جرائم المليشيا الحوثية في حق الثقافة والمثقفين لا تحصى

علي البكالي يؤكد أن المشهد الثقافي في اليمن خلال خمس سنوات من الحرب دار إلى الخلف متخذاً خطاً عكسيا باتجاه القرون الوسطى.


المشهد الثقافي اليمني يبدو مخذولاً بشكل كبير منذ مطلع القرن الجديد


الظاهرة الثقافية اليمنية استحالت إلى صراعات ايديولوجية ذات أبعاد طائفية ومناطقية


المليشيا الحوثية تنظر للثقافة اليمنية والهوية والحضارة والآثار الحضارية بمنظار المغايرة والخصومة

يتمتع الكاتب والباحث علي قاسم البكالي مستشار وزارة الثقافة اليمنية برؤية ثاقبة للكثير من الأحداث التي تمر بها اليمن اليوم وما جره الانقلاب الحوثي على الشرعية من مآسي لليمنيين في الداخل والخارج، والنابعة عن دراسات تحليلية للشأن الثقافي والحضاري اليمني، حيث صدر له أخيرا عن مؤسسة أروقة للنشر والترجمة كتاب "الذات الوطنية .. دور الذات في بناء الدولة وإنجاز النهوض، اليمن الهوية والحضارة، نظرية التربية في وعي النهضة".
طرحنا على البكالي عددا من التساؤلات من بينها ما هو خاص بالمشهد الثقافي اليمني في ظل الحرب الدائرة وتوزع الأدباء والمثقفين والكتاب بين الداخل والخارج، ورؤيته للجرائم التي ارتكبت ضد الثقافة خاصة والحضارة اليمنية عامة على يد المليشيا الحوثية والأبعاد التي يمكن أن تترتب عليها مستقبلا، والدور الذي تلعبه وزارة الثقافة الآن إزاء أوضاع الأدباء والمثقفين والمفكرين اليمنيين في الخارج والداخل وغيرها. وكان هذا الحوار:
بداية أكد البكالي أن المشهد الثقافي اليمني يبدو مخذولاً بشكل كبير منذ مطلع القرن الجديد، فقد استحالت الظاهرة الثقافية اليمنية إلى صراعات ايديولوجية ذات أبعاد طائفية ومناطقية، وغلبت على الوجه الثقافي لليمن مضامين هذا الصراع التي انعكست فيه كالمرآة، وتأثرت بها شرائح الأدباء والشعراء والفنانين والكتاب والمثقفين، فيما غدا العقل الثقافي مجرد حصالة للصراعات الطائفية والايديولوجية والمناطقية، وغدا جموع المثقفين تحت ضغط الحاجة، أو ظرف الانتماء السياسي ينحازون لأقطاب التنافر السياسي مستخدمين الثقافة وأدواتها لتبرير وصناعة الوهم أسوأ استخدام، فغادرت بذلك الثقافة دورها التنويري والإجتماعي، واكتفت في أجزاء كبيرة منها بصناعة المبررات النفسية الوجدانية للصراعات والعنف والدماء والدمار، وما زاد الطين بلة أن النخب التي تصدرت المشهد السياسي طوال المرحلة السابقة كانت خاوية المحتوى هشة الفكر، ضحلة الثقافة، فعملت على ترميز غير المبدعين وغير المنتجين للفكر والثقافة والأدب، وتقديمهم للمجتمع كرموز ثقافية مصنوعة من القش، فكانت النتيجة فراغاً، اشتغلت فيه أدوات الأدلجة والطائفية العمياء، فأنتجت جيلاً لا يفكر لماذا يموت، ولكنه يعرف كيف وأين يموت، فكانت النتيجة هذا الإنفجار والحرب التي تأكل اليوم جموع الشباب كضحايا وقرابين بين يدي أصنام السلطة ودعاة التمذهب والطائفية.  

