جرائم بوليساريو في حق النساء والأطفال

العنف الجنسي لم يكن مجرد تجاوز فردي معزول داخل مخيمات تندوف، بل استُخدم ضمن وسائل الإذلال والسيطرة على النساء داخل منظومة احتجاز مغلقة.

أعادت ندوة حقوقية احتضنها نادي الصحافة السويسري في جنيف، يوم 17 يونيو/حزيران الجاري، ملف الانتهاكات التي تتعرض لها النساء المحتجزات داخل مخيمات تندوف إلى الواجهة الدولية. وخلال اللقاء، جددت الناشطة الصحراوية خديجتو محمد محمود اتهامها المباشر لإبراهيم غالي، زعيم جبهة البوليساريو، بالاعتداء عليها جنسيا عندما كان ممثلا للجبهة في الجزائر، وطالبت بفتح تحقيق مستقل وإنهاء الإفلات من العقاب الذي يحمي المتورطين في العنف ضد النساء داخل المخيمات.

شهادة خديجتو ليست رواية ظهرت مع ندوة جنيف، بل قضية تلاحق زعيم بوليساريو منذ سنوات. وتقول الناشطة إن الاعتداء وقع سنة 2010، عندما كانت في الثامنة عشرة وتعمل مترجمة في المخيمات، وإن غالي استغل حاجتها إلى وثائق مرتبطة بسفرها لاستدراجها إلى مقر تمثيلية الجبهة في الجزائر العاصمة. وفي سنة 2013 نقلت القضية إلى القضاء الإسباني، ثم عرضت شهادتها في أكتوبر/تشرين الأول 2022 أمام أعضاء في لجنة حقوق المرأة والمساواة بين الجنسين بالبرلمان الأوروبي. واستمرارها في المطالبة بالعدالة، رغم الضغوط وطول المدة، يعكس مصداقية مسار لم يتوقف عند تصريحات إعلامية.

وتكتسب إعادة طرح الملف في جنيف دلالة إضافية عشية اليوم العالمي للاجئين وتحمله مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين هذه السنة تحت شعار الحفاظ على وعد الأمان "حتى يصبح الجميع آمنين"، ففي تندوف، لا تقتصر المشكلة على نقص التمويل أو صعوبة المناخ، بل تتعلق بمحتجزين أبقتهم الجزائر لأكثر من خمسين عاما تحت سيطرة تنظيم مسلح أنشأته وموّلته وسلّحته، وتتحكم في قراره السياسي والعسكري وتوجه تحركاته، من دون تسجيل فردي شامل، ومن دون تمكين الضحايا من أي مسار مستقل للوصول إلى العدالة.

ولا تقف الانتهاكات ضد النساء عند قضية خديجتو، ففي مارس/آذار 2016، وثقت منظمة هيومن رايتس ووتش استمرار احتجاز ثلاث نساء بالغات داخل مخيمات تندوف ومنعهن من العودة إلى إسبانيا، رغم تعبيرهن الصريح عن رغبتهن في المغادرة. ويتعلق الأمر بمالوما موراليس ونجيبة محمد قاسم وداريا امبارك سلمى.

وكانت نجيبة قد عادت إلى المخيمات في ديسمبر/كانون الأول 2013 للحصول على وثائق لازمة لطلب الجنسية الإسبانية، قبل أن تُمنع من السفر وتنقطع الاتصالات بها فترات طويلة، فيما احتُجزت داريا بعد زيارة قامت بها في يناير/كانون الثاني 2014 وصودرت وثائقها. أما مالوما، وهي مواطنة إسبانية من أصل صحراوي، فقد مُنعت من ركوب السيارة المتجهة إلى المطار أثناء محاولتها العودة إلى إسبانيا. وتكمن خطورة هذه الحالات في أنها استمرت داخل فضاء تسيطر عليه بوليساريو، مع علم قيادتها بها وامتناعها عن وضع حد لها، في غياب أي جهة مستقلة تستطيع تنفيذ إرادة النساء ومحاسبة المتورطين.

