ثلاثون مروية في مديح التناغم الصيني المصري
ثلاثون مروية بأقلام كتاب وأدباء وأكاديميين مصريين يقدمون رؤاهم وأفكارهم فيما أنجزته الصين من تقدم هائل على مختلف المستويات السياسية والاقتصادية والعلمية والثقافية والاجتماعية، حيث تقف الآن على قدم المساواة مع الدول الكبرى بل تفوق هذه الدول في طموحاتها المستقبلية.
هذه المرويات ضمها كتاب "أنا والصين – في مديح التناغم" الصادر عن مؤسسة بيت الحكمة، وحرره وقدم له الشاعر والاعلامي أحمد المريخي، وهو يأتي كثمرة من ثمار الدورة الأولى لمسابقة "أنا والصين"؛ التي أطلقها المركز الثقافي الصيني بالسفارة الصينية بالقاهرة بالتعاون مع مجلة "الصين اليوم" ومجلة "الإذاعة والتلفزيون" المصرية - في مناسبة الاحتفال بمرور 62 عاما على تأسيس العلاقات الدبلوماسية بين مصر والصين - لدعم ذلك التواصل الممتد عبر القوة الناعمة.
ضم الكتاب ثلاث كلمات افتتاحية لكل من شي يويه ون مستشار المركز الثقافي الصيني بالقاهرة، والكاتب الصحفي خالد حنفي رئيس تحرير مجلة الإذاعة والتليفزيون، والكاتب حسين إسماعيل نائب رئيس تحرير الطبعة العربية من مجلة الصين اليوم. ومن بين كتاب مروياته: د. أحمد ظريف ضيف مدرس اللغة الصينية بكلية الألسن بجامعة المنيا، والكاتب الصحفي هاني عسل، والكاتبة الصحفية جيهان الغرباوي، ود. الصاوي الصاوي أحمد أستاذ الفلسفة بجامعة بنها، والناقد التشكيلي د. سامي البلشي، والكاتب الصحفي الناقد سمير الجمل.
وأكد أحمد المريخي أن المرويات التي ضمها الكتاب تمثل جانبا مهمًّا من نظرة المصريين لـ"الصين" في رؤية واقعية عميقة، بناها أصحابها بوعي ومن خلال تجارب حية؛ سواء على مستوى التعايش المباشر عبر المشاهدات الواقعية خلال الزيارات والرحلات أو الإقامة من أجل الدراسة أو لإنجاز مهام تدعم التعاون المشترك في مجالات متنوعة، وكذلك على مستوى التعايش غير المباشر "التأملي"؛ حيث التطلع نحو الصين عبر الحلم والخيال.
وأوضح أن للتاريخ وجهين؛ وجه ينظر إلى الماضي، وآخر يتطلع إلى المستقبل.. والماضي في تعريفه البسيط هو كل ما حدث قبل تلك اللحظة، ما مضى منذ أيام أو عقود أو قرون، وفي مفهومه الحضاري هو ما تراكم عبر الزمن وبات من "النص الحضاري"؛ فالتاريخ هو الحضارة في أحد معانيه؛ "لا يحكى ما حدث في الماضي فحسب، إنما يفسره بأن يقدم لنا أسباب الظواهر الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، ما يساعدنا على تجنب تكرار الأخطاء"، ومن ثم يستمد منه أصحاب الوعي والهمم إلهامهم، ويوظفونه للإسهام في مَوْضَعَة الإنسان في الحاضر والمستقبل. وإذا نظرنا إلى تجربة الصين في هذا الإطار سوف نلمس بجلاء فرادة ما حدث؛ إذ كيف استطاعت دولة يزيد عدد سكانها عن 1.3 مليار نسمة أن تحقق كل هذا التقدم في مجالات عدة وخلال زمن قياسي في عمر الدول؟ لقد تغلبت في العقود القليلة الماضية على تحديات الداخل والخارج، وحققت معجزة اقتصادية يشهد لها القاصي والداني.