نحاول جاهدين أن نخرق جدار الصمت، ونحدث حراكاً ثقافياً يحرك جمود الواقع الأليم، ولدينا ما يشبه الرابطة الثقافية لعدد من الكتاب والأدباء

صراعات التمذهب والطائفية 
وأوضح البكالي "لو أردنا في الحقيقة وصف الواقع الثقافي اليمني اليوم لأمكننا القول بأن المشهد الثقافي في اليمن خلال خمس سنوات من الحرب دار إلى الخلف متخذاً خطاً عكسيا باتجاه القرون الوسطى، وسبب ذلك بدرجة رئيسة الحروب الحوثية التي شنتها على اليمنيين منذ مطلع القرن، انتقاماً لعلي والحسن والحسين، وانتزاعاً لحقهم المقدس في السلطة الحصرية - كما تدعي - وجل خطابها وأفكارها المهيمنة على المشهد الثقافي في مناطق سيطرتها اليوم يعيد الإنسان اليمني إلى العصور الوسطى، حيث صراعات التمذهب والطائفية، وقريش وبني هاشم، والأشراف والعرب، والقيسية واليمانية، وقد جرفت معها في هذه اللجج المظلمة عددا من الكتاب والأدباء والشعراء احترفوا التكسب، فصاروا ينتجون لها المبررات ويسوقون خرافاتها مغلفة بحلة من الفن والإبداع. وبالمقابل ثمة عدد كبير من المثقفين أدباء وكتابا لازموا الحياد في بيوتهم هروباً من الوقوع في شرك المليشيا الحوثية أو غيرها، في حين أن عددا منهم بسيط غادروا اليمن إلى مصر أو الرياض أو غيرها من العواصم، وهم الذين لا تزال دماء الإبداع تجري في عروقهم، ولهم مشاركات في الفعاليات الثقافية هنا وهناك، لكنها تمثل حالات فردية وجهود ذاتية غير منتظمة، بسبب اغتراب الحكومة الشرعية، وعدم اهتمامها بترتيب أوضاع شرائح الأدباء والمثقفين في الخارج، أما من في الداخل فالظروف الحياتية ضاغطة بثقلها عليهم في ظل الحرب، وأقعدت الكثير منهم في منازلهم تحت ظرف المعيشة القاسية والمعاناة". 
جرائم الحوثي ضد الثقافة
ورأى البكالي أن المليشيا الحوثية تنظر للثقافة اليمنية والهوية والحضارة والآثار الحضارية بمنظار المغايرة والخصومة، وترى أن كل من يهتم بها كافر أو فاسق، كونه يعتد بيمانيته وهويته على الهاشمية والقرشية، وتعتبر كل ما يمكن أن يُخرِج اليمنيين عن تقديس آل البيت وطاعتهم ونزع السلطة الحصرية عنهم وتحرير الناس من عبوديتهم باطل يعارض الدين ويهدم أركانه، فالوطن في ثقافتها هي السلالة، والمواطنه هي التمييز والاستعلاء على اليمنيين بجعلهم عبيداً للسيد والشريف - كما يدعون - وهي تصدر في رؤيتها هذه عن موروث ثقافي للزيدية الهادوية، وخاصة آراء الإمام يحي بن الحسين الرسي، والقاسم العياني، وعبدالله بن حمزة التي وصمت آثار اليمن الحضارية بالشرك والوثنية، ودعت لمحاربتها وتدميرها، وقد هدم الهادي يحي بن الحسين الرسي (298هجرية)  قصر غمدان في صنعاء، وهدم ابنه الناصر قصر ناعط في خارف، كما عمد أئمة الهادوية إلى إحراق مخطوطات التراث اليمني القديم والوسيط وإخفائها من المساجد والمكتبات العامة، كي يجهل اليمني ذاته ويستقبل ثقافة الظلام الهادوية الشيعية فارغ الذهن، خاوي العقل. 

