توثيق الكتاب الحسيني في معجم

بقلم: د. نضير الخزرجي
ما ضاعت أمّة في يدها كتاب!

يحلو للبعض متأثرا بثورة الاتصالات وتنوع وسائل الإعلام أن يذهب مذاهب طويلة في نسيان (الكتاب) وتفضيل الشاشة الإلكترونية، وما تقدمه عبر الشبكة العنكبوتية من كم هائل من البرامج المتنوعة التي يتلقاها المتلقي عبر ضربة زر (الكيبيورد) أو باللمس، أو تفضيل الشاشة الفضية وما تعرضه من برامج مختلفة وفق حركة جهاز التحكم عن بعد (الريموت كنترول) أو تفضيل "شقيقه البصير" جهاز المذياع الذي يتسرب إلى الأسماع عبر ترددات قصيرة ومتوسطة وطويلة.
صحيح أن الإنترنت عالم كبير جدا يسبح في فضاءات لا متناهية يعرج من سماء ليلج أخرى يسرق وقت المتلقي دون أن يشعر، أو بالأحرى يحاول المتلقي أن ينسى الزمن ويتحاشى عقارب الساعة لئلا تلدغه وتخرجه من غيبوبته الواعية في بعض الأحيان واللاواعية في أغلب الأحيان.
صحيح أن التلفزيون عالم فسيح متداخل، لا يكاد المشاهد يغمض عيناً عن برنامج ليفتحها على أخرى، وهو في دوامة بين الفرح والحزن، فبعض يزرق المشاهد بجرعات كثيرة من برامج الغم والهم كأن الله أوجد الحياة الدنيا للنوح والعويل فحسب متناسيا حديث الإمام الحسن بن علي (ع): {إعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا}، وبعض أشبع المشاهد سرورا وحبورا وأقعده على أريكة من فردوس النعيم لا يكاد ينهض من قعدته ليحط عميقا في قعدته تاركا الحياة ومشاغلها خلف ظهره في غيبوبة شبه تامة. وبين الإفراط والتفريط تبخر وقت المشاهد وتصارعت آماله وآلامه.
صحيح أن الراديو يتنقل بتردداته عبر الأثير حاملا للمستمع ما يشجيه أو يطربه، وربما مرت من جنبه سيارة كلها مذياع وخلف مقودها جسم مترهل يتمايل بكل الاتجاهات الأربعة كأنه في قاعة للرقص (ديسكو)، يشركه في طربه رغم أنفه قبل أذنه.
كل هذا وذاك صحيح، ولكن حيث لا يصح إلا الصحيح فإن المكتوب بين الدفتين يظل هو سيد الإعلام بلا منازع، كان ولا يزال وسيظل، بل هو الشاهد على أعمال البشر يوم لا ينفع مال ولا بنون: {وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنشُوراً . اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً} (سورة الإسراء: 13-14)، فلا غنى عن الكتابة ولا غنى عن الكتاب، فهو المادة الأولى لكل ما نراه ونسمعه، وهو الوسيلة الحافظة لكل آثار الأمم.
وحتى نحفظ للكتاب وجوده وشخصيته وحيثيته، كانت المكتبات ملعبه الأول، وكانت المعاجم موقعه الطبيعي، فكم من كتاب فقدته البشرية وهي بأمس الحاجة إليه، لا نعرف عنه إلا اسمه ومؤلفه وربما دون مؤلفه، حفظت عنوانه المعاجم، وكم من مؤلف ذاع صيته في الآفاق لكتاب اشتهر به، عرفناه شخصا وجهلناه علما، لفقدان الكتاب ومادته إلا ما جاء اسمه في معجم من معاجم المصنفات، ومن يتعامل مع المعاجم والمصنفات يكتشف الكثير من اللامبالاة هذه التي حطت على رأس الكتاب.
