'تونس أولا'، هل يكون اخر العنقود في سلالة الحزب الام؟

غير بعيد عن مقر حزب حركة "نداء تونس" في منطقة البحيرة وهو الحزب الام والحزب الحاكم الذي أطلقه الرئيس الباجي قائد السبسي قبل خمس سنوات، أطلق رضا بلحاج وفريقه من المنشقين عن نداء تونس 2012 حزبهم الجديد أو "حركة تونس أولا" وذلك عشية احتفال تونس بالذكرى الستين لاعلان الجمهورية. اختيار في التوقيت يؤكد أن الحزب الجديد وهو الثالث بعد نداء تونس الذي يتولى قيادته حافظ قايد السبسي نجل رئيس الجمهورية الذي يتهمه شركاء الرئيس السابق في الحزب بالسطو على مشروعهم وتفتيته فيما يتولى محسن مرزوق قيادة حزب "مشروع تونس" المنسلخ بدوره عن نداء تونس. رقم جديد يضاف الى قائمة عشرات الأحزاب في البلاد بما يفاقم نقاط الاستفهام حول ما يمكن أن تقدمه هذه الحركات والأحزاب المفككة والحال أنها عجزت قبل ذلك ان تلتزم بوعودها وتحترم تعهداتها للرأي العام.

ولادة حركة تونس أولا تختزل بدقة حال المشهد السياسي في البلاد قبل أشهر على موعد الانتخابات البلدية في 17 أكتوبر التي لم يعد يفصلنا عنها سوى ثلاثة أشهر اذا لم يتم تأجيلها وهو موعد يتطلع اليه التونسيون بكثير من الحيرة بالنظر الى الغموض الذي يسود المشهد وعدم وضوح الرؤيا بشأن التحالفات السياسية المرتقبة بعد أن خبر التونسيون نتائج التحالف بين نداء تونس الفائز بالانتخابات التشريعية والرئاسية في 2014 وبين حركة النهضة التي برغم تراجعها بعد الانتكاسة التي منيت بها في الانتخابات الا انها ظلت تحافظ على مواقعها ونفوذها في البلاد. نفوذ حافظت عليه بفضل النظام السياسي الجديد ولكن أيضا بفضل سنوات حكم الترويكا التي منحتها فرصة التغلغل في العديد من مؤسسات الدولة ووجدت له في ضعف بقية الأحزاب الديموقراطية المتناحرة على الساعة ما ساعدها على البقاء.

نداء تونس الذي ولد على عكس الطبيعة كبيرا قبل ان يتقلص حجمه ويعتريه ما اعترى مؤسسيه وأعضاءه الغرور ويقعون في فخ التنافس والتناحر والصراع على السلطة بعد تولي مؤسسه وحكيمه وشيخه الباجي قائد السبسي رئاسة الجمهورية، وتظهر على نجله حافظ قايد السبسي الوافد حديثا في عالم السياسة مؤشرات الطموح لخلافة والده في زعامة الحزب الجديد القديم الذي قام على الإرث البورقيبي والحنين الجديد لدى شريحة من التونسيين للعودة الى البورقيبية معتقدين أنها طريق الخلاص للبلاد من تداعيات ومظاهر الفوضى التي ارتبطت بسقوط النظام السابق وارتجاجات الثورة وقد تناسى بذلك نجل رئيس الدولة أن الأحزاب كما الكفاءة لا تقبل التوريث ولا تخضع للوصاية. وكان ذلك كفيلا بإدخال الارتباك على حزب نداء تونس الذي تخللته الانقسامات والشروخ مبكرا وتحولت اجتماعاته من الحمامات الى جربة وسوسة الى فضائح ونشر غسيل بين أعضائه. وبعد اعلان شق محسن مرزوق عن حزبه المنشق عن نداء تونس وهو حزب المشروع حتى لحقه حليف الامس خصم اليوم والغد رضا بلحاج والشق المرافق له بإعلان حركة تونس أولا.

في خضم الحرب المفتوحة على الفساد وحملة استهداف رموز الفساد في البلاد والتي جاءت لتنقذ حكومة يوسف الشاهد من سقوط كان يبدو وشيكا، لا يبدو ان حزب نداء تونس على استعداد لاعادة مراجعة أولوياته وانهاء صراعاته بعد ان تحول الى حزب أو على الأقل ما بقي منه الى حركة لاستقطاب اكبر رموز النظام السابق فوفر لهم الغطاء السياسي ووفروا للحزب بالمقابل خبرتهم وخيوط التحكم في اللعبة، في خضم كل ذلك يبقى المشهد السياسي في تونس مختبرا مفتوحا لتجربة ديموقراطية مفتوحة على كل القراءات والسيناريوهات في ظل تحولات إقليمية متسارعة بكل تأثيراتها المباشرة وغير المباشرة. وقبل أكثر من سنتين على موعد الانتخابات التشريعية والرئاسية القادمة 2019 بدأت الحسابات الانتخابية والحملات المبكرة تسير المشهد وفيما تسعى حركة النهضة الى تثبيت مواقعها وتوسيع تحالفاتها والاستفادة من ورقة معدلة للاسلام السياسي الديموقراطي حسب الخطاب الجديد للإسلاميين في تونس تواصل بقية الأحزاب بما في ذلك نداء تونس التفكك والتشرذم والتشظي وتفشل في قراءة المشهد قراءة صحيحة والاستفادة من كل الأخطاء الكارثية حتى الان.