النساء في مخيم تندوف
انتهاكات بالجملة خلف أسوار تندوف

وسبقت هذه الحالات واقعة محجوبة محمد حميداف، وهي مواطنة إسبانية من أصل صحراوي احتُجزت داخل المخيمات لمدة ثلاثة أشهر سنة 2014، بعدما سافرت لزيارة أسرتها، قبل أن تتمكن من المغادرة والعودة إلى إسبانيا.

كما كشفت الصحراوية محمودة أحميدة سعيد، في شهادة صحفية منشورة سنة 2024، أنها تعرضت للاختطاف والاحتجاز خمس مرات بسبب مطالبتها بحقوقها وانتقادها ممارسات قيادة بوليساريو، وتحدثت عن تعرضها للتعذيب والتضييق على مصادر عيشها. وتعكس هذه الوقائع نمطا يتجاوز الخلافات العائلية، ويقوم على تقييد الحركة واستخدام الاحتجاز والتهديد والعنف لإسكات النساء اللواتي يرفضن الخضوع أو يحاولن الخروج من المخيمات.

ويمتد سجل الانتهاكات إلى مراكز الاحتجاز التابعة لبوليساريو، فقد وثقت منظمة العفو الدولية منذ التسعينات الاعتقال التعسفي والسري لفترات طويلة، والتعذيب وسوء المعاملة والوفيات أثناء الاحتجاز والقتل المتعمد، مؤكدة أن المسؤولين عن هذه الجرائم لم يخضعوا للمحاسبة.

كما خلصت دراسة أكاديمية منشورة سنة 2023 بعنوان "المعتقلات المغربيات في سجون مخيمات بوليساريو: انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان" إلى توثيق شهادات عن الاغتصاب والاعتداءات الجنسية والتعذيب الجسدي والنفسي في حق نساء محتجزات.

وتضمنت الدراسة شهادة امرأة قالت إنها تعرضت للتعذيب والاغتصاب وأنجبت أثناء احتجازها، في وقت كانت ابنتاها محتجزتين معها. وهي شهادات تكشف أن العنف الجنسي لم يكن مجرد تجاوز فردي معزول، بل استُخدم ضمن وسائل الإذلال والسيطرة على النساء داخل منظومة احتجاز مغلقة.

هذه الحالات كشفت أن المرأة داخل المخيمات تجد نفسها محاصرة بين سلطة الأسرة وأجهزة بوليساريو، داخل فضاء يخضع للقرار السياسي والأمني الجزائري، فالجبهة لا تتحرك بوصفها طرفا مستقلا، بل باعتبارها أداة تتولى الجزائر تمويلها وتسليحها وتحديد خياراتها الكبرى، وتوفر لقيادتها الحماية السياسية اللازمة للاستمرار.

وحين طالبت هيومن رايتس ووتش بالتدخل في تلك القضايا، لم تتعامل معها بوصفها نزاعات عائلية خاصة، بل باعتبارها مسائل تتعلق بالاحتجاز غير القانوني وحرية التنقل وحق النساء البالغات في تقرير مكان إقامتهن ومستقبلهن.

أما الأطفال، فيواجهون وجها آخر من الاستغلال، فقد عُرضت أمام مجلس حقوق الإنسان واللجنة الرابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة، خلال السنوات الأخيرة، تقارير وشهادات بشأن إخضاع قاصرين للتلقين العسكري وإشراكهم في تدريبات واستعراضات بزي عسكري.

وفي أكتوبر/تشرين الأول 2025، نبه متدخلون أمام اللجنة الرابعة إلى استمرار عسكرة الأطفال والشباب في مخيمات تندوف، فيما أثارت منظمات أمام الدورة الستين لمجلس حقوق الإنسان قضايا تجنيد القاصرين والعنف الجنسي وسوء التغذية وضعف الرعاية الصحية.

ولا يمكن فصل هذه الممارسات عن بيئة مغلقة تستخدم فيها بوليساريو الأطفال في بناء خطابها الدعائي واستدامة نزاع خسر مبرراته السياسية، فالطفل الذي يولد في تندوف لا يُعامل باعتباره فردا له الحق في حياة مستقلة، بل باعتباره مادة بشرية لمشروع انفصالي يريد إعادة إنتاج نفسه جيلا بعد آخر.