بوابة "نظرة خاصة" فتكشف عن روابط الشعبين عبر الفنون المتنوعة؛ الصناعات الفنية، والفن التشكيلي والسينما والمسرح
وأشار المريخي إلى أن ما حدث في الصين لم يكن وليد الصدفة، بل جاء وفقا لمراجعات عميقة وتخطيط متقن وعمل دؤوب؛ فـ "صين الماضي أنهت عقد السبعينيات وهي تحمل على كاهلها ذكريات مرة، وبدأت طريق الإصلاح والانفتاح في العام 1978، مع قيادة دينغ شياو بينغ لمصير التنين الصيني؛ وخلال ثلاثة عقود تالية حدثت عملية الإصلاح والتحديث باعتماد العلم والتكنولوجيا كقوى إنتاجية، والممارسة كمعيار وحيد لاختبار الحقيقة، مرورًا ببناء الاشتراكية ذات الخصائص الصينية". ثم كانت مرحلة العمل على تطويرها واستيعاب جوهرها الروحي ومضامينها، وصولا إلى تحقق تفوق الصين كقوة عظمى، وبروز بواكير إسهامها في تشكيل مستقبل عقل العالم خلال القرن الجديد؛ إذ أعلنت مؤخرًا عن وصولها إلى الجانب المظلم أو المجهول من القمر، وإذا كان كل ما حدث هو امتداد لتطبيق "مفهوم القيم التجريبية في العمل" وانتصار له، فإن ما تحقق لهو دليل على القدرات الإنسانية لمواطني جمهورية الصين الشعبية.
ولفت المريخي إلى ما ذكر المؤرخ د.قاسم عبد قاسم حين قال "إذا كان الإنسان في كل زمان ومكان يتوسل بالتاريخ لفهم كينونته الحضارية، فإن التجربة تكشف بشكل خاص عن أن لكل جزء في الحياة الإنسانية على مرّ التاريخ خصائصه الداخلية التي تجعلنا نقول إن هذا تاريخ الصين، أو تاريخ مصر، أو غيرهما، وعلى الرغم من التباين والاختلاف فإن هناك تاريخًا واحدًا يجمع الجنس البشرى، وهناك حضارة إنسانية واحدة تزداد خصائصها العامة والمشتركة مع مرور الزمان".
وأضاف "إذا ما نظرنا إلى العلاقات التاريخية بين مصر والصين من هذه الزاوية سوف نرى ذلك متحققا على وجه مثالي، وقد عبَّرت عنه بوضوح بعض محكيات هذا الكتاب، بينما كشفت أخرى عن زاوية نظر ناقدة وجديرة بالعناية؛ فرغم أن المشهد العربي حول الصين انفتح في زمن بعيد؛ عبر طريق الحرير، ثم رسخت عبر قرون مقولة "اطلبوا العلم ولو في الصين"، إلا أنها ظلت للأسف مفارقة لهدفها، الذي هو طلب العلم، وما يزيد الأسف أن غالبية من تناقلوها في التاريخ المعاصر لم يقفوا عليها إلا كدليل على البعد، فباتت المقولة في ذهن العامة بالبلدان العربية - خصوصًا مصر- معبرة فقط عن كون الصين أبعد بلاد الله عنا نحن المصريين، رغم ما بيننا من تماثلات وتناصات حضارية".
ورأى المريخي أن ما يجذب الانتباه حقيقة أن حصان الخيال قد يقود إلى الواقع؛ فمن يطمح للجمال يسعى إليه، وقد يحققه ولو عن طريق الصدفة؛ مع الإشارة إلى أن الصدفة لا تأتي إلا لمن يستحقها، وهو ما تكشفه بعض الشهادات الخاصة في متن هذا الكتاب الحافل بسرود أو محكيات متنوعة لنخبة من "المحبين"، ولا أقول متسابقين شاركوا من أجل الفوز في مسابقة؛ فمنهم أدباء ومترجمون وصحفيون وأكاديميون وكُتَّاب محترفون وهواة أيضًا، وقد حفلت أساليبهم بكل ما هو شائق وممتع وجديد، وكشفت سرودهم عن مفارقات ما كان لهم ومنهم قبل زيارة الصين وبعدها، كما عبَّر عدد منها عن رؤيتهم للصين البعيدة وكيف تفاعلوا معها عبر وسائل الاتصال التقليدية والحديثة أيضًا؛ كيف وصلوا إليها عبر الرسائل البريدية أو عبر أثير إذاعة بكين أو من خلال شبكة الانترنت، فضلا عن التواصل الثقافي والفني عبر فعاليات وأنشطة المركز الثقافي الصيني في القاهرة، وكشفوا كيف توصلوا بعد ذلك بأنفسهم وبفضل الاحتكاك المباشر بالواقع الصيني إلى الصحيح والمغشوش فيما تصدره كثير من وسائل الإعلام الغربي عن الصين، وفرزوا الدعاية المغرضة التي تقصد التشويش على الحقائق.