وحتى يقلل من الخسارة المحتملة بل والمتوقعة فيما يخص النهضة الحسينية، عمد البحاثة الدكتور محمد صادق الكرباسي في باب معجم المصنفات من أبواب دائرة المعارف الحسينية الستين، إلى توثيق الكتاب الحسيني في معجم، صدر منه الجزء الأول عام 1419هـ (1999) ، واليوم (1430هـ - 2009) ظهر الجزء الثاني في 577 صفحة من القطع الوزير صادر عن المركز الحسيني للدراسات بلندن. بساتين عامرة كما أن البستان أو المزرعة هو المكان الطبيعي للشجرة، فإن المكتبة هو المكان الطبيعي للكتاب، وقد تصغر المكتبة أو تكبر حسب الأهمية، وهناك مكتبات عامة يرتادها كل طالب علم، وأخرى خاصة يرتادها نوع معين من الباحثين، وثالثة شخصية عنى بسقي زروعها صاحبها، وكما أن الكتب من حقها على المجتمع تصنيفها وتوثيقها وحفظها من ملمات الأيام وتقلباتها، فإنَّ المكتبات عامة أو خاصة من حقها على البشرية حفظها وتوثيقها، ومعظم معاجم الكتب إنما عمد مؤلفوها إلى تصنيفها بالمباشرة عبر زيارة المكتبات العامة والخاصة، وأفادوا البشرية كثيرا، لأننا قد نسمع عن المكتبة وما فيها ولكننا لا نجد لها من أثر، حيث أصبحت طعمة لألسنة نيران التقلبات السياسية، فهي إما أن أبيدت عن جهل بقيمة الكتاب أو عن عمد بخطره وكبير أثره، أو أن أصحابها طمروها في باطن الأرض أو تنقلوا بها في البلدان، فضاع أثرها وجوديا وبقي رسمها معجمياً، وبذلك خسرت البشرية الكثير من المعارف.
ولا تخلو مدينة من مكتبات عامة وخاصة، وتكثر المكتبات الخاصة والشخصية في الحواضر العلمية والأكاديمية، فهي محل حاجة وابتلاء، وعلى طريق تخليد المكتبات، عمد المحقق الكرباسي في الجزء الثاني من معجم المصنفات الحسينية إلى توثيق المكتبات وبخاصة الشخصية التي لا يعرف عنها إلا المقربون، ففي بعض هذه المكتبات على صغرها من المخطوطات ما ينعدم وجودها في المكتبات العامة، فتوثيقها وما فيها إحياء لها وللمخطوطات، وربما شجعت أصحاب العلم وأصحاب المال ممن يقدرون العلم وأهله على إخراج المخطوطة من شرنقتها إلى النور لتحلق في عالم الكتب المطبوعة.
وليس توثيق المكتبات بالعمل الهيّن، لا سيما وأن المكتبات متوزعة على بقاع الأرض، ولكن الهمة تقرِّب اليسير وتبعِّد العسير، وهذا ما نلمسه في هذا الكتاب، وما لمسته من المؤلف من خلال الاحتكاك العملي به، فعلى سبيل المثال، ومن أجل توثيق المكتبة الخاصة للمناضل الإيراني أمير توكل بابا مشير الديوان الكرد زعفرانلو (1322-1394هـ) التي أقامها في منفاه في مدينة زاهدان الإيرانية والمعروفة اليوم بمكتبة كامبوزيا، فقد تطلب الأمر الاتصال بورثته، والتحدث هاتفيا وأكثر من مرة مع كريمته السيدة صادقة كامبوزيا في مدينة زاهدان.
ومثل هذا مع (مكتبة آل نوح) الخاصة بالخطيب والأديب العراقي الشيخ كاظم آل نوح الكعبي (1302-1379هـ)، حيث اتصل المؤلف بسبط الأديب آل نوح الدكتور جمال الدباغ فأمدّه بالناقص من المعلومات، فلا يكتفي الشيخ الكرباسي بما عنده من مصادر رغم أن مكتبته الشخصية (مكتبة الإمام الحسين الخاصة) تضم أكثر من 21 ألف مخطوط ومطبوع بلغات مختلفة، فهو يطرق الأبواب هنا وهناك ويتسقَّط المعلومة، إيمانا منه بأهميتها، وهذا نابع من تواضعه للعلم حتى وإن لقي صدوداً من أصحابها أو من الورثة، فعذره أنَّ بعضهم يجهل أهمية التوثيق. تنقيح وتدقيق ينبغي لأية أمة أن تعظم رجالها الذين وثقوا لها تاريخها، وينبغي لرجال العلم وطلبته أن يعظموا أصحاب معاجم الرجال والمصنفات الذين حفظوا للتاريخ تراث الأمة وحياة رجالها، وفي مقدمة وسائل التعظيم والتكريم حفظ الأمانة وصيانتها، ومن الصيانة تحويل المخطوطات إلى مطبوعات، وأفضل من ذلك أن تخرج المخطوطات محققة ومنقحة ومدققة، لأن التحقيق يستوجب المقابلة والمقارنة في المخطوطة الواحدة من نسخ عدة لتشذيبها مما اعتورها من خطأ أو نقص أو زيادة أثناء النسخ.
