تماثيل النحات المصري الوشاحي تتحرر وتطير في بيروت

فن النحات البارز عبدالهادي الوشاحي يوصف بأنه "النحت الطائر" لكونه أحد أهم المتمردين في تاريخ النحت المصري مجسدا في أعماله فكرة تحرر الروح من أثقال الجسد.


الوشاحي يترك للمشاهد حرية التأويل للقطعة النحتية أو التمثال


منحوتات تتخلص من الجاذبية الأرضية بفعل طاقتها الروحية الداخلية

بيروت - بعد رحيله بخمسة أعوام ترتفع منحوتات الفنان المصري عبدالهادي الوشاحي في معرض (بيروت آرت فير) بمزيج من التوهج والرشاقة والثبات والحرية التي تدخل حيز الطيران متمردة على جاذبية الأرض.
وتحت سقف المعرض الذي يقام في العاصمة اللبنانية بيروت تجتمع العشرات من المنحوتات الفنية التي تحاكي أزمانا مختلفة وتنتفض على الواقع والارتكازات التقليدية للتماثيل الجامدة، وقد رفدها الفنان الوشاحي قبل رحيله بشحنات انفعالية جعلت منها منحوتات تنشد الحرية وتفتش عن نبض لجمادها.
يشعر زائر المعرض بهذا الانعتاق لدى رؤيته منحوتات تكاد أن تتحرك مثل منحوتة (المرأة والحصان) التي تشع بتوحد أخاذ وطاقة متدفقة تلف الكائنين لينصهرا معا في وحدة الكون.
وتتعانق الطبيعة مع البهاء الأنثوي في منحوتة (المرأة والبحر) حتى يكاد صوت الأمواج ينفلت من داخل الحركة القوسية للمنحوتة.
يرى النقاد أن من لوازم الوشاحي النحتية التخلص من الجاذبية الأرضية بفعل طاقتها الروحية الداخلية لتدخل عالم الطيران.

ويوصف فن الوشاحي بأنه "النحت الطائر" لكونه أحد أهم المتمردين في تاريخ النحت المصري مجسدا في أعماله فكرة تحرر الروح من أثقال الجسد.
ويظهر في منحوتة (عازف العود) انشغال الوشاحي بموضوع الموسيقى والتعبير عن أحاسيس النغم بالوسائط البصرية. ويجيء تفريغه المتعمد لمنطقة الصدر لتستقر فيها أوتار الآلة إيماءة بليغة لصدور النغم من خلجات القلب.
ويمكن للمشاهد أن يشعر بالأصوات المتدفقة من كل منحوتة كما صوت الريح المكتوم في منحوتة (المرأة والحصان) وهدير البحر من عمل (المرأة والبحر) والأنغام المنسابة من (عازف العود).
كان الوشاحي يعتبر في تصريحاته أن النحت يختلف عن الفنون الأخرى وأن مكانه الطبيعي الميادين والقاعات المفتوحة لتحقيق تفاعل وجداني من خلال رؤية المنحوتات وتأملها وتأثيرها في المتلقي ومنحه رحابة التأويل واكتشاف الأبعاد الجمالية لفن النحت.
وفي مقابلات مع الفنان الوشاحي قال "أنا أمارس النحت كمضاد حيوي أحافظ به على إنسانيتي والنحات هو المالك الشرعي للفراغ والآن أستطيع القول إنني أكاد أفكر بلغة الشكل".
ولطالما حاول الوشاحي من خلال أعماله النحتية أن يعكس قناعات فكرية تمزج بين خصوصية البيئة ورحابة الفضاء الإنساني تاركا للزائر حرية التأويل للقطعة النحتية أو التمثال.
لكنه مع هذا التحرر والانفلات من أسر الجاذبية كان الوشاحي يرفض أن يصبح النحت محاكاة للواقع بل إبداع مواز عبر التأثر الوجداني والذهني للفنان وجدل الحواس مع العالم الخارجي.

 رفد الفنان الوشاحي منحوتاته قبل رحيله بشحنات انفعالية جعلت منها منحوتات تنشد الحرية وتفتش عن نبض لجمادها

تقول كريستيان الأشقر مديرة غاليري فنون التي تستضيف أعمال النحات الراحل إن الوشاحي من أهم فناني حركة النحت المصري المعاصر.
وتضيف "عندي العديد من منحوتاته، ولكن لدي أيضا العدد الأكبر من الدراسات الورقية التي كان الوشاحي يخطها بيده قبل تنفيذ أي منحوتة ولهذه قيمة كبرى".
تمثل كريستيان وهي مستشارة فنية أيضا الجناح المصري في معرض بيروت آرت فير وتقول إن الفن المصري شبه غائب في لبنان.
وتستطرد "الفن المصري له الكثير من الأهمية عالميا والوشاحي هو أحد أبرز النحاتين والفنانين التشكيليين في مصر والعالم ومنحوتاته تقتنيها متاحف مصرية وعالمية."
وتتابع "في لبنان يوجد الفن العراقي والسوري ولكن هناك غيابا شبه كامل للفن المصري وعندهم عراقة لا مثيل لها في العالم العربي".
تقول روز شليطة (55 عاما) إنها تزور معرض بيروت آرت فير كل سنة وهذه المرة الأولى التي تتعرف فيها على الفن المصري من خلال أعمال الوشاحي.
وتضيف "أنا لست متخصصة بالفن وأنا زائرة ولكني شاهدت في منحوتات الوشاحي رقيا وأناقة لمسوني جدا".
ميا خوري إحدى زائرات المعرض أعربت عن دهشتها من حالة "الليونة في المواد الصلبة التي تعبر عنها منحوتات عبدالهادي".
وقالت "أنا سعيدة جدا لأن هذا الفن وصل إلينا أخيرا في لبنان. هذه الأعمال تخلق حالة من الحرية وكأننا نطير أمام كل عمل. هل يمكن أن نتصور أن قطعة نحاس أو حديد أو أي مادة صلبة يمكن أن ترقص ونسمع صوت الموسيقى معا؟ هذا هو الوشاحي حقيقة".