تلاعب إيراني بالانتخابات تمهيدا لنهاية الاتفاق النووي

مجلس صيانة الدستور الذي يسيطر عليه رجال الدين يقصي كل من يختار أنه غير مؤهل لخوض السباق الإنتخابي الذي يصوت فيه الإيرانيون يوم 21 فبراير لاختيار 290 نائبا في البرلمان.


انطلاق حملة الدعاية لانتخابات منع من خوضها الآلاف


حوالى 75 بالمئة من المرشحين من المحافظين والمتشددين


اتهامات لمجلس صيانة الدستور باستبعاد الاصلاحيين بسبب الاتفاق النووي

طهران - بدأت في إيران اليوم الخميس الدعاية الانتخابية للمرشحين للانتخابات البرلمانية المقررة في وقت لاحق من الشهر الجاري، وسط تحذيرات غربية من تزويرها لصالح المتشددين باعتبارها الخطوة التي ستقضي نهائيا على الاتفاق النووي الإيراني.

وقال التلفزيون الإيراني "بدأ اليوم الخميس المرشحون البالغ عددهم 7150 مرشحا لخوض الانتخابات النيابية حملات الدعاية"، وذلك بعد أن أقر مجلس صيانة الدستور المشرف على الانتخابات التي ستجرى يوم 21 فبراير/شباط الجاري أحقيتهم في ذلك.

ويخوض المرشحون المنافسة الانتخابية لشغل 290 مقعدا، من ضمنها خمسة مقاعد للأقليات الدينية، في وقت تضرب فيه الفوضى جميع الأحزاب السياسية في البلاد التي تعاني أكبر أزمة اقتصادية في تاريخيها، حيث يسعى الإصلاحيون لتجميع شتاتهم بينما يبحث المحافظون عن هوية جديدة.

وفي طهران وحدها، يتنافس 1400 مرشح على 30 مقعدا. ويُنظر إلى شاغلي مقاعد العاصمة على أنهم أكثر أهمية ونفوذا. ويأتي على رأس المرشحين المتشددين في العاصمة محمد باقر قاليباف رئيس بلدية طهران السابق الذي كان في وقت من الأوقات قائدا للحرس الثوري. 

وتتزامن الانتخابات البرلمانية مع إجراء الانتخابات النصفية لمجلس خبراء القيادة، الذي يضم رجال دين إيرانيين يتم انتخابهم بشكل مباشر كل 4 أعوام ويتولى مهمة تعيين المرشد الأعلى والإشراف على أدائه وعزله من منصبه إذا اقتضت الضرورة .

ومن المتوقع أن يواجه الإصلاحيون الداعمون للرئيس حسن روحاني صعوبات في الانتخابات، بعد رفض ترشح كثيرين منهم خصوصا في طهران.

ووفقا لتقارير غير مؤكدة فإن أكثر من 75 بالمئة من المرشحين هم من المحافظين والمتشددين، وفي ظل تلك الممارسات أصبح الاصلاحيون يخيّرون التركيز حاليا على إعادة بناء قاعدة ناشطين مدنيين من الشباب، في خطوة  لكسب تأييد الشارع الإيراني الذي خرج في الاحتجاجات الغير مسبوقة التي اجتاحت المدن الإيرانية في شهر نوفمبر الماضي.

ورفض مجلس صيانة الدستور حوالي 6850 مرشحا من المعتدلين أو المحافظين لصالح المتشددين وذلك من بين 14 ألفا تقدموا بطلبات لخوض الانتخابات. كما تم منع حوالي ثلث النواب من ترشيح أنفسهم مرة أخرى.

وأيّد المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي صاحب القول الفصل في نظام الحكم الديني في إيران، مجلس صيانة الدستور وقال إن البرلمان المقبل ليس به مكان للخائفين من رفع أصواتهم ضد الأعداء الخارجيين.

وانتقد روحاني شطب المرشحين لكنه طالب مثل خامنئي بالإقبال على التصويت في وقت تواجه فيه البلاد تحديات بسبب النزاع المتعلق ببرنامجها النووي.