وإذا كان الخطأ يقع في نسخ المخطوطة أو عند طباعتها، فإن الخطأ ينسحب هو الآخر على تدوين المخطوط أو المطبوع في المعاجم أو تعدد ذكره هنا أو هناك في الكتب المختلفة، وهنا تقع المهمة على المحقق وهو يقيد هوية الكتاب في معجم المصنفات بأن يتحقق من كامل معلومات الكتاب بخاصة عندما تكون أمامه أكثر من نسخة، وإذا بانت له الحقيقة فينبغي ذكرها وتقييدها وعدم الاتكال على ما ورد في هذا المعجم أو ذاك حتى وإن كان مؤلفها على درجة كبيرة من الدقة والوثاقة، لأن الخطأ قد يحصل عند صف الحروف وطباعة الكتاب، وربما يحصل الخطأ من نقل الكاتب نفسه، فالأمانة العلمية تقتضي تبيان الحقيقة، فللعلماء احترامهم وتقديرهم ولكنهم بشر وعملهم قابل لهامش من الخطأ.
ومن خلال متابعة هذا المعجم، نلاحظ أن البحاثة الكرباسي، يحرص وهو يدون معلومات الكتاب الحسيني على توثيق المعلومة الصحيحة بعد مطابقتها ما اطمأنَّ إليه، فيقدم رأيه في عنوان الكتاب أو مؤلفه، بل ويعطي رأيه في أصل مادة الكتاب إذا كانت معارضة لقطعيات التراث، فهو يؤمن أن المعجمي الحقيقي هو القادر على التدقيق والتنقيح، وبذلك فإن الدكتور الكرباسي يقدم منهجا قويما في فن العمل المعجمي، يعطي للمعاجم دورها الحقيقي في التثبت والتوثيق. عقل لا نقل ربما يعتقد البعض أن تصنيف الكتاب وتوثيقه يتوقف على نقل المعلومات الواردة في هوية الكتاب، والاكتفاء بما ورد فيه من معلومات، فالنقل مهمة ليست بالعسيرة، وهو دأب عدد غير قليل من العاجزين ممن انضم إلى حزب الكتّاب وهو من قاعدته أبعد! ولكن العمل المعجمي الحاذق يخرق حاجز هوية الكتاب ليدخل في التفاصيل وكشف أمور كثيرة لا يقف عليها البعض، ولها دخل في تشخيص بوصلة الثقافة.
وربما نستطيع من خلال عمل المحقق الكرباسي في معجم المصنفات الحسينية الوقوف على أمور عدة، من أهمِّها:
أولا: كشف التلاعب: هناك مخطوطات أو مطبوعات قديمة، يحرص البعض على طباعتها أو إعادة طباعتها لأهداف كثيرة قائمة في ذهن الجهة أو الشخص القائم بالعمل، غير أن البعض يعمد إلى حذف أو تعديل أو تدليس نص أو مجموعة نصوص إمعانا في تجهيل القارئ وتجاوز الحقيقة، ومن ذلك ما جاء في كتاب (أخبار الزينبيات) أو (السيدة زينب) وهو من تأليف يحيى بن الحسين بن جعفر البيدلي المتوفى سنة 277هـ، فقد طبع بمصر عام 1333هـ، وأعيد طباعته مرة أخرى عام 1353هـ، ولكن هذه المرة بإسقاط كرامة للسيدة زينب بنت علي بن أبي طالب (ع) كانت قائمة في الطبعة الأولى.
ولا يخفى أن مثل هذا التلاعب والتدليس يرقى إلى الخيانة العلمية، بل هي الخيانة بعينها، وهي لا تنقص من صاحب الكرامة بقدر ما هي إساءة للكتاب وطعن بحيثية الكاتب، وكان بإمكان الناشر الذي لا يؤمن ببعض ما جاء في هذا الكتاب أو كله، أن يربأ بنفسه عن ساحة الخيانة بأن يعمد إلى تحقيق الكتاب فيظهر رأيه بالنص الذي لا يرتضيه، ويكون بذلك قد أضاف رأيا جديدا، وخدم العلم والعلماء دون أن يرتكب جنحة علمية ربما فاقت بتبعاتها الجنحة الجنائية.