وبعد أكثر من نصف قرن، لا تزال القيادة نفسها تعرض على الأطفال صور السلاح والزي العسكري بدلا من حل يعيدهم إلى حياة طبيعية داخل وطن مستقر.

مخيمات تندوف
تجنيد قسري

وتؤكد الأرقام الإنسانية حجم الضرر الواقع على هذه الفئة، فقد خلص المسح الغذائي لسنة 2025 إلى بلوغ سوء التغذية الحاد 13.6 في المئة بين الأطفال دون الخامسة، وهو أعلى مستوى مسجل منذ أكثر من عقد.

كما بلغ فقر الدم نحو 65 في المئة بين الأطفال و69 في المئة بين النساء في سن الإنجاب. وأفاد برنامج الأغذية العالمي بأن 81 في المئة من المحتجزين في المخيمات يعتمدون على المساعدة الإنسانية، فيما يوزع البرنامج قرابة 134 ألف حصة غذائية شهريا، ويقدم دعما خاصا إلى 8600 امرأة حامل ومرضعة، ووجبات مدرسية إلى نحو ثلاثين ألف طفل.

ويشير تقرير اليونيسف عن سنة 2025 إلى أن قرابة أربعين ألف طفل في مخيمات تندوف يحتاجون إلى استمرار خدمات الصحة والتغذية والتعليم، وأن خمسة عقود من البقاء في المخيمات عمقت انعدام الأمن الغذائي وقيّدت الوصول إلى الخدمات الأساسية. وخلال السنة نفسها، ساعدت المنظمة 35 ألفا و745 طفلا بين الثالثة والسادسة عشرة على الالتحاق بالتعليم، وقدمت حقائب مدرسية إلى عشرين ألف تلميذ.

وسبق لمنظمتي العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش توثيق سجل أوسع يشمل الاعتقال السري لسنوات، والتعذيب والعمل القسري والوفاة أثناء الاحتجاز، مع غياب التحقيق الجدي في الانتهاكات أو تحديد المسؤولين عنها ومحاسبتهم.

وأكدت هيومن رايتس ووتش أن الجزائر، مهما كانت الترتيبات التي عقدتها مع الجبهة، تظل مسؤولة بموجب القانون الدولي عن الجرائم والانتهاكات الخطيرة التي وقعت فوق أراضيها ومسؤوليتها في حالة تندوف تشمل دورها المباشر في إنشاء بوليساريو وتمويلها وتسليحها وتوجيه قراراتها، بما يجعل الانتهاكات المرتكبة داخل المخيمات نتيجة لبنية سياسية وأمنية ترعاها الجزائر وتضمن استمرارها.

وفي 18 يونيو/حزيران الجاري، طُرح الملف من جديد أمام لجنة الأمم المتحدة الخاصة بإنهاء الاستعمار، حيث اتهم متدخلون بوليساريو بارتكاب انتهاكات ممنهجة في حق المحتجزين في المخيمات، خصوصا النساء والأطفال، وأثاروا استمرار غياب التسجيل الفردي وحرمان المحتجزين من تحديد وضعهم القانوني وممارسة حرية التنقل.

كما وُجهت انتقادات مباشرة إلى الجزائر باعتبارها الجهة التي تعطل الإحصاء وتمنع إخضاع أعداد المحتجزين لأي تدقيق مستقل، بما يسمح باستخدام المساعدات الإنسانية لخدمة حساباتها السياسية والإبقاء على المخيمات ورقة في نزاع إقليمي تديره عبر بوليساريو.

واللافت أن مجلس الأمن نفسه جدد، في قراره 2797 الصادر في 31 أكتوبر/تشرين الأول 2025، طلبه بتسجيل المحتجزين، لكن أهمية القرار تتجاوز الجانب الإنساني، لأنه أحدث تحولا واضحا في المرجعية السياسية للنزاع، فقد نص على أن الحل الحصري للنزاع يجب أن يقوم "على أساس مقترح الحكم الذاتي الذي قدمه المغرب". كما دعا الأطراف إلى الدخول في المناقشات من دون شروط مسبقة، على أساس المبادرة المغربية.