وحذر روحاني، في خطاب ألقاه أمام الآلاف في ساحة "آزادي" وسط طهران بمناسبة الذكرى 41 "للثورة الإيرانية"، من حالة عدم الاستقرار إذا تم إجراء الانتخابات بطريقة "أحادية"، ونبه إلى مغبة حصول "ثورة" وشيكة إذا لم يستطع الإيرانيون أن يصوتوا في انتخابات "سليمة وحرة".

حملة ممنهجة ضد المعارضين والسياسيين لمنعهم من المشاركة في الانتخابات البرلمانية عبر توجيه اتهامات باستخدام "أموال المخدرات" لتمويل حملاتهم 

وشدد روحاني في وقت سابق على ضرورة المشاركة الوطنية الواسعة في الانتخابات البرلمانية، قائلا "نحن على وشك إجراء انتخابات مهمة ووطنية كبرى، ونأمل أن يدلي جميع أفراد شعبنا بأصواتهم ... لأن هذه الانتخابات ستنعكس إيجابا على سياساتنا الإقليمية والعالمية وعلى قوتنا الوطنية".

ومنذ أسابيع، هاجم مدير مكتب روحاني، محمود واعظى مجلس صيانة الدستور بسبب استبعاد أغلب مرشحي التيار الاصلاحي وأنصار الحكومة من سباق الانتخابات.

وانتقد واعظي في مقال لصحيفة "إيران الناطقة باسم حكومة روحاني "التلاعب في الانتخابات المقبلة" قائلا "في هذه الحالة لن تكون نتيجة انتخابات الشعب الإيراني كله".

وكشف واعظى تلقي النواب الحاليين المستبعدين من الانتخابات ردا بأن سبب استبعادهم من الانتخابات، هو دعم الاتفاق النووي أو أنهم من أنصار الحكومة.

وينظر لروحاني على أنه شخصية معتدلة سياسيا سعت للتصالح مع الغرب عبر الاتفاق النووي التاريخي الذي أبرم في 2015.

وتصر الجبهة الإصلاحية حتى اللحظة على عدم تقديم أي قائمة في الانتخابات بعد الاقصاء الذي تعرض له مرشحيها، حيث قرر المجلس الأعلى للجبهة عدم طرح أي قائمة انتخابية في العاصمة طهران، وفوض مجالس المحافظات لاتخاذ قرارها بشأن المشاركة في الانتخابات من عدمها.

ويرى الصحافي والكاتب في الغارديان البريطانية أن عملية "تطهير الإصلاحيين في الانتخابات الإيرانية قد يقضي على الاتفاق النووي"، الذي انسحبت منه الولايات المتحدة بشكل أحادي في 2018، وبقيت الدول الغربية الموقعة عليها تحاول انقاذه لكن دون جدوى في ظل تعنت النظام الإيراني ومواصلته التراجع عن التزاماته النووية.

ويعاني الاقتصاد الإيراني من أزمة مالية خانقة بعد أن فشلت السلطات في مواجهة العقوبات الأميركية التي أعادت واشنطن فرضها عليها بعد خروجها من الاتفاق النووي.

وفي نوفمبر/تشرين الثاني الماضي لجأت الحكومة إلى إعلان رفع أسعار الوقود بنسبة 50 في المئة، لتنطلق على إثر ذلك القرار شرارة الاحتجاجات وخروج الإيرانيين إلى شوارع طهران وعدد من المدن الإيرانية أخرى للتظاهر بلا قيادة بل انطلاقا من الغضب الشعبي من التضخم والبطالة واتساع فجوة اللامساواة والفساد.

 ورغم تمكن السلطات من السيطرة على الوضع باستخدام خليط من القيود المشددة على الشخصيات المعارضة والإجراءات القمعية، إلا أن الخوف من تجددها في أي وقت سيناريو وارد جدا يقوم النظام بالاستعداد له على أكثر من جبهة.

وبعد حملات القمع ضد المتظاهرين والمعارضين، حذرت تقارير عديدة من تبعات لجوء النظام الإيراني مؤخرا إلى استبعاد مرشحي الاصلاحيين من الانتخابات في ظل التوترات بين واشنطن وطهران خصوصا بعد مقتل قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني في يناير الماضي بالعراق.