ثانيا: كشف الأسماء المستعارة: يلجأ البعض إلى استخدام أسماء مستعارة كنوع من أنواع الجمالية الكتابية، وللدلالة على شخصه دون الحاجة إلى ذكر اسمه واسمِ أبيه، ويكثر هذا في باب الأدب وبخاصة في جانب المنظوم منه، فيقال إن الشاعر الفلاني يتخلص بكذا من الأسماء، وهذه سمة شعراء إيران والقارة الهندية، لكن البعض يلجأ إلى ذلك قسرا، ليتجنب عيون السلطة وكيد السلطان، وقد يموت صاحب الاسم المستعار ولا يعرف الناس عنه شيئا إلا الدائرة الضيقة القريبة منه، والبعض الآخر يستبعد شخصيته وهويته حالما يهاجر من بلده حفظا على حياة أسرته أو ما تبقى منهم، ويعود إلى هويته الحقيقية حالما تعود الحياة السياسية في بلده إلى وضعها الطبيعي.
والمحقق الحاذق العامل في مجال المصنفات، هو الذي يسعى إلى اكتشاف شخصية الكاتب إذا ما عنّ له أن الاسم الموضوع على الكتاب ليس بواقع، ومثل هذا الأمر قائم في كثير من البلدان التي لا تعمل بالنظام النيابي، لأن الكتاب في مثل هذه البلدان يخضع للرقابة الحكومية، ولا يرى النور إلا بعد موافقة السلطات، ومن الطبيعي أن السلطات الرسمية تتقبل الكتاب الذي يوافق سياستها، مما يلجئ بعض الكتاب إلى استخدام الاسم المستعار.
ومن النماذج الواردة في هذا المعجم، كتاب "أخلاق الجبهتين في نهضة عاشوراء" للكاتب العراقي المعاصر سعيد بن كاظم العذاري، حيث صدر الكتاب في البدء في إيران على شكل دراسة باسم شهاب الدين الحسيني، ثم بعدما عادت الأمور في العراق إلى بعض نصابها كشف الحسيني عن هويته العذارية.
ثالثا: كشف اللبس: من الأمور التي تظهرها عملية تنظيم المصنفات هو كشف اللبس الذي يحصل لدى أصحاب المعاجم خلال نقل الكتاب أكثر من مرة في أكثر من موضع، ونسبة الكتاب الواحد إلى أكثر من مؤلف، ويحصل مثل هذا في الكتب المترجمة، فيقع الخلط في ترجمة العنوان أو في اسم الكتاب أو لقبه أو في واحدة منها أو في كلها مجموعة، مما يوحي أنه أكثر من كتاب، بيد أن المحقق النبيه يملك قدرة الكشف المبكر عن الخلل نتيجة للتعامل اليومي مع الكتاب، وبخاصة لدى أولئك الذين يجيدون التحدث بأكثر من لغة، فاللغة الثانية هي في واقعها ثقافة ثانية تزيد من التراكمات الثقافية لدى مجيدها.
ومثل هذا اللبس يكتشفه البحاثة الكرباسي الذي يتحدث أكثر من لغة، عند تعامله مع الكتب، ومن ذلك كتاب (إزالة الغين عن بصارة العين) باللغة الفارسية للكاتب الهندي حيدر علي بن محمد الفيض آبادي المتوفى بعد عام 1283هـ.
رابعا: كشف التكرار: ومن الطبيعي عندما يقع اللبس في عنوان كتاب أو مؤلفه، يقع التكرار في ترجمة الكتاب، وإذا لم ينتبه صاحب المعجم سيسقط في الخطأ، ومثل هذا يكتشفه المحقق الكرباسي في أكثر من كتاب ومن ذلك (أرجوزة في تاريخ المعصومين) للشاعر العراقي محمد بن الحسين الحسيني المتوفى عام 1183هـ والشهير بمحمد ابن أمير الحاج الحائري، حيث تكرر اسمه في احد معاجم المصنفات مرتين. إحياء الموات في الواقع أن للمعاجم فوائد جمة وهي لا غنى عنها للباحث والكاتب والمؤسسات العلمية والبحثية، ناهيك عن المكتبات العامة، ولعل واحدة من الفوائد أنها تعيد الحياة إلى الميت من المخطوط أو الكتاب، وتبث الروح في الميت من الكتّاب، فالبعض من المؤلفين والمصنفين وهم ليسوا بالقليل يؤلفون الكتاب، وربما يكون هو الأول والأخير مما تركوه في دنياهم عملا بالحديث النبوي الشريف: {إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له}، فربما أمكن للورثة نسخ المخطوط أو طباعته، وربما باعوه وهو ما يحصل لعددٍ غير قليل من مؤلفات العلماء الذين يعيشون ضنك الحياة فيورثون للخلف علماً، فإما أن تحفظ في المكتبات الشخصية أو تطبع، وبعضها (وما أكثرها) تصبح في خبر كان!
