ثورة طبية تبشّر بانهاء أزمة الأعضاء الصالحة للزراعة
طوكيو ـ ظل زرع الأعضاء لعقود طويلة الخيار الوحيد أمام المرضى الذين تنهار أجسادهم من الداخل، غير أن هذا الخيار يعاني من قيد واحد لا حل ل، مهو أن البشر لا يتبرعون بأعضائهم بالقدر الكافي، وكل عام يموت الآلاف وهم ينتظرون كبدا أو كلية لم تأتِ.
هنا بالضبط تبدأ قصة البروفيسور تاكيبي، الطبيب الذي رفض قبول هذا الواقع.
ولم يختر تاكيبي الطب صدفة، فحين كان في الصف الثالث الابتدائي، أُصيب والده بنزيف دماغي حاد، وظل لأسابيع بين الحياة والموت. تعلّم الطفل الصغير آنذاك معنى الخوف، ومعنى الانتظار، ومعنى أن تجلس عاجزا أمام شخص تحبه.
وحين نجا الأب ثم تعافى وعاد إلى حياته الطبيعية، ترسّخ في ذهن الابن يقين واحد وهو أن وظيفة الطب هي، إنقاذ الأرواح، لا الاختيار بين من يعيش ومن يموت.
والتحق بكلية الطب في جامعة مدينة يوكوهاما، وكان هدفه واضحا، منذ البداية، وهو أن يصبح جراحا متخصصا في زراعة الكبد، لكن الواقع خيّب ظنه، بعد أن رأى بعينه كيف يموت مريض قريب منه بعد أشهر قليلة من عملية زرع ناجحة، وأدرك أن الأزمة الحقيقية ليست في الجراحة بل في شُح الأعضاء المتاحة أصلا.
وقال تاكيبي لاحقا لعقود طويلة، "كنت أشعر أن الطبيب لا يُعالج المرض، بل يختار من يستحق البقاء"، وهذا الإحساس المرير هو ما دفعه نحو مسار مختلف كلياً: تخليق الأعضاء في لعقود طويلة، المختبر.
وكان المفتاح الذي فتح أمام تاكيبي باب البحث هو اكتشاف علمي ثوري يُعرف بـ'الخلايا الجذعية المستحثة متعددة القدرات' أو اختصارا 'آي بي إس' . ببساطة، هي خلايا عادية من الجلد أو الدم يُعاد برمجتها وراثيا لتتصرف كما لو كانت في بداياتها الجنينية، قادرة على التحول إلى أي نوع من خلايا الجسم.
وحين تُزرع هذه الخلايا في بيئة مناسبة، تتنظم من تلقاء نفسها وتُشكّل أنسجة ثلاثية الأبعاد تحاكي بنية الأعضاء الحقيقية. يُطلق العلماء على هذه التركيبات الدقيقة اسم "أورغانويدات"، أي أعضاء مصغرة.
وفي عام 2013، وبعد عامين فقط من تخرجه من الكلية، نجح تاكيبي في إنجاز لفت إليه الأنظار من كل حدب وصوب. وجمع بين ثلاثة أنواع من الخلايا المستمدة من تقنية 'آي بي إس': خلايا كبدية، وخلايا أوعية دموية، وخلايا نسيج رابط، فنتج عن ذلك تركيب دقيق أسماه "برعماً كبدياً"، يشبه في بنيته كبد الجنين في أولى مراحل تكوّنه.
وكانت الخطوة التالية الأجرأ، زرع هذا البرعم الذي لا يتجاوز حجمه أربعة ملليمترات داخل فئران تعاني من فشل كبدي حاد. وفاقت النتيجة التوقعات؛ البرعم نما، وطوّر شبكة أوعية دموية خاصة به، وبدأ يؤدي جزءاً من وظائف الكبد، وارتفعت معدلات نجاة الفئران بشكل لافت. ونُشرت هذه النتائج في مجلة 'نيتشر' العلمية الشهيرة وأحدثت ضجة واسعة في الأوساط البحثية.
ولم يكتف تاكيبي بما حقق، إذ تقوم فلسفته البحثية على فكرة جوهرية: الكبد لا يعمل وحده. هو جزء من منظومة متكاملة تشمل القناة الصفراوية والبنكرياس والأمعاء، وكل هذه الأعضاء تؤثر ببعضها وتعتمد على بعضها.
وفي عام 2019، نجح فريقه في تخليق 'أعضاء مصغرة متعددة' تضم الكبد والقناة الصفراوية والبنكرياس مترابطةً معا. وفي عام 2025، ذهبوا أبعد من ذلك حين أنتجوا أورغانويدا كبديا يمتلك تنوعاً خلوياً يشبه الكبد البشري الحقيقي، مع خلايا مخصصة لتفكيك العناصر الغذائية وأخرى لإنتاجها، موزعةً مكانياً كما في الكبد الطبيعي.
ويقول تاكيبي، "منهجي مختلف تماما عن المعتاد في العلوم"، "الجميع يُبسّط ويُفكّك للوصول إلى علاقات سببية واضحة، أما أنا فأُركّب وأُعقّد، لأن الجسم في الأصل معقد".
وتتقدم اليوم الأبحاث نحو تطبيق عملي قد يُغيّر وجه الطب: جهاز لتدوير الدم خارج الجسم باستخدام الأورغانويدات الكبدية. وتشبه الفكرة ما يفعله الغسيل الكلوي مع الكلى: حين تنهار وظائف الكبد فجأة، يُمرَّر دم المريض عبر خرطوشة تحتوي نحو ألف أورغانويد كبدي صغير معلّق داخل كبسولات دقيقة، تتولى مؤقتاً إزالة السموم وتنظيم التمثيل الغذائي، مانحةً الكبد المريض وقتاً للتعافي.
وفي التجارب على الجرذان، تحسّنت معدلات البقاء بوضوح. والأمل معقود على بدء التجارب السريرية على البشر في النصف الثاني من عام 2027.
وما يُثير الاهتمام أكثر أن الجهاز لا يكتفي بالتعويض المؤقت؛ تبيّن أن المواد التي تُفرزها الأورغانويدات الفتية تُحفّز الكبد المريض نفسه على التجدد والتعافي.
ويصف تاكيبي فلسفته بعبارة بسيطة، "أنا لا أصنع الحياة، أنا أُهيّئ الظروف لتصنع الحياة نفسها". ومن خلية واحدة مخصبة، يُولد إنسان كامل في تسعة أشهر. وهذا يعني أن القدرة موجودة أصلا في كل خلية، وكل ما يحتاجه الباحث هو تهيئة البيئة المناسبة.
وقال، "حين نراقب الخلايا، تظهر أحياناً مؤشرات غير متوقعة يتجاهلها معظم الباحثين لأنها خارج نطاق هدفهم. أنا أتوقف عندها وأسألها: ماذا تخبرني؟".
وأضاف، أن الطريق لا يزال طويلا، فالأورغانويدات الحالية لا تستطيع بعد محاكاة مسار تصريف العصارة الصفراوية كاملا، مما يُقيّد تطبيقها حاليا في علاج الأمراض الحادة دون المزمنة. لكن إن أمكن يوما بناء منظومة متكاملة تجمع الكبد والقناة الصفراوية والبنكرياس والاثني عشر في بنية واحدة وظيفية، فإن أمراضا مزمنة كثيرة ستجد لها علاجا لم يكن ممكناً من قبل.
وقالبكل ثقة، "إذا أعلنّا إنجازا كبيرا جديدا في القريب، فسيكون في هذا المجال تحديداً.