ولعل من واكب فعاليات الإعلان عن تأسيس حركة تونس أولا قد أدرك أن الحنين الى نداء تونس 2012 ظل سيد المشهد وان اغلب المداخلات كانت في هذا الاتجاه. وقد اعتبر بلحاج صراحة ان نداء تونس انحرف عن دوره وعن المشروع الحداثي الذي جاء به. وحمل رضا بلحاج وكذلك الناصر شويخ النائب المنسلخ بدوره عن حركة نداء تونس المسؤولية لنجل الرئيس الذي عبث بالحزب والغى دور وجهود من شاركوا في تأسيسه. رضا بلحاج اعرب عن امله في استقطاب الشباب والنساء وفي ان يكون حزب تونس أولا جبهة عريضة تجمع القوى الوطنية الوسطية لإنقاذ مسار الانتقال الديموقراطي.

الحقيقة أنه ليس من الواضح ان كان تضمن المكتب السياسي لحركة تونس أولا قيادات بارزة سابقة يعني أن هذا الحزب قد استوعب كل الدروس وأدرك تداعيات الأخطاء والرهانات الفاشلة التي وقع فيها النداء قبل أن يتفجر. وهي رضا بالحاج وبوجمعة الرميلي وعبدالعزيز القطي وخميس قسيلة وأمال الجبالي وفوزي معاوية والناصر شويخ وطارق الشعبوني وصلاح الدين بن فرج ورياض جابر وفاخر الجبالي والمسرحي الفاضل الجزيري الذي يبدو من الواضح أنه وراء تنظيم الاحتفال الذي رافق الإعلان عن تأسيس حركة تونس أولا واللوحات الموسيقية الوطنية التي قدمها شباب من مختلف الجهات محاولة من الحركة لاستباق الاحداث والدخول على عط المنافسة مع بقية الأحزاب. بلغة الأرقام فان حركة تونس أولا ستكون بطاقة الولادة رقم 206 في قائمة الأحزاب السياسية التونسية ولكن الواقع غير ذلك والأرجح ان هناك نحو ثلاثين حزبا ناشطا وحاضرا في الحياة السياسية بينها خمسة أحزاب متحالفة في اطار حكومة الوحدة الوطنية وخمسة في المعارضة.

الواقع أيضا أن ظهور حزب جديد من رحم النداء يزاحم بقية الأحزاب التي يزدحم بها المشهد قد لا يغير القليل أو الكثير في مرحلة حساسة تعيش على وقعها البلاد مع ازدياد نفور التونسيين من اخبار السياسة والسياسيين وتواتر الخيبة من أداء النخب التي لا تزال في حالة مراهقة سياسية طال أمدها. ولاشك ان تعقيدات الوضع الاقتصادي وضغوط المؤسسات المالية الدولية واستمرار تراجع الاستثمار وجمود العجلة الاقتصادية رغم انها بدأت تستعيد عافيتها في هذا النصف الثاني من سنة 2017 بعد موسم قياسي مع الاضرابات والاحتجاجات وتعطيل عجلة انتاج الفسفاط والغاز فان المؤشرات لا تنبئ بقرب زوال الازمة الاقتصادية مع حجم الديون الخارجية. في خضم كل ذلك لا يبدو أن حزب نداء تونس الحاكم يدرك حجم الازمة الراهنة في البلاد ولا هو منشغل بمخاوف التونسي من المستقبل. نداء تونس الذي انشطر ليتحول الى نداءات هنا وهناك لا تبلغ مسامع أصحابها تحول الى جزء من المشكلة في البلاد وليس الى جزء من الحل نداء تونس وبعد ان فشل في تجاوز خلافاته وانتهى به المطاف الى استعراض غسيله الداخلي على المنابر الإعلامية والدخول في حملات تشويه متبادلة بين انصار نجل الرئيس حافظ قايد السبسي ومعارضيه.

من المتناقضات الحاصلة في اعلان ولادة حركة تونس أولا انه غاب خلالها الحديث عن الحركة فكان النداء الحاضر بالغياب وقد اتهم رضا بلحاج صراحة نجل الرئيس باختطاف النداء والسيطرة عليه بعد ان وجد مؤسسوه الطريق لدفعه لتصدر الحياة السياسية وهي تسير على مفترق طرق بعد تفرد حركة النهضة في اعقاب الثورة. بلحاج اتهم النهضة باختراق النداء. قائمة الاتهامات الموجهة بزعيم نداء تونس لا تقف عند هذا الحد وربما يكون من المهم في هذه المرحلة التي تسبق الانتخابات البلدية القادمة الإشارة الى حقيقة لا يمكن تغييبها من الاذهان وهي انه اذا كان نجل الرئيس وجد في الانتهازيين والمحيطين به ما دفعه بالسطو على الحزب والاستئثار بالقيادة، فانه لا يجب أن ننسى ان رضا بلحاج كان مستشارا لرئيس الدولة وضمن فريقه المقرب في قصر قرطاج قبل أن يخير القاء المنديل والانسحاب شانه في ذلك شان زعيم حركة مشروع تونس محسن مرزوق الذي رافق الباجي قائد السبسي في مشواره الطويل لكسب رهان الانتخابات التشريعية والرئاسية ومثل تونس في العديد من المناسبات الرسمية قبل أن يغادر المشهد بدوره بعد ان عجز عن رد نفوذ ابن الرئيس المتفاقم.

حتى الان لا شيء يمكن ان يجزم ما اذا كان المولود الجديد سيساهم في علاج المشهد او سيزيد حالة الانفصام الحاصلة في بلد يعاني بسبب صراعات ابنائه وحساباتهم واطماعهم. الطبقة السياسية في تونس تحتاج اليوم الى تشخيص مشترك من علماء النفس وعلماء الاجتماع بما قد يساعد في استعادة البوصلة المفقودة.