وأكد أن الجميل حقا أن كثيرين ممن حلموا بالصين أو سعوا لزيارتها تحقق لهم ذلك، ومع الزيارة تبدَّدت الصورة الذهنية الرائجة عن البلاد البعيدة، فلا عوائق لغوية ولا تناقضات ولا خلافات؛ لا شك هناك اختلافات ثقافية وفروق اجتماعية وأداءات متباينة، لكن هناك التناغم. ومن ثم يحمل هذا الكتاب بين طياته روح التناغم، فهو ليس كتابًا في تخصص بعينه؛ تاريخ أو جغرافيا أو اقتصاد أو سياسة، أو سياحة أو ثقافة، أو غير ذلك من المجالات التخصصية، لكنه في الوقت نفسه لا يخلو منها، فسروده تنهل من العلوم الإنسانية كافة، وتمزج بين فروعها في هارموني أدبي ممتع؛ آثرت أن أطلق عليه "أنا والصين - في مديح التناغم"؛ فهو فضلا عن كونه يُعظِّم من قدرة المجتمع الصيني، يعبر أيضًا - دون مواربة - عن تقدير قيمة الإنسان في كل مكان، وكذا قدرته على تعمير الأرض وإشاعة السلام في ربوعها.
وحول تجربته في تحرير المرويات قال المريخي: حرصت في تحريره أن تكوِّن محكياتُه جسدًا متكاملا، فلم ألتزم بترتيب المواد حسب تسلسلها في قائمة ترتيب الجوائز، لكن وفقًا لتناغم مضامينها، وبعد الفحص رأيت تقسيمها إلى بوابات سبع؛ كل بوابة تسلِّم إلى ما تليها، وجعلت لكل بوابة عنوانًا عاما يشي بروح تناغم مضامينها.
وتابع: بدأتها ببوابة "نظرات ورؤى": نظرًا لتماسها المباشر مع مناسبة الدورة الأولى من المسابقة؛ "الاحتفال بمرور 62 عاما على تأسيس العلاقات الدبلوماسية بين مصر والصين"، وفيها رصد وقراءات للعلاقات التاريخية والدبلوماسية بين البلدين، فضلا عن مقاربات حول العلاقات التنموية والسياسية والمؤسساتية، وكذلك دلالة البروتوكولات المتبادلة التي تم توقيعها في مجالات شتى خلال السنوات القليلة الماضية.
ـ بوابة "جولة حرة" بمثابة السياحة العميقة الفاتنة في الداخل الصيني؛ بما يؤكد توافق الإنسان والطبيعة، وكذلك التناغم بين الأديان والأعراق المختلفة، وتكشف زيف ما يروجه الإعلام الغربي عن اضطهاد بعض القوميات هناك، فالنظرة المقربة تشير إلى أن الصين - صاحبة الـ 56 قومية - استطاعت الحفاظ على نسيجها متماسكا وبراقا دون تمييز، وذلك عن طريق "صيننة" كل شيء في ثقافتها؛ من الأديان إلى الفنون.
ـ بوابة "جسر الوجدان" تحفل بحكايا أدبية مدهشة تعبر عن روح حضارة الشعبين؛ المصري والصيني، حيث التسامح والضيافة والتبادل الثقافي.
ـ بوابة "اطلبوا العلم" تأتي كمعايشة واقعية لدارسين وأكاديميين، وسوف نلاحظ في عدد من محكياتها بروز أداءات لغوية خاصة؛ متأثرة باندماج مستخدميها في المجتمع الصيني، وغرضها توصيل المقصد على مستوى السطح، ويمكن أن نطلق عليها (اللغة المكسَّرة السليمة)، فرغم أن تراكيبها غير منضبطة، إلا أنها سليمة لغويا، وتصنع إيقاعاتها جمالا ما؛ ربما بسبب الغرابة والطرافة، لكن الأمر يشير أيضًا إلى عملية التأثير والتأثر، وفكرة "صَيْنَنَة اللغة العربية" هناك.
ـ بوابة "القاهرة بكين- رايح جاي" امتداد للتعايش والتعاون المتبادل، وانعكاس لمآثر الضيافة بين المصريين والصينيين، أما بوابة "نظرة خاصة" فتكشف عن روابط الشعبين عبر الفنون المتنوعة؛ الصناعات الفنية، والفن التشكيلي والسينما والمسرح.
وأخيرًا "ابتسامة"؛ "الفطيرة المقلية" تمثيلية إذاعية فكاهية للكاتب الساخر سمير الجمل.