ومن يعمد إلى نسخ المخطوط وطباعة الكتاب النافع إنما هو يقوم بخدمة كبيرة للساحة العلمية، ولا أعتقد أن ثواب الكتاب من الناحية المعنوية يذهب إلى المؤلف فحسب إذا ما أقدم أحدهم على طبعه، فالباذل في طباعة الكتاب أو تحقيقه يدخل في مصداق الحديث، ولا شك أنه جزء من الحديث النبوي الشريف: {إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته، علماً علمه ونشره، وولداً صالحاً تركه أو مصحفاً ورثه أو مسجداً بناه، أو بيتاً لابن السبيل بناه، أو نهراً أجراه، أو صدقةً أخرجها من ماله في صحته وحياته تلحقه من بعد موته}، فالثواب يلحق المؤلف والمعلم والناشر، فأي يد تدخل في طباعة الكتاب وإظهاره للقارئ بحلة جميلة يدخل في مصداق الحديث، ومن مصاديق الحديث، المعاجم التي تصون هوية الكتاب ومؤلفه، فهي تحفظ الكتاب من الضياع والكاتب من النسيان، على مر الدهور والأيام. أدب پشتوي ومن يكتب عن عظيم نثرا أو شعراً، فإنه سيخلد لخلود العظيم، فكيف وإن العظيم هو سيد الشهداء وسيد الأحرار الإمام الحسين (ع)، الذي كما يقول العلامة الشيخ خورشيد أنور جوادي، مدير الحوزة العلمية الجوادية في مدينة هنگو الباكستانية: (إن الإمام الحسين هو واحد من الشهداء الخالدين على مدى الدهر حيث رفع لواء النضال في طريق الحق والعدالة، وآثر الموت على الحياة من أجل رفعة الإسلام وإحياء السنن الإلهية المقدسة).
ويضيف الشيخ الجوادي وهو يقدم للجزء الثاني من معجم المصنفات الحسينية بلغة الپشتو: (إن نهضة الإمام الحسين بثت الحياة في القلم، فأبدع الكتاب والشعراء نثرا ونظما لتخليد الحماسة الحسينية في كربلاء وبمئات اللغات واللهجات)، وحول لغة الپشتو المنتشرة في باكستان وأفغانستان والهند، ودورها في نهضة كربلاء، أكد الشيخ الجوادي: (ولا يخفى أن الأدب الپشتوي له مشاركات كبيرة في الأدب الحسيني عبر مئات الشعراء والأدباء والكتاب حيث أرخوا لمأساة كربلاء الأليمة).
وحول مكانة دائرة المعارف الحسينية في تخليد النهضة الحسينية، قال مدير الحوزة العلمية الجوادية في باكستان: (إن حضرة آية الله محمد صادق الكرباسي، يظهر من خلال مؤلفه عظم وتأثير شهادة وتضحية سيد الشهداء على المصنفات)، وبخصوص الموسوعة الحسينية، يؤمن الشيخ الجوادي: (إن من نتائج هذا العمل الموسوعي الغزير والمبارك، هو الوقوف أمام الإعلام اليزيدي، وإبطال مفعوله).
وفيما اعتقده، أن العمل المعجمي لا يشجع المثقف على الكتابة والنشر فحسب، وإنما يدفع غير الكاتب ممن يملك مالا ولا يملك قلما أن يسهم بما أنعم الله عليه من رزقه في نشره العلم وتخليد العلماء في حياتهم من خلال تبني طباعة مصنفاتهم ومؤلفاتهم، كما إن من الصدقة الجارية على الميت أن يعمد إلى صرف جزء من الأموال في طباعة الكتاب المفيد تخليدا لذكرى الفقيد في الحياة الدنيا وأملا في نيل الثواب في الحياة الآخرة.
ولا يخفى أن إشاعة ثقافة البذل على الكتاب، فضلا عن ثقافة التأليف، يساعد كثيرا في تخفيض مناسيب الجهل، ويرفع من شأن الأمة، فكم من كاتب قدير ضاقت به الدنيا، نالت أنامله ثريا العلم ولم تصل ثرى المال؟ فإذا ما اتحدت جزئية العلم مع ذرة المال انتعشت الأمة بماء الرقي والسمو وتسنمت مركب الحضارة. د. نضير الخزرجي ـ إعلامي وباحث عراقي
الرأي الآخر للدراسات – لندن alrayalakhar@hotmail.co.uk
20/10/2009