جعبة فابيوس

تلقف المفاوض الفلسطيني بلهفة تصريح وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس حول "حل الدولتين"، في معرض إعادة التذكير بالمبادرة الفرنسية وفي إشارة منه إلى أن باريس لا تزال متمسكة بأفكارها التي سبق وطرحتها حول التسوية.

الجديد في الأمر هو توقيت التصريح الذي يختصر وظيفته في ظل تصاعد المواجهة مع الاحتلال في الأراضي الفلسطينية واتساع جبهة هذه المواجهة بعد أن دخل على خطها أفراد من أجهزة الأمن التابعة للسلطة.

وإذا كان التقدير الفرنسي وغيره يقول بأن انسداد أفق التسوية هو ما يؤجج الأوضاع في الأراضي الفلسطينية، فإن فابيوس يريد أن يوحي مجددا بأن باب التسوية لا يزال مواربا، وأن فتحه على مصراعيه يستلزم بالضرورة خلق مناخ يساعد على انطلاق قطار هذه التسوية مجددا، والمقصود بذلك إعادة الهدوء أي وقف الانتفاضة.

خارج الاستخلاص السابق، لم تمثل أية مبادرة أوروبية ـ عمليا ـ أكثر من محاولة تحريك الأجواء بين كل سبات وآخر ينتاب المحاولات الأميركية لتمرير عملية التسوية باتجاه فرض حل لا ترفضه تل أبيب ويجبر الفلسطينيون على قبوله.

حدث مثل هذا إبان ولاية الرئيس الفرنسي نيكولاي ساركوزي، وطرحت في حينها فرنسا مبادرة لا تختلف في الجوهر عما طرحته باريس مؤخرا؛ باستثناء الإعلان عن استعداد فرنسا للاعتراف بدولة فلسطين في حال جرت المفاوضات وفق مبادرتها ووصلت إلى طريق مسدود.

وفي حينها حذرنا من هذا الفخ لأن المبادرة الفرنسية تشطب بأفكارها الرئيسية رزمة من الحقوق الفلسطينية، بما يعني أن الخوض في التسوية بموجبها سيوصل إلى مرحلة لن تكون فيها مقومات فعلية لقيام الدولة الفلسطينية حتى "نتنعم" بالاعتراف الفرنسي بها.

خاصة أن هذه الأفكار تضع مستقبل القدس على كف عفريت الاستيطان ولا تلتزم قرارات الشرعية الدولية التي كررت النص على أن القدس الشرقية جزء أصيل من الأراضي التي احتلتها إسرائيل في العام 1967، إلى جانب ذلك، تركت المبادرة لخريطة الاستيطان حرية تحديد حدود الدولة الفلسطينية، وتصدرت تلبية الاعتبارات الأمنية الإسرائيلية اهتمام المبادرة وأصحابها.

قبل كل ذلك، قفزت جميع المبادرات الأوروبية والأميركية تجاه التسوية عن حق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم وممتلكاتهم والذي يكفله القرار الدولي 194، وإذا كانت تل أبيب ترفض هذه المبادرة فلأسباب تتعلق أولا برفض أي دور أوروبي مباشر في عملية التسوية، وثانيا، لا يوجد ما يدفع إسرائيل للتفاعل مع أية عملية تسوية طالما تمضي سياساتها التوسعية من غير عائق يذكر، وبالتالي فإن مستقبل الكيانية الفلسطينية يحدده تطبيق هذه السياسات على الأرض بعيدا عن مجهر المجتمع الدولي.

لهذا السبب لم تنجح محاولات المفاوض الفلسطيني تسويق ترحيبه بل وتبنيه للأفكار الفرنسية ربطا بالرفض الإسرائيلي لهذه الأفكار، وقلنا في حينها "ليس صحيحا أن كل ما يرفضه عدونا.. يأتي لصالحنا".

الأهم في الأمر، أن المجلس المركزي الفلسطيني أكد من ضمن قراراته (آذار/مارس) الماضي على إرساء عملية التسوية وفق قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة، وهذا يعني حكما إغلاق الباب أمام المبادرة الفرنسية التي تشطب الحقوق الوطنية الفلسطينية بدءا من حق العودة وصولا إلى قيام الدولة الفلسطينية كاملة السيادة على جميع الأراضي المحتلة بعدوان 1967 وعاصمتها القدس.