وبذلك لم تعد مبادرة الحكم الذاتي مجرد اقتراح مغربي يحظى بدعم عدد متزايد من الدول، بل أصبحت في منطوق قرار لمجلس الأمن أساس العملية التفاوضية والنتيجة المطالبة للتطبيق.

واعتمد القرار بأحد عشر صوتا، مع امتناع ثلاث دول، بينما لم تشارك الجزائر في التصويت وهو تطور يختصر المسافة المتزايدة بين مشروع مغربي واقعي تدعمه الشرعية التاريخية والوقائع والدبلوماسية الدولية، وأطروحة انفصالية راكمت الفشل منذ أكثر من خمسين عاما.

ابراهيم غالي
ابراهيم غالي ملاحق في قضايا انتهاكات جنسية

وعلى الأرض، يوجد فارق لا يمكن إخفاؤه بين الأقاليم الجنوبية المغربية ومخيمات تندوف، ففي العيون والداخلة، يشارك المواطنون الصحراويون في الانتخابات، ويدبرون مجالس منتخبة، ويصلون إلى البرلمان والمؤسسات الوطنية، ويستفيدون من مشاريع البنية التحتية والتعليم والصحة والاستثمار. كما تعمل لجنتان جهويتان للمجلس الوطني لحقوق الإنسان في العيون والداخلة، وتوجد قنوات للتقاضي والتظلم والمراقبة والمساءلة.

أما في تندوف، فالمشهد هو مخيمات فوق التراب الجزائري، تتحكم فيها قيادة مسلحة غير منتخبة تعيش على النزاع والمساعدات، وترفض أي حل ينهي الوضع الذي يمنحها النفوذ. لا توجد دولة صحراوية ولا مؤسسات ذات سيادة، بل تنظيم انفصالي أنشأته الجزائر ورعته سياسيا وعسكريا وماليا، وتستخدمه أداة لتنفيذ سياستها الإقليمية واستهداف المغرب، فيما تحدد دوائر القرار الجزائرية خياراته الكبرى وما يصدر عنه من مواقف وتحركات سياسية وعسكرية ودبلوماسية.

ورغم وضوح هذا الفارق، لا تزال قلة سياسية وإعلامية بائسة في بعض العواصم الأوروبية تراهن على الأطروحة التي فشلت طوال نصف قرن. تتفنن هذه الأصوات في التشكيك في قدرة الدولة المغربية على حماية حقوق الصحراويين، وتتجاهل الانتخابات والمؤسسات والتنمية والتحولات التي تعرفها الأقاليم الجنوبية، لكنها تلتزم صمتا كاملا أمام شهادة امرأة تتهم زعيم بوليساريو بالاعتداء الجنسي، وأمام احتجاز نساء، وعسكرة أطفال، وانتشار فقر الدم وسوء التغذية داخل مخيمات توجد فوق أرض الجزائر.

هذا الصمت ليس دفاعا عن حقوق الإنسان، بل انتقائية سياسية مكشوفة، فمن يضع الدولة المغربية، بمؤسساتها وقضائها وآلياتها الدستورية، في كفة واحدة مع تنظيم مسلح يحكم المخيمات بالخوف والولاء، لا يدافع عن الصحراويين، وإنما يدافع عن استمرار أزمتهم.

كما أن السؤال الذي تطرحه جرائم بوليساريو لم يعد نظريا، فإذا كانت النساء والأطفال يتعرضون لكل هذه الانتهاكات بينما لا تعدو الجبهة أن تكون تنظيما انفصاليا تديره الجزائر وتموله وتسلحه وتوفر له الغطاء السياسي والدبلوماسي، فكيف كان سيكون الوضع لو كانت دولة قائمة بالفعل؟

الجواب تقدمه الوقائع والقرار 2797 معا. مستقبل الصحراويين يوجد ضمن حل واقعي تحت السيادة المغربية، يضمن لهم تدبير شؤونهم داخل مؤسسات منتخبة، وليس داخل مخيمات مغلقة تديرها قيادة مسلحة أثبتت، في تعاملها مع النساء والأطفال، أنها جزء أساسي من المشكلة وليست طريقا إلى الحل.