'ثعلب ثعلب' من منظور النقد البيئي
تقدّم رواية "ثعلب.. ثعلب" لأحمد فضل شبلول نموذجًا سرديًا فريدًا للرواية العربية المعاصرة، يقوم هذا النموذج على تداخل مجموعة من العوالم (عالم الإنسان، عالم الحيوان، عالم البحر، وعالم الأسطورة)، ومن ثم يمكن قراءة الرواية من منظور النقد البيئي بوصفها نصًا إيكولوجيًا يشتغل على الحدود الملتبسة بين الكائنات المختلفة، ويعيد تشكيل علاقة الإنسان بالطبيعة من حوله (الأرض – البحر)، كما يطرح رؤى حول التغيّر البيئي والتحوّل الحضاري في المدينة، خاصة مدينة الإسكندرية التي شكّلت فضاءً طبيعيًا وثقافيًا وفق ما تكشف عنه أحداث الرواية.
ينشغل النقد البيئي بدراسة تمثُّلات البيئة والطبيعة في النصوص، ويكشف طبيعة العلاقة بين الإنسان والمكان (البيئة)، ويحلّل كيف يشتغل النص على مفاهيم مثل: (المكان، الحيوان، المناخ، التحوّل البيولوجي، الخطاب الأسطوري البيئي)، وغيرها من العناصر التي تسهم في إثارة التفاعل الإيجابي الحادث بين الإنسان والبيئة المحيطة به.
تحاول الدراسة الوقوف على البنية العميقة للنص، الذي يكشف عن طبيعة تشكّلات العلاقة بين الإنسان والطبيعة في عصر ما بعد الحداثة، وذلك من خلال أربعة محاور رئيسة:
أولًا: البيئة الساحلية بوصفها موطنًا للهوية:
تظهر البيئة الساحلية منذ الوهلة الأولى في الرواية، وتأتي بوصفها شرطًا لحياة البطلة هدى وزوجها عمر، وفي أعقاب إخفاق الزوج في تجربته السينمائية الثانية، حرصت الأسرة على أن تكون إلى جوار البحر، فانتقلت من مسكنها الفخم في (الفورسيزون) إلى شقة متواضعة تطل على البحر أيضًا، وهو ما يشير إلى أن الأسرة ترفض الابتعاد عن البحر؛ لأن نظرتهم إليه تتجاوز دلالة مشاهدة منظر طبيعي بديع، إلى أن يصبح بنية وجودية في حياتهم، ويتحوّل المكان إلى فضاءٍ معرفيٍّ تتشكّل من خلاله بنية الشخصيات داخل العمل، في ظل الصراع القائم بين الكائنات الأرضية والكائنات البحرية.
تفتح البطلة النافذة كل فجر أملًا ورغبة في استنشاق اليود، ويشير هذا إلى علاقة حسّية مباشرة مع البيئة الطبيعية، علاقة لا تمرّ عبر اللغة فقط، بل عبر (الحواس) التي تشكّل محورًا في الرواية كلها. هنا تُعاد صياغة الجسد ضمن محيطه الطبيعي؛ فالبحر بمكوّناته (الرائحة، والهواء، والملوحة، والضوء) يؤثّر في بناء الشخصية، بينما تمثّل المدينة – بشوارعها وضجيجها ومساكنها – فضاءً خانقًا مغلقًا. وبين هذا البحر وتلك المدينة تتحرّك الشخصية في ثنائية بيئية واضحة:
البحر: دالّ رمزي يشير إلى الحرية والانبعاث والشفاء.
المدينة: دالّ رمزي يشير إلى القلق، والعطب، والاختناق.
تحمل هذه الثنائية حمولات دلالية بيئية مباشرة، إذ يصبح البحر كائنًا حيًا يتنفّس، ويتفاعل، ويتلوّن، ويكتسب روائح مختلفة بحسب حركة الطحالب والملوحة وتحلّل الكائنات البحرية. بالإضافة إلى ذلك، يطلّ علينا بوصفه مرآة تعكس حالة روّاده، الذين اتخذوا منه رفيقًا وخليلًا؛ حيث تقوم البطلة بتجربة تحليل رائحة البحر، لتحاول فهم مكوّناته الكيميائية، في إشارة إلى رغبتها في قراءة الطبيعة بلغة العلم لا بلغة الخرافة، وهو ما يُدخل النص في إطار ما يمكن تسميته بالإيكولوجيا الثقافية التي تحتفي بالطبيعة بوصفها موضوعًا للمعرفة.
