تفكيك تركيا لشبكة تجسس إيرانية يُحرج طهران

عناصر الشبكة نفذوا عمليات استطلاع ومراقبة دقيقة استهدفت قاعدة "إنجرليك" الجوية الحيوية لتركيا وحلف شمال الأطلسي "الناتو".

أنقرة/طهران - يُمثل تفكيك السلطات التركية لشبكة تجسس إيرانية حلقة جديدة في مسلسل التنافس الأمني المحموم بين أنقرة وطهران. وبالنظر إلى طبيعة الأهداف التي رصدتها الشبكة، وفي مقدمتها قاعدة "إنجرليك" الإستراتيجية وقطاع المسيرات، يبدو أن الصراع انتقل من التباين السياسي إلى استهداف مباشر لركائز الأمن القومي والتفوق الجيوسياسي التركي.

ووفقاً لمكتب المدعي العام في إسطنبول، نُفذت العملية الأمنية في 5 ولايات تركية، حيث كشفت التحقيقات عن ارتباط ستة مشتبه بهم بعناصر من جهاز استخبارات الحرس الثوري الإيراني. وتركزت أنشطة الشبكة على تنفيذ عمليات استطلاع ومراقبة دقيقة استهدفت القاعدة الجوية الحيوية لتركيا وحلف شمال الأطلسي (الناتو).

كما كشف المصدر نفسه عن تورط عناصر الشبكة في أنشطة لوجستية لنقل طائرات مسيّرة عبر الأراضي التركية لاستخدامها في عمليات استخباراتية أو قتالية في "دول ثالثة"، مما يضع أنقرة في حرج قانوني ودبلوماسي دولي.

وأسفرت المداهمات المتزامنة في كل من إسطنبول ووان وصامصون ويالوفا وأنقرة، عن توقيف كل من الإيراني أشكان جلالي، إضافة إلى خمسة مواطنين أتراك هم رمزي بياز وعلي جان كوتش وإرهان إركلن وتانر أوزجان وجمال بياز.

ويرى مراقبون أن هذا الاختراق يمثل تهديداً مباشراً لسمعة الصناعات الدفاعية التركية. فأنقرة التي تفتخر بمسيراتها، مثل "بيرقدار"، كأداة لفرض نفوذها من القوقاز إلى ليبيا، ترى في المحاولات الإيرانية للتجسس على هذا القطاع أو استخدامه "غطاءً" لعمليات مشبوهة "طعنةً" في قلب قوتها الناعمة والصلبة معاً.

كما تقوض محاولة إيران تحويل الأراضي التركية إلى ممر لعملياتها العسكرية الخارجية السيادة التركية وتهدد صدارة أنقرة التكنولوجية. ويأتي هذا التصعيد في توقيت شديد الحساسية، حيث تواجه طهران ضغوطاً متزايدة واحتجاجات عارمة بدأت بالمطالبة بحلول للأوضاع المعيشية المتدهورة وتطورت إلى رفع شعارات تطالب بإسقاط النظام، مما يدفع أنقرة لتشديد قبضتها الأمنية لمنع "تصدير الأزمات" الإيرانية إلى الداخل التركي.

ويمثل الكشف عن الشبكة وسيلة ضغط تركية (Soft Power) لردع إيران في ملفات إقليمية شائكة، من سوريا إلى القوقاز. ولطالما فضلت أنقرة وطهران تسوية الخلافات الأمنية عبر "القنوات الصامتة" أو ما يُعرف بـ"Pragmatic Cooperation". إلا أن تكرار الكشف عن خلايا اغتيال (استهدفت معارضين وإسرائيليين سابقاً) والآن شبكة تجسس عسكري، يمهد لنفاد الصبر التركي.

وانتقلت تركيا إلى "دبلوماسية التشهير الأمني" عبر كشف الأسماء والتفاصيل للإعلام، وهي رسالة علنية لإحراج الجمهورية الإسلامية دولياً والتأكيد على أن المظلة الأمنية التركية لم تعد تتسامح مع "تجاوز الخطوط الحمراء". في المقابل، يعكس صمت السفارة الإيرانية حالة من الارتباك والانتظار لتقييم حجم "الاختراق العكسي" الذي حققته الاستخبارات التركية (MİT) داخل مفاصل الشبكة المشغلة.

ورغم التوتر، تظل المصالح الاقتصادية (خاصة في ملف الطاقة) كابحاً لسيناريو القطيعة الكاملة. ومع ذلك، فإن هذه الحادثة تضع العلاقات الرسمية في حالة من "اللا ثقة المطلقة"؛ حيث ستخضع التحركات الإيرانية - سواء كانت دبلوماسية أو تجارية - لمجهر أمني تركي لا يرحم، مما قد يؤدي إلى تجميد ملفات تعاون استراتيجي كانت قيد البحث.