تقرير فرنسي: حراك سعودي مكثف يؤسس لإعادة الاستقرار للسودان

التحركات السياسية الجارية تبدو جزءًا من مساعٍ أوسع لإيجاد مخرج للأزمة السودانية، عبر دعم توافقات وطنية تفتح الطريق أمام مرحلة جديدة تستند إلى الاستقرار السياسي وإعادة الإعمار.

باريس - كشفت تقارير إعلامية عن تحركات دبلوماسية سعودية تهدف إلى دعم مسار سياسي جديد في السودان، من خلال العمل على بناء توافقات بين القوى المدنية بالتنسيق مع قيادة الجيش السوداني برئاسة الفريق عبدالفتاح البرهان.

ووفقًا لما أورده موقع 'أفريكا إنتلجنس' الفرنسي المتخصص في الشؤون الإفريقية، تقود الرياض في كنف من السرية بسلسلة من المشاورات والاتصالات مع شخصيات وقوى مدنية سودانية ذات حضور سياسي واجتماعي، بهدف المساهمة في تشكيل ائتلاف مدني واسع قادر على لعب دور في إدارة المرحلة المقبلة، وتقديم رؤية سياسية تحظى بقبول داخلي وخارجي.

واللافت في التحركات السعودية المرتبطة بالملفات الإقليمية الحساسة، ومنها الملف السوداني، الحرص على العمل بعيدًا عن الأضواء الإعلامية، انطلاقًا من قناعة دبلوماسية راسخة بأن فرص نجاح المبادرات السياسية تزداد كلما ابتعدت عن الضغوط والاصطفافات التي قد تفرضها التغطيات الإعلامية المبكرة.

وتقوم المقاربة السعودية في كثير من الأحيان على إدارة الاتصالات والمشاورات بهدوء، وإعطاء الأولوية لبناء التفاهمات بين الأطراف المختلفة قبل الإعلان عن أي نتائج أو تفاهمات سياسية. ويبدو أن هذه الفلسفة الدبلوماسية تستند إلى خبرة تراكمية في التعامل مع الأزمات الإقليمية المعقدة، حيث تفضل الرياض التركيز على تحقيق النتائج العملية بدلًا من الانشغال بإبراز الدور السياسي أو التسويق الإعلامي للتحركات الجارية.

وفي الحالة السودانية، تشير المعطيات المتداولة إلى أن المملكة تعمل عبر قنوات متعددة لتقريب وجهات النظر بين الفاعلين السياسيين والمدنيين، مع تجنب إطلاق مواقف أو مبادرات صاخبة قد تؤثر على مسار المشاورات أو تثير حساسيات لدى الأطراف المختلفة.

ويعكس هذا النهج إدراكًا لطبيعة المشهد السوداني وتعقيداته، حيث تتطلب أي تسوية مستدامة قدرًا كبيرًا من الثقة والتوافق بين المكونات الوطنية. لذلك، يبدو أن الرياض تراهن على دبلوماسية هادئة تتقدم بخطوات محسوبة، واضعة نصب أعينها هدف المساهمة في تهيئة الظروف اللازمة لاستقرار السودان وإنجاح أي ترتيبات سياسية مستقبلية، بعيدًا عن الضجيج الإعلامي الذي قد يسبق النتائج أو يؤثر في فرص تحقيقها.

وبحسب التقرير، فإن هذه الجهود تأتي ضمن مساعٍ أوسع تستهدف دعم الاستقرار في السودان وتهيئة الظروف اللازمة لإطلاق مرحلة انتقالية جديدة، مع الحفاظ على التنسيق مع المؤسسة العسكرية السودانية باعتبارها طرفًا رئيسيًا في المشهد السياسي والأمني.

ويرى مراقبون أن أي تسوية سياسية مستدامة تتطلب وجود شراكة بين القوى المدنية والمؤسسات الرسمية الفاعلة، بما يضمن الحد الأدنى من التوافق الوطني خلال المرحلة المقبلة.

وأشار التقرير إلى أن مسؤولين سعوديين كثفوا اتصالاتهم خلال الفترة الأخيرة مع عدد من الفاعلين المدنيين السودانيين، في محاولة لتقريب وجهات النظر بين الأطراف المختلفة وبناء أرضية مشتركة يمكن أن تسهم في إدارة مرحلة ما بعد الحرب. كما تهدف هذه المشاورات إلى بلورة إطار سياسي قادر على الحصول على دعم إقليمي ودولي، بما يعزز فرص نجاح أي عملية انتقالية مستقبلية.

وتأتي هذه التحركات في ظل استمرار الجهود الإقليمية والدولية الرامية إلى إنهاء الأزمة السودانية، حيث سبق للمملكة العربية السعودية أن لعبت دورًا بارزًا في استضافة جولات الحوار بين الأطراف المتحاربة في مدينة جدة بالشراكة مع الولايات المتحدة. وأسهمت تلك المباحثات في فتح قنوات اتصال بين الأطراف المتنازعة، رغم التحديات التي واجهت جهود التوصل إلى اتفاق شامل لوقف القتال.

ويرى متابعون للشأن السوداني أن الحديث عن دور سعودي أكثر انخراطًا في دعم الترتيبات السياسية يعكس تطورًا في المقاربة الإقليمية تجاه الأزمة، من التركيز على الوساطة بين الأطراف العسكرية إلى المساهمة في تهيئة بيئة سياسية تساعد على إعادة بناء مؤسسات الدولة وإطلاق عملية انتقالية أكثر استقرارًا.

وتبقى فرص نجاح أي مبادرة سياسية مرتبطة بقدرة القوى السودانية المختلفة على التوصل إلى تفاهمات مشتركة حول مستقبل الحكم وشكل المرحلة الانتقالية. كما أن استمرار التحديات الأمنية والإنسانية يفرض ضغوطًا إضافية على جميع الأطراف المحلية والإقليمية والدولية الساعية إلى إنهاء الأزمة.

وفي ظل هذه المعطيات، تبدو التحركات السياسية الجارية جزءًا من مساعٍ أوسع لإيجاد مخرج للأزمة السودانية، عبر دعم توافقات وطنية تفتح الطريق أمام مرحلة جديدة تستند إلى الاستقرار السياسي وإعادة الإعمار واستعادة مؤسسات الدولة لدورها في خدمة المواطنين.