ثانيًا: المكان بوصفه كائنًا حيًا (البحر والبئر والمدينة):
ترتكز الرواية على ثلاثة أمكنة رئيسية:
1. البحر
يمثّل البحر في الرواية كائنًا حيًا يتنفّس، ويرسل روائح، ويغيّر ألوانه؛ فلم يكن البحر خلفيةً لأحداث الرواية، بل قوّة فاعلة ومحركة للأحداث، خاصة أنه الموطن الأصلي للكائنات البحرية وزعيمتها (أمّ الماء)، التي تقود صراعًا مع الكائن البري (الثعلب/الوزير). ويحمل البحر دلالة البيئة السائلة التي تتلاشى معها حدود الإنسان، لأنها قادرة على إعادة تشكيل وعيه وبناء شخصيته، وهذا ما يفسّر حالة الانجذاب الغامضة التي أوقعت البطلة فريسة سهلة في يد الثعلب.
2. بئر مسعود
يُعدّ البئر فضاءً أسطوريًا بيئيًا بامتياز، حيث يجمع بين الماء، والأسطورة، والظلام، والكائنات المجهولة؛ لذلك يمكن القول إن توظيف المؤلف لهذا البئر كان بقصد استدعاء دلالته الأسطورية وأبعادها الثقافية، فجاء البئر هنا بوصفه دالًا معرفيًا يشير إلى دلالات رمزية أكثر اتساعًا، تمثّلت في بعض الثنائيات: (السطح/القاع)، (الضوء/الظلام)، (المرئي/اللامرئي).
3. المدينة
لقد حدّدت الإسكندرية هويتها وفق تراثها الثقافي والمعرفي، ما جعلها تتجاوز النظر إليها على أنها مجرد مدينة ساحلية، بل هي في واقع الأمر بيئة مركّبة تستوعب عددًا لا محدود من المكوّنات الإيكولوجية، منها التاريخي، والساحلي، والحضري، وغيرها من العناصر التي تعكس المتغيّرات التي قد تهدّد نظامها الداخلي. إلا أنها تبقى قادرة على الصمود عبر التاريخ، وهو ما أكّدت عليه الرواية في حفاظ المدينة على مقدّراتها، وانتصار الكائنات البحرية والسمكة المنشار التي تقود جيوش البحار.
الرواية كشفت عن قدرة السرد على إعادة تأطير علاقة الإنسان بالطبيعة في زمن يتعرّض فيه العالم لأزمات بيئية متفاقمة
ثالثًا: إعادة تشكيل بنية الحيوان في الرواية العربية:
يلعب الثعلب دورًا محوريًا في البناء الدلالي لرواية "ثعلب.. ثعلب"، ويتجاوز كونه حيوانًا داخل الحكاية ليمثّل نسقًا رمزيًا وثقافيًا يعكس طبيعة الشخصية وتحولات المجتمع؛ حيث يقدّمه المؤلف بوصفه كائنًا بيئيًا حقيقيًا، له سلوكيات بعينها وقدرات خارقة، وله ارتباط بالبحر يحمل تاريخًا طبيعيًا وتطوريًا. فالرواية، إذن، تعيد تشكيل بنية الحيوان على مستويات متعددة:
1. الثعلب بوصفه جزءًا من النظام البيئي للمدينة الساحلية:
تُظهِر أحداث الرواية ثعلبًا يعيش في الإسكندرية، يمرّ كل صباح أمام العمارة، وترافقه أربعة كلاب. وهنا يقدّم النص صورة مبتكرة للحيوان البري، ويقدّمه في صورة حيوان حضري، وهو ما يثير تساؤلًا ذا دلالة: هل أصبح من غير الممكن فصل الحيوان البري عن المدينة؟ فالثعلب هنا يأتي في صورة كائن متكيّف مع التحولات الحضرية، قادر على العبور بين المدينة والطبيعة، وبين البشر والحيوانات، وهو بذلك يتجاوز الصورة التقليدية للحيوان بوصفه مخلوقًا خارج إطار الجنس البشري، إلى تقديمه في صورة إنسان يتخفّى في صورة ثعلب.
2. الثعلب بوصفه ذاتًا لا موضوعًا:
ينشغل النقد البيئي المعاصر بما يُسمّى بـPost-Human Animal Studies / دراسات ما بعد الإنسانية والحيوانية، وهي دراسات تُعنى بإعادة تشكيل بنية الحيوان، أي تحويله من دلالته التقليدية بوصفه كائنًا يقبع في مرتبة متدنية في مقابل الإنسان، إلى تقديمه بوصفه ذاتًا فاعلة. فالثعلب، وفق أحداث الرواية، يراقب، ويبتسم، ويحادث البطلة ويقودها، وما من شكّ في أن هذه الأنسنة تتجاوز كونها تشخيصًا إلى أن تصبح محاولة لإعادة صياغة موقع الثعلب ضمن النظام البيئي.