على كل، حتى باريس التي يعيد وزير خارجيتها التذكير بأفكارها تجاه التسوية تدرك أن لا فرصة لهذه الأفكار كي تكون قيد التداول. ولا يخرج التصريح الفرنسي ـ كما ذكرنا ـ عن وظيفة إشغال الرأي العام الفلسطيني بيافطة التسوية، على أمل أن يجد المفاوض الفلسطيني ما يتمسك به لتبرير خياره السياسي الوحيد الذي لا يرى سوى المفاوضات طريقا لحل الصراع بغض النظر عن أسس هذه المفاوضات وقواعدها؛ هروبا من الاستحقاقات التي تطرحها بقوة الانتفاضة الشبابية الفلسطينية التي اندلعت في بداية تشرين الأول /أكتوبر من العام الماضي.

من الوهم الاعتقاد أنه يمكن تجاهل هذه الاستحقاقات والهروب منها، وجميع المؤشرات على الأرض تؤكد أن استمرار الانتفاضة يفرض بالضرورة تفاعلات سياسية وشعبية تتسع تدريجيا، وتفتح ـ بالضرورة أيضا ـ عمليات القتل والترويع والاعتقال ونسف البيوت على المزيد من الاحتقان الفلسطيني أي على المزيد من الانفجار في وجه الاحتلال.

ومع استمرار توليد هذا الاحتقان، فإن نقمة الشارع الفلسطيني ستتجه أيضا ضد سياسات التردد والتلكؤ في تأييد الانتفاضة وتبني سياسة واضحة ومسؤولة في حمايتها والدفاع عنها وفتح معركة مع الاحتلال على الصعيدين السياسي والديبلوماسي عبر تفعيل عضوية فلسطين في مؤسسات الأمم المتحدة وعلى نحو خاص المحكمة الجنائية الدولية.

ومع استمرار الانتفاضة، واستمرار هذا التلكؤ، لن تكون ـ برأينا ـ هذه الانتفاضة فقط من سيقف على مفترق طرق، بل ربما الحالة الفلسطينية برمتها، لأن تداعيات ما يجري على الأرض ستطال حتى القطاعات التي لم تنخرط حتى الآن بفعاليات الانتفاضة، في ظل تشديد الحصار والضغط المنهجي الإسرائيلي على الفلسطينيين.

في الإطار ذاته، تتحمل القوى والفصائل الفلسطينية مجتمعة مسؤولية وطنية كبرى في دعم الانتفاضة والانخراط في ميدانها وتشكيل قيادة شبابية موحدة توجه مسارها ربطا ببرنامج موحد يفتح الأفق أمامها نحو تحقيق أهدافها. وهذا الأمر لا يؤدي فقط إلى إسناد الانتفاضة وحمايتها بل يشكل تجاوزا ميدانيا لحالة الانقسام، كما حصل في مواجهة العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة الصيف الماضي.. وقبله. ويؤدي ذلك، في السياق، إلى تظهير الوضع القائم في الأراضي الفلسطينية المحتلة على أنه ليس "طيش شباب" كما يحاول البعض تصويره. وليس إرهابا تحرض عليه جهات بعينها؛ كما تسوق لذلك إسرائيل، ليجد المجتمع الدولي نفسه أمام انتفاضة شعبية عارمة في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي الذي يستمد القدرة على استمراره بفضل الصمت الدولي عما يجري.

ويؤدي قيام القوى والفصائل مجتمعة بدورها المطلوب تجاه الانتفاضة، إلى بلورة مشهد فلسطيني سياسي وشعبي يضع المفاوض الفلسطيني ومرجعيته السياسية أمام وضع مختلف لا يستطيع تجاوزه ولا الهروب من استحقاقاته. ووضع لا تستطيع فيه جميع المبادرات أن تتجاوز حقيقة الوضع القائم في الأراضي الفلسطينية المحتلة.

استحقاقات مطروحة بقوة أمام الجميع. والوقت والاحتلال.. لا يرحمان.