تونس وربطة عنق الشيخ: الاهم كم غرقنا في الحضيض

منذ عودته الى تونس من منفاه الفاخر في لندن عاصمة الاخوان بامتياز لم يتوقف زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي عن مفاجأة التونسيين واقناعهم بالتغيير العميق الذي طرأ على حركته الإسلامية الحداثية لا سيما في مؤتمرها الاخيرة في مدينة رادس الرياضية عندما أعلن طلاق الحركة - أو هذا على الأقل ما ارتبط آنذاك بخطاب الشيخ - للفصل بين الدعوي والسياسي ولكنه انفصال كان يتضح زيفه مع تصريحات قيادات الحركة أو مواقفهم من القضايا الاجتماعية أو تصويتهم حول مشاريع القوانين في مجلس نواب الشعب. وقد جاءت الازمة الأخيرة بين دول مجلس التعاون الخليجي وقطر في فصلها الأول لتفرض المزيد من الضغوطات على الاخوان وتبدد الكثير من الخيارات من حولهم وتدفعهم لتغيير بعض الأولويات تماشيا مع متطلبات رياح المرحلة لا سيما الرياح الاميركية وتوجهات إدارة ترامب المترنحة التي لم يستقر لها قرار ولم يتضح لها رأي في مختلف القضايا والازمات المرتبطة بدول الربيع العربي والتي تدفع مرة الى الاعتقاد بأن تجربة الإسلام السياسي في هذه الدول تعيش اخر ايامها مع سقوط ورقة مرسي في مصر وتأخر الحل في ليبيا ودخول الحرب على تنظيم داعش الإرهابي الفصل الأخير في العراق وسوريا بعد تلقي التنظيم صفعات قوية سحبت منه العديد من مواقعه التي كان يريد لها ان تكون جزءا من عاصمة الخلافة الوهمية التي يتطلع اليها.

خروج الشيخ بربطة عنق فاخرة قد لا يكون اخر مفاجئات زعيم حركة النهضة الذي بدأ يكشف عن طموحات سياسية وربما بدأ يعتبر أن سلطته يجب أن تنتقل من مونبليزير الى قرطاج أو هذا على الأقل ما فهمه اغلب الذين تابعوا حواره الأخير على قناة نسمة الذي وجه من خلاله رسالة مباشرة لرئيس الحكومة يوسف الشاهد بالانصراف الى إدارة الازمات والتزامه بعدم الترشح للانتخابات 2019. ويبدو أن الحوار كان حوارا تحت الطلب حتى يبلغ زعيم حركة النهضة رسالته للتونسيين ولكن أيضا للخارج ويعلن الدخول في سباق انتخابي مبكر.

الواقع أن رسائل الغنوشي في حواره على قناة نسمة تعددت وهي تظل قابلة لاكثر من قراءة وأكثر من تأويل، وليس من الواضح ان كان ذلك بالتوافق بين الشيخين وتحديدا مع نداء تونس الذي لم يعد يخفي عدم رضاه على رئيس الحكومة وامتعاضه من خياراته لا سيما بعد إعلانه الحرب على الفساد والتي طالت أسماء لا أحد كان يتوقع أن تسقط وبينها رجل الاعمال المثير للجدل شفيق جراية الذي يعرف القاصي والداني افضاله على نداء تونس وكرمه على العديد من أعضاءه. ويبدو أن توجه يوسف الشاهد الى المضي قدما في هذه الحرب التي بدونها ما كان له أن يعزز شعبيته بين التونسيين بات أمرا مزعجا للكثيرين في النداء وخارج النداء، وبات واضحا أن المحاسبة ان امتدت لتشمل مسؤولين سابقين في حكومة الترويكا سترفع الحصانة عن الكثيرين.

سيكون من السابق لاوانه استخلاص أبعاد حوار زعيم حركة النهضة الذي ألهب المواقع الاجتماعية في الوقت الذي كانت مناطق كثيرة في البلاد وتحديدا في الشمال الغربي تشهد حرائق غابية أتت على كل شيء وفاقمت معاناة الأهالي الذين يعيشون شظف العيش بعد أن فقدوا ممتلكاتهم القليلة من بيوت كانت تأويهم أو مواشي يعيشون بفضلها.

حتى الان لم يعلن الرئيس الباجي قائد السبسي الذي بلغ منتصف ولايته عن نيته رسميا الترشح لولاية ثانية وان كان بعض الندائيين بدأوا يسوقون لذلك متجاهلين تقدم الرجل في السن وتفاقم الأعباء والصراعات داخل النداء. وقد كان حريصا على التأكيد عبر بيان رسمي على أنه لم يكن على اطلاع على تصريحات راشد الغنوشي على قناة نسمة.

مرة أخرى يكون الفضل كل الفضل للمواقع الاجتماعية في تحويل الحوار التلفزي لهذا الموسم الذي أجرته قناة نسمة مع زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي الى جدل مفتوح بسبب المظهر أو اللوك الجديد الذي ظهر به ولأول مرة في حياته بعد أن تأنق وقبل أن يضع ربطة العنق مع البدلة الزرقاء اللامعة وهو يدلي بالحديث الذي يسجل قبل يومين من ذكرى ميلاد الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة في الثالث من أغسطس ولا ندري ان كان التوقيت تم اختياره لاعتبارات مرتبطة بالاهداف من هذا اللقاء. فالارجح أنه لا مكان للصدفة عندما يتعلق الامر بالحروب السياسية وسباق الانتخابات المبكرة الى قرطاج التي يفترض أن تنتظم في 2019.

ليس من الواضح أيضا أي حشرة لدغت الشيخ ليعمد الى وضع ربطة العنق في الصيف القائظ ويتحمل بلاءها ولكن كل شيء يهون بما في ذلك المبادئ عندما يتعلق الامر بالسلطة واغراءاتها.