3. الثعلب من الحيوان إلى العلامة البيئية:
يُعدّ الثعلب رمزًا للرائحة والحضور الخفي، وهو بمثابة نموذج للعلاقة الغامضة بين الطبيعة والإنسان؛ فوجوده الدائم بالقرب من البحر يثير تساؤلًا ملحًّا عن مدى ارتباط هذا الكائن البري بالبيئة المائية، فضلًا عن دخوله إلى (بئر مسعود)، الأمر الذي يربطه بالأسطورة المكانية، وكأنه قد صار وسيطًا بين البشر وقوى المكان الخفية.
رابعًا: الرائحة بوصفها خطابًا بيئيًا (إيكولوجيا الحواس):
يمكننا وصف الرواية بأنها رواية رائحة؛ فلم يقتصر توظيف الرائحة على كونها مجرد تفصيلة حسّية، بل بوصفها بنية سردية كاملة، تربط بين الإنسان والحيوان والبحر والهواء والمكان.
1. الرائحة هوية بيئية:
تحدّد الرائحة مسار الأحداث، وهو ما تتأثّر به بنية الشخصية الرئيسة في الرواية، ويشكّل خطّ صعودها وهبوطها. والرائحة هنا ليست عطرًا، بل هي بصمة بيولوجية للكائنات، ونظام تواصل غير لغوي بين الكائنات الحية. وهذا ما يتجلّى في أحداث الصراع داخل الرواية؛ فرائحة البحر تحدّد مزاج البطلة، ورائحة الثعلب تُعيد تكوين وعيها وإدراكها للحياة من حولها.
2. تداخل الحواس والطبيعة في الرواية:
إن أحد أهم مظاهر النقد البيئي في هذه الرواية هو ما أطلق عليه المؤلف "الشمّ المرئي"، حيث تظهر الألوان على جسد (عمر) بسبب تفاعل الأبخرة والرطوبة والعطور والبخور والملوحة. ويضع هذا المشهد الطبيعة والبيئة في علاقة مباشرة بالجسد، وتتحوّل الحاسّة إلى مدخل لاكتشاف الحقيقة في عالم ملتبس يهيمن عليه الخداع والمراوغة، وهو ما يُعدّ مثالًا قويًا على الإيكولوجيا الحسيّة التي تُعنى بدراسة كيفية تشكُّل الحواس داخل المحيط البيئي للكائن.
3. الرائحة قوة سياسية/اجتماعية:
استطاع المؤلف أن يتّخذ من رائحة البيئة دوالّ رمزية تحيل إلى دلالات معنوية واجتماعية؛ فجاءت رائحة البحر لتشير إلى حالة الانسجام، ورائحة الفاكهة المعطوبة تشير إلى حالة الانهيار النفسي، وطغت على رائحة الثعلب دلالة الجاذبية والحيوية. وهنا تتحوّل الرائحة إلى خطاب بيئي دالّ يحيل إلى التحوّلات النفسية والمناخ الداخلي للشخصيات.
خاتمة
استطاعت رواية "ثعلب.. ثعلب" للأديب أحمد فضل شبلول الإجابة عن سؤال وجودي يفرض نفسه بشدّة: كيف يمكن للإنسان أن يعيش في انسجام مع عالم الطبيعة؟ وأكّدت أن فهم البيئة لا يكون من خلال السيطرة عليها، بل من خلال الإصغاء العميق لكائناتها، حتى تلك التي يظلمها التراث الشعبي مثل الثعالب. فالحياة لا تنبع من الإنسان وحده، بل من شبكة معقّدة من الكائنات التي نتشارك معها الأرض والهواء والبحر والرائحة.
كشفت الرواية عن قدرة السرد على إعادة تأطير علاقة الإنسان بالطبيعة في زمن يتعرّض فيه العالم لأزمات بيئية متفاقمة؛ فالرواية ليست عن ثعلب وامرأة وبحر فحسب، بل ناقشت مجموعة من القضايا الحيوية، منها: (انهيار الإنسان داخل بيئته، عجز المدينة عن احتواء الطبيعة، العودة إلى الماء بوصفه مصدرًا للشفاء، إعادة تشكيل بنية الحيوان في الثقافة العربية). واستطاع الكاتب استغلال المكان بمفرداته في صياغة تلك القضايا، وتحولت الأماكن الأسطورية مثل بئر مسعود إلى ساحة للصراع واستحضار شخصيات من الماضي والحاضر للدفاع عن المكان، وبذلك تحوّلت الإسكندرية إلى معادل رمزي للوطن يتوجّب الدفاع عنه.