روحاني يناقض نفسه بانتقاد الاقصاء والمطالبة بالإقبال على التصويت
روحاني يناقض نفسه بانتقاد الاقصاء والمطالبة بالإقبال على التصويت 

وقال وينتور إن "السلطات الدينية في النظام الإيراني عازمة على التلاعب في الانتخابات البرلمانية المنتظرة الشهر الجاري ليفوز بها المتشددون باكتساح، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى القضاء التام على الاتفاق النووي مع إيران حسب توقعات دبلوماسيين غربيين".

وأضاف الكاتب والدبلوماسي البريطاني "لقد تم استبعاد الكثير من المرشحين الإصلاحيين من قوائم الانتخابات، وبشكل ممنهج، قبيل بدء التصويت، وذلك بتوصيات من مجلس صيانة الدستور، وهو كيان قوي مؤلف من 12 شخصا من رجال القضاء والدين، الذين يعينهم المرشد الأعلى للثورة، آية الله علي خامنئي شخصيا".

وأئار وينتور إلى أن "أكثر من 90 مرشحا (من أصل 290 في البرلمان) من قوائم المرشحين الإصلاحيين تم استبعادهم لأسباب متعددة مثل ارتكاب مخالفات مالية أو عدم الإيمان بالإسلام".

وفي الأشهر الأخيرة، بدأت السلطات تتحدث عن حملة ضد عدد من السياسيين وتوجيه اتهامات لهم باستخدام "أموال المخدرات" لتمويل حملاتهم الانتخابية.

وفي سبتمبر الماضي، قال المتحدث باسم مجلس صيانة الدستور عباس علي كدخوداي إن "الأموال القذرة" لعبت دوراً مهماً في الانتخابات في العديد من الدوائر الانتخابية في جميع أنحاء إيران، مصرا على "الحاجة إلى قوانين أفضل لمعالجة مشكلة الأموال القذرة في تقرير الانتخابات."

وقال كدخوداي إن رفض الآلاف من المرشحين يعود "لأسباب متعددة" بما في ذلك الفساد المزعوم أو الاختلاس أو تعاطي المخدرات.

وبعد ثلاثة أيام من تصريحات كادخوداي، أكد رئيس مجلس القيادة آية الله أحمد جنتي (91 عاما) أن "العديد من الناس يسعون للحصول على مقاعد برلمانية من خلال إنفاق أموال قذرة في سبيل تحقيق هدفهم".

وتجدد الجدل في الفترة الأخيرة بعد أن نشر المرشح المستبعد، محمود صادقي، تسجيلات عزز بها تصريحات نشرها على مواقع التواصل الاجتماعي قال فيها إن "عددا كبيرا من المرشحين المستبعدين تلقوا عروضا من وسطاء بإعادتهم لقوائم المرشحين مقابل دفع رشاوى كبيرة".

ولإيران سجل أسود في تزوير الانتخابات ففي الانتخابات البرلمانية لعام 2016، اُستبعد ما يقرب من نصف المرشحين من قبل مجلس صيانة الدستور.

وفي 2009 خرجت مظاهرات واسعة في إيران بعد اتهامات بتزوير الانتخابات الرئاسية التي فاز بها المتشدد محمود أحمدي نجاد.

وتحدى المرشحان المهزومان مير حسين موسوي ومهدي كروبي النتيجة، فاندلعت احتجاجات كبيرة. وأصبح الرجلان قائدين لما عُرف باسم "الحركة الخضراء".

وخرج الملايين إلى الشوارع مطالبين بإعادة الانتخابات، لكن آية الله خامنئي أصر على أن النتيجة كانت صحيحة.

يذكر أن هذه الانتخابات عمليا لن يكون لها تأثير كبير على السياسة الخارجية أو على السياسة النووية في إيران حيث أن الكلمة فيها لخامنئي. لكن من المُرجح في ضوء استبعاد الشخصيات المعتدلة وشخصيات محافظة بارزة أن يهيمن المتشددون الموالون لخامنئي على البرلمان وهي خطوة تمهد لاصطفاف كلي ضمن السياسة المعادية لواشنطن.