في الثقافة اليمنية
جرائم في حق التراث الحضاري في اليمن

وأكد أن جرائم المليشيا الحوثية اليوم في حق الثقافة والأثار لا تكاد تحصى، فقد عمدت لاعتقال وتعذيب عدد من الأدباء والكتاب، وتكميم أفوه المثقفين والمتعلمين، وحولت المدارس والجامعات ومنابر الثقافة والأدب إلى محاضن ومنابر للتشيع والفكر الطائفي، قسراً وجبراً، كما أغلقت وصادرت مراكز البحث ودور النشر، ومنتديات الأدب والثقافة، وطيفت مناهج التعليم، واقتادت الأطفال والشباب من المدارس والجامعات إلى المحارق والمعارك، وأحرقت وصادرت المكتبات العامة، والخاصة، وأعتدت على خزائن التراث والمخطوطات التاريخية في جامعة صنعاء واب، ومركز البحوث، ومدينة زبيد التاريخية، فصادرت منها ما يتصل بالتاريخ والهوية والحضارة والثقافة والعلوم والأدب اليمني، ولم تبقِ سوى ما يخدم فكرتها الطائفية المذهبية وتاريخ أئمتها الهادويين.
سوق سوداء للتهريب
وأوضح أنه على صعيد التراث الحضاري والموروث الثقافي فقد أقامت مليشيا الحوثي سوقاً سوداء لتهريب الآثار اليمنية، وبيعها في الخارج، ولديها مندوبون في أغلب الدول لبيع الأثار وجني الدولارات منها، وقد صادرت كل الآثار من المتاحف العامة، ومن بيوت بعض المسؤولين تجار الآثار سابقاً، وبعضهم كان يمتلك متحفاً في منزله ذا قيمة أكثر من المتاحف العامة، وكل ذلك جرت مصادرته وتهريبه وبيعه في الخارج، ويكفي أن المليشيا الحوثية اليوم سمحت ببعثات إسرائيلية للتنقيب عن الآثار اليهودية في اليمن، وسلمت نسخ التوراة القديمة لإسرائيل على مرأى من كل العالم، وكشف تقرير لمكتب حقوق الإنسان في محافظة الجوف وحدها عن تدمير ميليشيا الحوثي لأكثر من 63 معلماً أثرياً ومدنا تاريخية، بعد نهبها وبيعها، بحسب ما أورده موقع "سبتمبر نت".
كما أظهرت صور في مدينة "بيحان" شبوة تدمير المليشيا الحوثية لواحدة من أهم المدن الحضارية التي يعود تاريخها إلى القرن الرابع ق. م فيما عرف بعاصمة دولة قتبان، وقد تعرضت أثار المدينة التاريخية لتدمير بالألغام على مدى 3 أعوام من سيطرة الحوثيين على منطقة بيحان، وحولت المليشيا الحوثية معالم مدينة زبيد التاريخية المدرجة ضمن التراث العالمي إلى مواقع وثكنات عسكرية، ودمرت عدداً من القلاع والمساجد التاريخية بالألغام، وفي منطقة صرواح بمأرب قام الحوثيون بنسف أعمدة قصر سلحين التاريخي الذي يعود تاريخه إلى القرن السابع عشر ق. م، وهذه بعض أمثلة الإجرام الحوثي بحق الثقافة وآثار الحضارة الإنسانية في اليمن.
وزارة الثقافة
وأشار البكالي أن وزارة الثقافة تحاول جاهدة استيعاب المثقفين والأدباء والكتاب ولكنها تبدو مشلولة تماماً ولا تملك حيلة لمعالجة مشكلة أهم شريحة في المجتمع، ويعود ذلك لوضع الحكومة غير المستقر، وعدم تهيؤ الوزارة للعمل المؤسسي، واستقبال جموع الكتاب والمثقفين واستيعابهم، وتلعب شحة الإمكانات المادية في هذا السياق دوراً كبيراً، غير أنه ومن باب الإنصاف يتوجب هنا الإعتراف بتقصير الحكومة ككل والوزارة على وجه الخصوص في الإهتمام بشريحة الأدباء والكتاب والمثقفين، فهم الشريحة الوحيدة التي لم تنل أي اهتمام، ولم ترتب أوضاعها في الخارج والداخل بعد، فقد جرى ترتيب أوضاع الإعلاميين والسياسيين وغيرهم عدا الأدباء والكتاب والمفكرين، ويبدو أن عقدة النقص تجاه المثقف والأديب والكاتب لا تزال تلاحق النخب السياسية اليمنية من صنعاء إلى عدن والرياض والقاهرة. 
توثيق الجرائم
وحول وجود توثيق من جانب وزارة الثقافة للجرائم التي تم ارتكابها ضد الثقافة والحضارة في اليمن خاصة أن هناك الكثير من الآثار اليمنية سقطت أو محيت فضلا عن المكتبات والمتاحف، قال البكالي: بالنسبة لهذا السؤال الأولى توجيهه للمسؤول المباشر في وزارة الثقافة، ولكن على حد علمي هناك تقارير أعدتها الوزارة بهذا الصدد وتم الرفع بها للمنظمات الدولية، غير أني أجزم بعدم وجود حصر شامل لكل الجرائم التي طالت الثقافة والآثار طوال سنوات الصراع والحرب، فهناك جرائم يومية لا تتوقف ويصعب حصرها وتوثيقها نظراً لحالة الإنقسام وتستر المليشيا عن أفعالها في الغالب، بل هناك جرائم تمارسها جهات أخرى محسوبة على الشرعية في حق التراث الحضاري في اليمن، ومن ذلك تخطيط وبيع بعض الأراضي الأثرية في مأرب وفي عدن. والإشكالية الكبرى هنا في الآثار المنهوبة التي لم تحظ بالتوثيق والدراسة من قبل، وهي كثيرة تم تجريفها من قبل المليشيا الحوثية، وهذا تدمير كلي لتاريخ اليمن الحضاري بل تدمير لتاريخ البشرية.  