عموما وللشهادة فان ظهور الغنوشي بربطة العنق للمرة الأولى لم يكن خلال ظهوره على قناة نسمة ولكن كان قبل ذلك بيومين وتحديدا خلال حضور زعيم حركة النهضة احتفالات المغرب بعيد العرش وكان يبدو مزهوا وهو يقف الى جانب سفيرة المغرب يومها في مقر الإقامة الجديد في ضاحية قمرت بربطة العنق الزرقاء ليتنافس المصورون في التقاط صوره ونشرها على المواقع الاجتماعية وهو ما اثار جدلا كبيرا على المواقع الاجتماعية التي سجلت ردود أفعال متباينة بين ساخر ومرحب ومستنكر للمظهر الجديد للشيخ الذي اعتبر الكثيرون ان في ذلك إشارة واضحة بشأن طموحات الرجل وربما سعيه للدخول على الخط في الانتخابات الرئاسية القادمة وربما لمنافسة الرئيس الحالي الباجي قائد السبسي.

الاهم من ربطة العنق في تقديري هو حرص زعيم حركة النهضة في حواره على الحديث بلسان تونسي براغماتي في القضايا للتي تطرق لها من قضايا اجتماعية وأزمات اقتصادية وتفشٍ للبطالة وتفاقم للديون واستماتة في الدفاع عن إمكانيات الدولة المحدودة وعدم القدرة على توفير الوظائف في الوظيفة العمومية. وبدا في بعض الأوقات وكأن الرجل يسعى لطمس والغاء تصريحات سابقة له عن السلفيين الذين يذكرونه بشبابه وعن الامن والجيش والاعلام غير المضمون وعن الإسلام الغاضب وغيرها من التصريحات التي صدمت الكثير من التونسيين في حينها والتي يبدو أن زعيم حركة النهضة أدرك وبعد اكثر من ست سنوات على الثورة ومنذ عودته الى تونس أنها لم تشكل الخطاب المطلوب الذي يتطلع له التونسيون لبناء الدولة الديموقراطية الحداثية التي وضع بورقيبة أسسها بعد الاستقلال قبل أن تحيد عن مسارها وتفقد البوصلة ويتلاشى حلم جيل دولة الاستقلال بسبب اغراءات السلطة ولكن أيضا بسبب بطانة السوء التي لا يمكن أن تسعى لخير البلاد بعد أن أعمت بصيرتها الاطماع.

لسنا قريبين من نهاية المطاف لا ندري ان كان من سوء حظ الغنوشي أومن سوء تقدير مستشاريه أن يجري الحوار على قناة نسمة عشية ذكرى ميلاد الزعيم الراحل الحبيب بورقيبة الذي يؤكد بعد سبعة عشر عاما على رحيله انه لا يزال يتمتع بموقع مهم لدى شريحة مهمة من التونسيين وحتى بين أعداءه ومنافسيه الذين يشهدون بحكمته وقدرته على جمع التونسيين من حوله في الأوقات العصيبة ليسجل بذلك اسمه ضمن قائمة عظماء عصره الذين عايشهم من سنغور الى نهرو وعبدالناصر وبن بلة ومانديلا الذين لم تمنعهم أخطاؤهم وزلاتهم من دخول التاريخ من بابه الكبير.

من الواضح أن الغنوشي الذي تجاوز السبعين لا يزال أمامه الكثيران كان يسعى لجمع التونسيين من حوله والأكيد أن ربطة العنق مهما كانت الماركة المسجلة عليها لن تمنحه هذه الهدية، و لعله أدرك من خلال تباين ردود الفعل أن التونسي اليوم يعيش قطيعة مع النخب السياسية التي خيبت اماله مرارا ودفعت بالبلاد الى ما هي عليه من انهيار اقتصادي وافلاس وضياع بعد أن غابت الوطنية وحلت محلها عقلية الغنيمة التي تتحكم في الأحزاب الحاكمة.

تونس اليوم منهكة بسبب كثرة الديون التي أثقلت البلاد والعباد ونهاية النفق لا تبدو قريبة مع ذلك يمنح شركاء الحكم في البلاد أنفسهم ترف الاستهزاء بالرأي العام وكشف ما بأنفسهم من لهفة وطمع على السلطة وكأنهم لا ينتمون لهذه البلاد ولا يدركون ما حل بها من ماسي ومن تراجع وتخلف بعد سنوات حكم الترويكا التي تطلع التونسيون معها للبناء على أسس الثورة والقطع مع الفساد والظلم فوجدوا انفسهم يغرقون في الفقر والتردي وتمكن الفاسدين في البلاد.

يقال أن الحظيظ لا قاع له والمثل اليوم ينطبق على بلادنا والحظيظ الذي يمس مهد الثورة اليوم تملك بالعقول التي فقدت صوابها فغلبت مصالحها الذاتية الضيقة على مصالح البلاد التي تفاقمت معاناة أهلها بسبب صناع القرار فيها. وقد فاقم الامر ما بلغه حال نداء تونس الذي فاز بالانتخابات التشريعية والرئاسية في 2014 والذي بات اليوم متفرعا الى ثلاثة أحزاب بين نداء تونس ومشروع تونس وتونس أولا التي تروي اليوم حكايات قيادات ونخب جمعتها الدكتاتورية فتوحدت ضد ظلم بن علي وفرقتها الديموقراطية.

ألم نقل ان الحضيض لا قاع له وبتنا نبحث عن خلاص تونس في ربطة عنق الشيخ الباحث عن تونسيته المفقودة في خطاب لم يقنع غير صاحبه وفئة من أتباعه وليس كل أتباعه الغاضبين من انقلاب النهضة على نفسها.