعلى مخاطبة الداخل والخارج بلغة مهنية وموحدة.

وقال الشحي في تغريدة على حسابه بمنصة اكس "أعتزّ بثقة قيادتنا الرشيدة، وأتشرف بمسؤولياتي الجديدة نائباً لرئيس الهيئة الوطنية للإعلام، في مرحلة مفصلية يُعاد فيها تشكيل دور الإعلام كقوة مؤثرة في بناء الصورة، وصياغة الرسالة، وتعزيز الحضور العالمي لدولة الإمارات. سنمضي برؤية واضحة ومسؤولية عالية، وشراكة حقيقية مع الإعلاميين والمؤسسات والشركات والمنصات، لترسيخ إعلام يعبّر عن قيمنا، ويواكب طموحات دولتنا، ويستحق ثقة مجتمعنا. بقيادة معالي الشيخ عبدالله آل حامد، رئيس الهيئة الوطنية للإعلام، تقع على عاتقنا مسؤولية وطنية لرفع جاهزية قطاع الإعلام، وتعزيز تنافسيته، وترسيخ ريادته عالميا".

ويعكس قرار التعيين قناعة راسخة لدى الشيخ محمد بن زايد بأن مستقبل الإعلام لا يقوم على رد الفعل أو الخطاب التقليدي، بل على التخطيط الاستراتيجي والاستثمار في الكفاءات وبناء مؤسسات قادرة على إدارة الرواية الوطنية بثقة وهدوء. وهو قرار يؤشر إلى مرحلة جديدة في مسار الإعلام الإماراتي، مرحلة يُراد لها أن تكون أكثر تأثيرًا، وأكثر التصاقا برؤية الدولة وأكثر قدرة على التعبير عن نموذج تنموي يسعى إلى ترسيخ الاستقرار والانفتاح والحضور الفاعل في عالم تتزايد فيه أهمية الكلمة والصورة بقدر أهمية القرار.