الإمكان والتنفيذ
أما عن وجود خطط واضحة لدعم الثقافة اليمنية والحفاظ على حضورها حية وفاعلة في المشهد الثقافي العربي، فلفت البكالي إلى أن هذا السؤال لا ينطبق مع وضعي كمثقف نازح ليس في يده أي مسؤولية ولا حيلة غير الكتابة، فالتخطيط يقتضي الإمكان والتنفيذ، وهذا من مهام أجهزة الدولة ومؤسساتها الثقافية، فهي القادرة على تجميع جهود المثقفين والكتاب والأدباء وتوجييها ودعمها بما يبقي اليمن حاضرة وفاعلة في المشهد الثقافي العربي والدولي، لكنني ومن منطلق الشعور بالمسؤولية تجاه الوطن لا ألو جهداً في التواصل والتنسيق مع الأدباء والكتاب في كل مناطق اليمن، وفي الخارج لتبادل الأفكار والرؤى، وطرح بعض المشاريع الفكرية والثقافية، فنحن نحاول جاهدين أن نخرق جدار الصمت، ونحدث حراكاً ثقافياً يحرك جمود الواقع الأليم، ولدينا ما يشبه الرابطة الثقافية لعدد من الكتاب والأدباء، ونقوم بجهود فكرية وثقافية في هذا المضمار، ومنها إنجاز بعض الإصدارات الثقافية، والدراسات والأبحاث التي تعالج الظاهرة اليمنية، وقد كان من هذه الجهود على المستوى الشخصي طبع ثلاثة كتب لي تعالج مشكلة الهوية والحضارة التي تستهدفها المليشيا اليوم، ومشكلة الذات والثقافة التي سطحتها الايديولوجيات السياسية الوافدة، ومشكلة التربية التي تتعرض اليوم لتدمير واسع وحرف عن مسارها الوظيفي في المجتمع، وبعدها الوطني، وهناك عدد من الزملاء والمثقفين كانت لهم اصدارات مهمة في ذات السياق.