توجه أميركي لإعادة ترتيب ملف العراق بمبعوث رئاسي جديد

توم باراك سيواصل مهامه سفيراً لدى تركيا بالتوازي مع مهمته الجديدة، ضمن جهود تعزيز التعاون الاستراتيجي مع حكومتي العراق وسوريا.

واشنطن - أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب تعيين سفير الولايات المتحدة لدى تركيا توم باراك مبعوثاً رئاسياً خاصاً إلى العراق وسوريا، في خطوة تعكس توجها داخل إدارة ترامب لإعادة ترتيب أحد أكثر الملفات تعقيداً في الشرق الأوسط.

وقال ترامب في منشور على منصة 'تروث سوشال'، إن باراك سيواصل مهامه سفيراً لدى تركيا بالتوازي مع مهمته الجديدة، مؤكدا أن القرار يندرج ضمن جهود تعزيز التعاون الاستراتيجي مع حكومتي العراق وسوريا. ويأتي الإعلان بعد يوم واحد من تأكيد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أن باراك سيواصل لعب دور قيادي في الملفين العراقي والسوري رغم انتهاء صفته الرسمية كمبعوث خاص إلى سوريا.

وكان باراك قد تولى خلال مايو/أيار 2025 مهمة المبعوث الخاص إلى سوريا بالتزامن مع تحركات إدارة ترامب لإعادة صياغة مقاربتها تجاه دمشق ورفع بعض العقوبات عنها، مستفيداً من علاقاته الوثيقة مع أنقرة التي باتت لاعباً رئيسياً في الملف السوري.

وخلال الأشهر الماضية برز اسمه أيضاً في الاتصالات الأميركية مع بغداد، خصوصاً بعد تعثر مباشرة المبعوث الأميركي الخاص للعراق مارك سافايا لمهامه بصورة كاملة.

ويثير قرار تعيين باراك تساؤلات بشأن مستقبل المقاربة الأميركية في العراق وسوريا، كما يُعيد إلى الواجهة تجربة سلفه مارك سافايا الذي رافق تعيينه في البداية زخم إعلامي لافت، فقد حظي سافايا، المنحدر من أصول عراقية كلدانية، باهتمام واسع داخل الأوساط السياسية والإعلامية الأميركية والعراقية، وجرى تقديمه باعتباره شخصية تمتلك فهماً عميقاً لتعقيدات المجتمع العراقي وتركيبته السياسية.

لكن تلك الهالة سرعان ما تراجعت، فبعد أشهر من الضجيج الإعلامي الذي رافق اسمه، اختفى سافايا تدريجياً من المشهد، قبل أن يتبين عملياً أن مهمته لم تحقق الاختراقات المأمولة، وأن حضوره السياسي لم يكن بمستوى التوقعات التي رافقت تعيينه.

وبدا وكأن الرجل الذي احتفت به دوائر مقربة من إدارة ترامب بوصفه وجهاً جديداً للسياسة الأميركية في العراق تحول إلى ظاهرة إعلامية قصيرة العمر أكثر منه صاحب مشروع سياسي قادر على تغيير قواعد اللعبة.

ومن هذا المنظور، يمكن قراءة تعيين باراك باعتباره محاولة لضخ دماء جديدة في ملفين يراوحان مكانهما منذ سنوات، فالعراق لا يزال يمثل ساحة تنافس مفتوحة بين واشنطن وطهران، كما أنه تحول إلى مساحة خلفية لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية. وفي الوقت نفسه، تواصل الفصائل المسلحة الموالية لإيران تشكيل أحد أبرز التحديات المزمنة أمام الاستراتيجية الأميركية هناك.

أما سوريا، فلا تقل تعقيداً عن العراق، في ظل تشابك النفوذ التركي والإيراني والروسي، وتبدل الأولويات الأميركية بعد سنوات من الحرب والعقوبات.

ويمتلك باراك بعض عناصر القوة التي افتقدها سافايا، أبرزها قربه الشخصي من ترامب وخبرته الطويلة في إدارة الملفات الحساسة وعلاقاته الواسعة مع عواصم المنطقة، فضلاً عن موقعه الحالي سفيراً لدى تركيا، الدولة الأكثر تأثيراً في المعادلة السورية الجديدة، غير أن نجاحه سيظل رهناً بقدرته على التعامل مع شبكة متداخلة من المصالح والصراعات تتجاوز حدود الدبلوماسية التقليدية.

لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان باراك سيختلف عن سافايا، بل ما إذا كانت واشنطن نفسها تملك اليوم استراتيجية جديدة للعراق وسوريا، فحتى أكثر المبعوثين نفوذاً قد يجد نفسه عاجزاً عن تحقيق اختراقات ملموسة إذا بقيت الملفات نفسها رهينة التنافس الأميركي الإيراني، وتعقيدات المشهدين العراقي والسوري، وتضارب أولويات القوى الإقليمية والدولية.